10 - النبي أولى بالخدش من الحكام الغالبين
شخصية النبي الباهرة طاهرة مطهرة، تسامى الله بها وهي بأدق الموازين العلمية لا تخدش ولا تعاب، ولكن إذا كان الناس أمام خيارين: إما أن يخدشوا النبي الراحل ويطعنوا في شخصيته، وإما أن يخدشوا الخليفة الحي ويطعنوا في شخصيته، فالحل هو الطعن في شخصية النبي! وهكذا صوروه كرجل يفقد السيطرة على نفسه في الغضب، فيلعن، ويسب، ويؤذي من لا يستحق اللعن، والسب، والإيذاء، وهكذا خدشوا نبيهم، وأضفوا الكمال والزكاة والطهر على غالبيهم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا!
اللهم إن هذا منكر لا ترضى به، اللهم إن هذه مصيبة، فأذن لنا أن نردد ما أمرتنا بقوله: إنا لله وإنا إليه راجعون.
11 - رسول ونبي لا يعرف أنه رسول
روى البخاري في مجلد 1 صفحة 3 باب بدء الوحي وتفسير سورة إقرأ، وروى مسلم في كتاب الإيمان - باب بدء الوحي الحديث 252، وروى أحمد في مسنده مجلد 6 صفحة 223 و 233: أن رسول الله لما جاءه جبريل بآيات (إقرأ باسم ربك الذي خلق) إلى قوله تعالى (علم بالقلم) رجع إلى بيته ترجف بوادره، وقال لخديجة: إني خشيت على نفسي، فقالت له خديجة: أبشر، كلا والله لا يخزيك الله أبدا، وانطلقت به إلى ورقة بن نوفل - وكان امرءا نصرانيا - فأخبره رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خبر ما رآه، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى...
فورقة هنا أدرى بالوحي وجبريل من رسول الله الذي خوطب بالوحي، ونتيجة ما قاله ورقة اطمأن الرسول لمصيره، وقبل ذلك كان النبي يريد أن يلقي بنفسه من حالق جبل كما يروي ابن سعد في طبقاته مجلد 1 صفحة 129 - 130، وكما يروي الطبري في خبر البعثة.
فأنت تلاحظ أن السيدة خديجة وهي امرأة عرفت ما لم يعرفه النبي، وأن ورقة وهو نصراني هو الذي طمأن النبي بأنه نبي، وقبل ذلك لم يكن النبي يعرف أنه نبي مرسل!!!
يقول العلامة مرتضى العسكري: لست أدري كيف لم يكن الرسول يعرف نفسه وعلى كتفه خاتم النبوة التي يعرفه بها كل من رآه من أهل الكتاب؟.
12 - خلفاء أتقى من نبي
روى البخاري في كتاب فضائل أصحاب النبي - باب مقدم النبي وأصحابه المدينة، وفي كتاب العيدين - باب سنة العيدين لأهل الإسلام، وروى مسلم في صحيحه كتاب صلاة العيدين - باب الرخصة في لعب يوم العيد: أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) استمع إلى غناء جوار من الأنصار فنهرهن أبو بكر.
وروى مسلم في كتاب صلاة العيدين بأن الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيام العيد الحديث 18 و 19 و 20 و 21 و 22: أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) رفع عائشة على منكبيه لتنظر إلى الحبشة الذين يلعبون في المسجد، فنهرهم عمر. وروى الترمذي في أبواب المناقب باب مناقب عمر: إذ اطلع عمر فانفض الناس، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (عليهم السلام) إني لأنظر إلى شياطين الجن والإنس قد فروا من عمر! فشياطين الجن والإنس لا تفر من النبي، ولكنها ما إن ترى الخليفة عمر حتى تفر منه، وهو مجرد صحابي جليل ومسلم، والناس يلعبون أمام النبي ولا ينكر عليهم لعبهم، ثم يأتي أبو بكر وعمر فينهرا الجميع.
ومثل هذا النصوص التي رواها الترمذي، باب المناقب عن عمر، ومسند أحمد مجلد 5 صفحة 353 حيث يقعد الشيطان آمنا مطمئنا مع النبي حتى إذا دخل عمر فر الشيطان!!
13 - نبي يخيل إليه أنه يفعل الشئ وما فعله
روى البخاري في كتاب بدء الخلق - باب صفة إبليس وجنوده، وفي كتاب الطب - باب هل يستخرج السحر، وكتاب الأدب - باب أن الله يأمر بالعدل، وكتاب الدعوات - باب تكريم الدعاء، وروى مسلم في صحيحه - باب السحر: أن بعض اليهود سحروا رسول الله حتى يخيل إليه أنه يفعل الشئ وما فعله!
14 - نبي يسقط آية من القرآن فيذكره بها قارئ
روى البخاري في باب قول الله (وصل عليهم) وكتاب الشهادات - باب شهادة الأعمى ونكاحه، وروى مسلم في كتاب فضائل القرآن - باب الأمر بتعهد القرآن، عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي سمع رجلا يقرأ في المسجد، فقال: رحمه الله اذكرني كذا وكذا آية أسقطتها من سورة كذا!
فأنت ترى أنه لولا هذا القارئ لما تذكر النبي الآية التي أسقطها من سورة كذا!
ونترك لك الحكم، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
15 - ابن عم خليفة يعلم النبي ويرفض طعامه
روى البخاري في صحيحه - كتاب الذبائح - باب ما ذبح على النصب والأزلام مجلد 2 صفحة 207، وروى أحمد في مسنده مجلد 2 صفحة 19 و 86، أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قبل أن ينزل عليه الوحي قدم إلى زيد بن عمرو بن نفيل سفرة فيها لحم فأبى زيد أن يأكل منها، ثم قال زيد للنبي: إني لا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه، وزيد هذا هو ابن عم الخليفة عمر بن الخطاب!
فانظر كيف احتاط زيد حتى قبل أن يدخل في الإسلام، وكيف رفض أن يأكل من طعام النبي، النبي الذي رباه الله، وصنعه على عينه. راجع نهج البلاغة، الخطبة في وصف النبي (صلى الله عليه وآله) صفحة 44 - شرح صبحي الصالح.
16 - نتيجة المقدمة
بعد كل هذا فلا ينبغي أن تندهش إذا رفع مقام الخلافة على مقام النبوة، فقد خطب الحجاج بن يوسف الثقفي في أهل الكوفة، فذكر الذين يزورون قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالمدينة، فقال: إنما يطوفون بأعواد ورمة بالية!!! هلا طافوا بقصر أمير المؤمنين عبد الملك، ألا يعلمون أن خليفة المرء خير من رسوله! راجع شرح النهج لابن
17 - النبي يتحول بقدرة قادر إلى مجرد مجتهد
قال ابن أبي الحديد المعتزلي في مقام الاعتذار عن تخلف الخليفتين - أبي بكر وعمر - عن جيش أسامة: إنه (أي الرسول) كان يبعث السرايا عن اجتهاد لا عن وحي يحرم مخالفته! ثم أطال الحديث عن اجتهاد الرسول في هذه القضية، راجع شرح النهج لابن أبي الحديد مجلد 4 صفحة 172 - 178... وسنعالج الموضوع في باب الاختلاف. إن شاء الله تعالى.
18 - النبي حاشا له يهجر
1 - روى البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب الجوائز مجلد 4 صفحة 21 ط. دار الفكر وروى مسلم في صحيحه - كتاب الوصية - باب ترك الوصية مجلد 2 صفحة 16 ط عيسى الحلبي، وفي مجلد 11 صفحة 89 - 94 ط مصر بشرح النووي، وروى الإمام أحمد في مسنده مجلد 1 صفحة 222 ط الميمنية ومجلد 3 صفحة 286 الحديث 1935 بسند صحيح، ومجلد 5 صفحة 45 الحديث 3111
عن ابن عباس: أن النبي اشتد به وجعه يوم الخميس فقال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا، فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: هجر رسول الله، قال: دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني، وأوصى عند موته بثلاث:
أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزه، ونسيت الثالثة.
2 - وروى مسلم في صحيحه، كتاب الوصية، باب ترك الوصية مجلد 2 صفحة 16 ومجلد 11 صفحة 94 - 95 بشرح النووي، وروى الإمام أحمد في مسنده مجلد 1 صفحة 355، والطبري في تاريخه مجلد 3 صفحة 193، وابن الأثير في الكامل
3 - روى البخاري في صحيحه كتاب النبي إلى كسرى وقيصر - باب مرض النبي ووفاته مجلد 5 صفحة 137، والطبري في تاريخه مجلد 3 صفحة 192 - 193 عن ابن عباس قال: يوم الخميس وما يوم الخميس اشتد برسول الله (صلى الله عليه وسلم) وجعه فقال:
إئتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا، فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا عن النبي ما شأنه أهجر؟ استفهموه، فذهبوا يرددون عليه، فقال: دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه، وأوصاهم بثلاث قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، وسكت عن الثالثة أو قال فنسيتها.
4 - وروى البخاري في صحيحه كتاب الجزية - باب إخراج اليهود من جزيرة العرب مجلد 4 صفحة 65 - 66 أنه قال (صلى الله عليه وسلم) إئتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: ما له؟! أهجر؟ استفهموه...
5 - وذكر السبط بن الجوزي الحنفي في كتابه تذكرة الخواص صفحة 62 المطبعة الحيدرية، وجاء في كتاب سر العالمين، وكشف ما في الدارين لأبي حامد الغزالي صفحة 21 مطبعة النعمان: أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) قال: إن النبي ليهجر.
إذا حالوا بينه، وبين كتابة ما أراد، مع أن الوصية حق لكل مسلم، ولم يكتفوا بذلك إنما صرحوا علنا، وصدموا خاطر النبي الشريف، وزعموا أنه هجر، يهجر، ليهجر، حاشا له مع أن الصديق (رضي الله عنه) اشتد به المرض أكثر مما اشتد برسول الله المرض، وأملى جزءا من وصيته، ثم فارق وعيه، وبعد أن استرد وعيه أكمل وصيته، ولم يقل أحد عل الإطلاق أن الصديق يهجر، ولم يحل بين الصديق وبين كتابة ما أراد حائل،
مع أن الصديق ليس أكثر من صحابي جليل، ومن حاكم عادل، ولم يصل إلى درجة النبوة، ولا قال أحد أنه قد وصل إلى هذه الدرجة!!
كذلك فإن المرض قد اشتد بعمر (رضي الله عنه) أكثر مما اشتد برسول الله مرضه، وتكلم عمر وأصغى له المسلمون بإجلال ولم ينقسموا بين يديه، ونفذوا كلامه، وأوصى، ونفذوا وصيته، وتحدث أثناء مرضه ما شاء أن يتحدث، ولم يحل بينه وبين أن يقول ما يشاء حائل، ولم يقل له أحد قط إن الفاروق (رضي الله عنه) هجر أو يهجر، مع أن الفاروق ليس أبدا أكثر من صحابي جليل ومن حاكم عادل!!
إن هذا لشئ عجاب!!
19 - القرآن وحده يكفي ولا حاجة لوصية النبي وقوله
هذه التصورات المهزوزة عن ذات النبي جمحت بالمسلمين، فجنحت بهم عن الطريق، فركبوها، وأرخوا لها العنان، فأدخلتهم بليل الغموض والتيه، وآفاق الهوى، فتصوروا أن بإمكانهم أن يدركوا الرشد بدون نبي وبالقرآن وحده، وتصوروا أن بإمكانهم أن يهتدوا، وأن لا يضلوا إذا تمسكوا بالقرآن وحده، بمعنى أن دور النبي محدود، وثانوي جدا.
كانت هذه التصورات وساوس خفية في الصدور، وأفصحت عن ذاتها في مرض النبي، وبرزت سافرة وبدون ستر، وتبين أن لهذه التصورات أنصارا وأعوانا، وأخيرا واجه أصحاب هذه التصورات النبي نفسه، وانتصروا، وانتصرت تصوراتهم.
وآية ذلك وبرهانه:
1 - جاء في صحيح البخاري كتاب المرضى - باب قول المريض: قوموا عني مجلد 7 صفحة 9 دار الفكر، وجاء في صحيح مسلم في آخر كتاب الوصية مجلد 5
بسند صحيح دار المعارف بمصر عن ابن عباس قال: لما حضر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال النبي (صلى الله عليه وسلم) هلم أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده، فقال عمر: إن النبي قد غلب الوجع، حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله كتابا لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول! القول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي، قال لهم رسول الله: قوموا عني.
وأنت تلاحظ أن الفريق الذي كان يعارض كتابة الكتاب كان بقيادة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه).
2 - وجاء في شرح نهج البلاغة لعلامة المعتزلة ابن أبي الحديد مجلد 6 صفحة 51 - مطبعة مصر بتحقيق محمد أبو الفضل - عن ابن عباس: لما حضرت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الوفاة، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال رسول الله: إئتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده، قال ابن عباس: فقال عمر كلمة معناها: أن الوجع قد غلب على رسول الله، قال: عندنا القرآن، حسبنا كتاب الله...
3 - وجاء في صحيح البخاري كتاب العلم - باب كتابة العلم مجلد 1 صفحة 37 دار الفكر، عن ابن عباس: لما اشتد بالنبي (صلى الله عليه وسلم) وجعه قال: إئتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده، قال عمر: إن النبي (صلى الله عليه وسلم) غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا فاختلفوا، وأكثروا اللغط، قال النبي: قوموا عني، ولا ينبغي عندي التنازع....
4 - وجاء في صحيح البخاري - كتاب الإعتصام بالكتاب والسنة - باب كراهية الخلاف مجلد 8 صفحة 161 دار الفكر عن ابن عباس قال: لما حضر النبي (صلى الله عليه وسلم) وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال: هلم أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده، قال عمر: إن النبي (صلى الله عليه وسلم) غلبه الوجع وعندكم القرآن، فحسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم رسول الله كتابا لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر....
6 - وروى ابن عبد البر بثلاثة أسانيد في جامع البيان مجلد 2 صفحة 147، والذهبي في تذكرة الحفاظ مجلد 1 صفحة 4 و 5 قول عمر بن الخطاب.... إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل فلا تصدوهم بالأحاديث عن رسول الله وأنا شريككم....
20 - ذات الخليفة أهم من ذات النبي!
روى الزبير بن بكار في الموفقيات صفحة 575 - 576، وروى علامة المعتزلة بن أبي الحديد في شرح النهج مجلد 2 صفحة 176 عن المطرف بن مغيرة بن شعبة قال:
دخلت مع أبي على معاوية، فكان أبي يأتيه ويتحدث معه، ثم ينصرف إلي فيذكر معاوية وعقله، ويعجب بما يرى منه، إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء، ورأيته مغتما، فانتظرته ساعة، وظننت أنه لأمر حدث فينا، فقلت: ما لي أراك مغتما منذ الليلة، فقال: يا بني جئت من أكفر الناس وأخبثهم، قلت: وما ذاك؟ قال: قلت له وقد خلوت به: إنك قد بلغت سنا يا أمير المؤمنين فلو أظهرت عدلا، وبسطت خيرا فإنك قد كبرت، ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم، فوالله ما عندهم اليوم شئ تخافه، وإن في ذلك مما يبقى لك ذكره وثوابه؟ فقال: هيهات، هيهات، أي ذكر أرجو بقاءه، ملك أخو تيم فعدل وفعل ما فعل، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره إلا أن يقول قائل: أبو بكر، ثم ملك أخو عدي فاجتهد وشمر عشر سنين، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره إلا أن يقول قائل: عمر، وإن ابن أبي كبشة (يعني النبي) ليصاح به كل يوم خمس مرات (أشهد أن محمدا رسول الله) فأي عمل يبقى؟ وأي ذكر يدوم بعد هذا؟
لا والله إلا دفنا دفنا. إنتهى النص كما ورد في المرجعين السابقين، وكما نقله العلامة السيد مرتضى العسكري في مجلد 2 صفحة 356 - 357 من معالم المدرستين.
وكان شمر بن ذي الجوشن يقعد حتى يصبح، ثم يصلي ويقول في دعائه (اللهم اغفر لي) فقيل له: كيف يغفر الله لك وقد خرجت إلى ابن بنت رسول الله فأعنت على قتله؟ قال: ويحك فكيف نصنع، إن أمراءنا هؤلاء أمرونا، فلم نخالفهم، ولو خالفناهم كنا شرا من هذه الحمر). راجع تاريخ الإسلام للذهبي مجلد 3 صفحة 18 - 19.
وكان كعب بن جابر ممن حضر قتال الحسين في كربلاء يقول في مناجاته (يا رب إنا قد وفينا فلا تجعلنا يا رب كمن غدر) يقصد بمن غدر من خالف الخليفة وعصى أمره.
ودنا عمر بن الحجاج يوم عاشوراء من أصحاب الحسين، ونادى وقال: يا أهل الكوفة الزموا طاعتكم وجماعتكم، ولا ترتابوا في قتل من مرق من الدين وخالف الإمام.
وقد قال مسلم بن عقبة الذي استباح المدينة، وختم أعناق الصحابة، وأذلهم وقتل يوم الحرة أحد عشر ألف مسلم، قال عن عمله هذا: اللهم إني لم أعمل عملا قط بعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله (أي بعد الإسلام) أحب إلي من قتل أهل المدينة (أي مدينة الرسول) ولا أرجى عندي في الآخرة، وإن دخلت النار بعد ذلك إني لشقي فإن هذا تدين بحب الخلفاء، وطاعتهم فريد من نوعه.
وثمرة لهذا كله تعاظم مقام الخليفة، حتى بلغ عند شيعة الخلفاء مرتبة لم يبلغها النبي نفسه، فقد كتب مروان بن محمد - وكان واليا على أرمينية - إلى الوليد بن يزيد بن عبد الملك الفاسق: يبارك له خلافة الله على عباده. راجع تاريخ بن كثير مجلد 10 صفحة 4، وهذا الوليد هو الذي سعى أخوه سلمان في قتله، وقال أشهد أنه كان
21 - التصريح يغني عن التلميح
روى أبو داود في سننه مجلد 4 صفحة 210 الحديث 4645 باب في الخلفاء، عن سليمان بن الأعمش قال: جمعت مع الحجاج فخطب... قال فيها: إسمعوا وأطيعوا لخليفة الله وصفيه عبد الملك بن مروان!
وروى أبو داود في سننه مجلد 4 صفحة 209 الحديث 4642، والمسعودي في مروجه - ذكر طرف من أخبار الحجاج مجلد 3 صفحة 147 - وابن عبد ربه في العقد الفريد مجلد 5 صفحة 52، واللفظ لأبي داود قال: عن الربيع بن خالد العنبي قال:
سمعت الحجاج يخطب، فقال في خطبته: رسول أحدكم في حاجته أكرم عليه أم خليفته في أهله!
وفي العقد الفريد مجلد 5 صفحة 51 أنه - أي الحجاج - كتب إلى عبد الملك يعظم فيه أمر الخلافة، ويزعم أن السماوات والأرض ما قامتا إلا بها، وأن الخليفة عند الله أفضل من الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين، ذلك أن الله خلق آدم بيده وأسجد له ملائكته، وأسكنه جنته، ثم أهبطه إلى الأرض وجعله خليفته، وجعل الملائكة رسلا إليه، فأعجب عبد الملك بذلك وقال: لوددت أن بعض الخوارج عندي فأخاصمه بهذا الكتاب... إلخ!
ثم أنزل من قدر الخليفة وجعله مساويا للرسول، فقال في خطبة له - كما في سنن أبي داود والعقد الفريد: إن مثل عثمان عند الله كمثل عيسى بن مريم، ثم قرأ الآية: إذ قال الله يا عيسى بن مريم إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة). راجع سنن أبي داود مجلد 4 صفحة 209، والعقد الفريد مجلد 5 صفحة 51
وأمر الوليد بن عبد الملك خالد بن عبد الله فحفر بئرا بمكة فجاءت عذبة الماء طيبة، وكان يستقي منها الناس، فقال خالد في خطبته على منبر مكة: أيها الناس أيها أعظم خليفة الرجل على أهله أم رسوله إليهم؟ والله لو لم تعلموا فضل الخليفة! إلا أن إبراهيم خليل الرحمن استسقى فسقاه ملحا أجاجا، واستسقاه الخليفة فسقاه عذبا فراتا!! بئرا حفرها الوليد بن عبد الملك بالثنيتين ثنية طوى وثنية حجون، فكان ينقل ماؤها فيوضع في حوض من أدم إلى جنب زمزم ليعرف فضله على زمزم، قال الراوي: ثم غارت البئر، فذهبت فلا يدرى أين هي اليوم.
هكذا بلغت منزلة الخليفة خاصة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فصار من الشروط على الخليفة الجديد بعدهما أن يعمل بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الصديق والفاروق، كما هو ثابت بدون توثيق.
وخطب الحجاج يوما على منبر الكوفة، فذكر الذين يزورون قبر رسول الله فقال:
تبا لهم يطوفون بأعواد ورمة بالية، هلا طافوا بقصر أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، ألا يعلمون أن خليفة الرجل خير من رسوله!!!
وهكذا ارتقت مرتبة الخلافة فوق مرتبة النبوة وبلغ الإسفاف بشيعتها حدا يخجل الإنسان من وصفه.
وفي هذا المناخ التربوي كتبت أحاديث رسول الله بعد 95 سنة من منعها وحصارها!!
الفصل السابع
بيان النبي عند شيعة أهل البيت وشيعتهم
1 - النبي المعصوم، ومعنى العصمة
برأي محمد بن النعمان الملقب بالشيخ المفيد، والسيد الشريف محمد بن الحسين الرضي الموسوي، كما جاء في الصفحة 150 من أوائل المقالات في المذاهب المختارات:
أن العصمة في أصل اللغة هي ما اعتصم به الإنسان من الشئ، كأنه امتنع به عن الوقوع في ما يكره. وليست جنس من أجناس الفعل، ومنه قولهم: اعتصم فلان بالجبل إذا امتنع به، ومنه سميت العصم وهي وعول الجبال لامتناعها بها.
والعصمة من الله تعالى هي التوفيق الذي يسلم به الإنسان مما يكره إذا أتى بالطاعة. وذلك مثل إعطائنا رجلا غريقا حبلا ليثبت به فيسلم، فإذا هو أمسكه واعتصم به، سمي ذلك الشئ عصمة له، لما تثبت به فسلم من الغرق، وإن لم يعتصم به لم يسم عصمة، وكذلك سبيل اللطف أن الإنسان إذا أطاع سمي توفيقا وعصمة، وإن لم يطع لم يسم توفيقا ولا عصمة، وقد بين الله تعالى ذكر هذا المعنى في كتابه بقوله (واعتصموا بحبل الله جميعا) سورة آل عمران 103، وحبل الله هو دينه، ألا ترى أنهم بامتثال أمره يسلمون من الوقوع في عقابه، فصار تمسكهم بأمره اعتصاما، وصار لطف الله لهم في الطاعة عصمة، فجميع المؤمنين من الملائكة والنبيين والأئمة معصومون لأنهم متمسكون بطاعة الله.
يقول الطوسي صفحة 152 من النافع يوم المحشر في شرح الباب الحادي عشر، وراجع عقيدة الشيعة الإمامية في الإمام الصادق وسائر الأئمة للسيد حسين يوسف مكي العاملي صفحة 12 و 23، وفي أعيان الشيعة للمجتهد الأكبر محسن الأمين مجلد 1 صفحة 2 و 6 و 7: إن من يخلف رسول الله معصوم من الله تعالى، والعصمة لا يطلع عليها إلا الله تعالى، وعصمة الإمام ضرورية، لأنه لو كان غير ذلك لم يؤمن من اتباع الهوى، خاصة وأنه معلم الأمة ما يجهلونه من أحكام الشرع، وصدور الذنب منه يؤدي لعدم الوثوق بأقواله، وذلك ينافي الغرض المطلوب من إمامته، فالدليل الدال على عصمة الرسول دال على عصمة خليفته المنصوص عليه شرعا، لأنه القائم مقام الرسول في حفظ الشرع وتأديته إلى الأمة، وقد أمد الله الأئمة بفيض من القابليات والاستعدادات والكمالات النفسية...، راجع كتابنا النظام السياسي في الإسلام صفحة 23 - 24
2 - النبي لا ينطق عن الهوى
قال محمد بن النعمان الملقب بالشيخ المفيد (رحمه الله) في كتابه أوائل المقالات صفحة 69 ما يلي وبالحرف: إن نبينا محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يعص الله عز وجل منذ خلقه الله عز وجل إلى أن قبضه، ولا تعمد له خلافا، ولا أذنب ذنبا، على التعمد ولا النسيان وبذلك نطق القرآن، وتواتر الخبر عن آل محمد، وهو مذهب جمهور الإمامية، والمعتزلة بأسرها على خلافه.
وأما ما يتعلق به أهل الخلاف من قوله تعالى (ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر) وأشباه ذلك في القرآن الكريم، ويعتمدونه في الحجة على خلاف ما ذكرناه، فإنه تأويل بضد ما توهموه، والبرهان يعضده إلى البيان، وقد نطق القرآن الكريم بما قد وصفناه فقال جل اسمه (والنجم إذا هوى، ما ضل صاحبكم وما غوى) فنفى بذلك عنه كل معصية ونسيان.
والأنبياء والأئمة من بعده معصومون في حال نبوتهم وإمامتهم من الكبائر والصغائر، والعقل يجوز عليهم ترك مندوب إليه على غير التعمد للتقصير والعصيان، ولا يجوز عليهم ترك مفترض لأن نبينا (صلى الله عليه وآله) والأئمة: من بعده كانوا سالمين من ترك المندوب والمفترض قبل إمامتهم وبعدها.
وفي الصفحة 235 - 237 من المرجع السابق قال الشيخ المفيد: فأما الوصف لهم بالكمال في كل أحوالهم، فإن المقطوع به كما لهم في جميع أحوالهم التي كانوا فيها حججا لله على خلقه، منذ أكمل عقولهم إلى أن قبضهم، وقد جاء في الخبر أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) والأئمة: من ذريته كانوا حججا لله تعالى منذ أكمل عقولهم إلى أن قبضهم، ولم يكن لهم قبل أحوال التكليف أحوال نقص وجهل، فإنهم يجرون مجرى عيسى ويحيى (عليهما السلام) في العلم والعصمة في أحوال النبوة والإمامة، ونتوقف قبل ذلك، وهل كانت أحوال نبوة وإمامة أم لا؟ ونقطع على أن العصمة لازمة منذ أكمل الله عقولهم إلى أن قبضهم....
3 - آباء النبي كانوا موحدين
قال الشيخ المفيد: إن آباء النبي (صلى الله عليه وآله) من آدم (عليه السلام) كانوا موحدين على الإيمان بالله حسب ما ذكره أبو جعفر (رحمه الله)، وعليه إجماع عصابة الحق، قال تعالى (الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين) سورة الشعراء 218 - 219، يريد به تنقله في أصلاب الطاهرين
الفصل الثامن
قضية كتابة الحديث النبوي
1 - أهمية الحديث النبوي
قلنا إن المنظومة الحقوقية الإلهية تتكون من مقطعين: كتاب الله المنزل. ونبي الله المرسل بذاته، وقوله، وفعله وتقريره، وأن الصلة عضوية بين هذين المقطعين.
وقد تناولنا مواقف المسلمين من ذات النبي، وبينا أن هذه المواقف محصورة في مجموعتين: موقف الحكام وشيعتهم وهم أهل السنة. وموقف أهل البيت الكرام وشيعتهم، وهم أهل الشيعة. وسنتناول في هذا الفصل موقف المسلمين من حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ونلاحظ أن المسلمين قد انقسموا حتى في هذه الناحية إلى قسمين:
1 - الحكام وشيعتهم، وهم أهل السنة.
2 - أهل البيت الكرام وشيعتهم.
2 - كتابة حديث رسول الله
يستحيل أن تفهم المقصود الشرعي من كتاب الله دون بيان رسول الله لهذا الكتاب، وهذا البيان له أربعة وجوه: ذات النبي، وقول النبي، وفعل النبي، وتقرير النبي. وهذه حلقات متصلة يتعذر منطقيا وشرعيا الفصل بينها.
3 - حكم النبي في كتابة حديثه
جاء في صحيح البخاري - باب كتابة العلم: أن رجلا من أهل اليمن سمع حديث رسول الله فقال: اكتب لي يا رسول الله، فقال: اكتبوا لأبي فلان، راجع صحيح البخاري مجلد 1 صفحة 22، والترمذي مجلد 1 صفحة 135، (وأبو فلان) هو أبو شاه.
وروى أن رجلا من الأنصار كان يجلس إلى النبي، فيسمع منه الحديث، فيعجبه، ولا يحفظه، فشكا ذلك إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال له رسول الله: إستعن بيمينك وأومأ بيده أي خط. راجع سنن الترمذي، كتاب العلم - باب ما جاء في الرخصة فيه مجلد 10 صفحة 134
وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قلت: يا رسول الله أكتب ما أسمع منك؟ قال: نعم، قلت: في الرضا والغضب؟ قال: نعم، فإني لا أقول إلا حقا، وفي رواية: إني أسمع منك أشياء، فأكتبها؟ قال: نعم. راجع مسند أحمد مجلد 2 صفحة 27.
وعن عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتب كل شئ أسمعه من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أريد حفظه، فنهتني قريش وقالوا: تكتب كل شئ سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ورسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا! فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله، فأومأ بإصبعه إلى فيه وقال: أكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق. راجع ترجمة عبد الله بن عمرو في أسد الغابة مجلد 3 صفحة 56، وتهذيب التهذيب مجلد 5 صفحة 237، ومعالم المدرستين مجلد 2 صفحة 42
وفي رواية أخرى: أنه أتى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: إني أروي من حديثك، فأردت أن أستعين بكتاب يدي مع قلبي إن رأيت ذلك، فقال (صلى الله عليه وسلم): إن كان حديثي، ثم استعن بيدك مع قلبك.
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول الله إنا نسمع منك أحاديث لا نحفظها أفلا نكتبها؟ قال: بلى فاكتبوها. راجع مسند الإمام أحمد مجلد 2 صفحة 215
قال رسول الله في حجة الوداع: نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها، وبلغها من لم
وفي حديث آخر: فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه. راجع صحيح البخاري مجلد 1 صفحة 24 كتاب العلم - باب قول النبي، وراجع كنز العمال الحديث 1126، وسنن ابن ماجة مجلد 1 صفحة 85 الحديث 233 وبحار الأنوار مجلد 2 صفحة 152 الحديث 42
4 - حكم النبي عين المنطق والصواب
إذا كانت أولى مهام النبي بيان القرآن الكريم، وإذا كانت أدوات البيان النبوي شرعا وعقلا هي القول والفعل والتقرير، فمن الطبيعي جدا أن يأمر النبي بتوثيق هذا البيان، وأن ينقله السامع إلى غيره، وكما سمعه، وأن يحث أتباعه على أن ينقلوا بيان القرآن حيثما نقلوا القرآن نفسه، وهذا أمر من البداهة بحيث أنه لا يحتاج إلى برهان، لولا التقليد الأعمى، وفطرة بعض المسلمين على إطاعة من غلب طاعة عمياء. فلو قلنا بغير ذلك وألقينا جميع مصادر السنة النبوية في البحر، فماذا يبقى من شرائع الإسلام؟!!
5 - موقف قادة التاريخ السياسي من كتابة أحاديث النبي
شرع الله حكمه المبارك في السياسة، والأشخاص، والأشياء، وكانت مهمة النبي أن يبين حكم الله في كل شئ على الإطلاق، وأن ينقل قواعد التشريع الإلهي من النظر إلى التطبيق، ومن الكلمة إلى الحركة عبر دعوة، وبوسيلة من وسائل ثلاثة وهن: القول، والفعل، والتقرير، أو بهذه الوسائل مجتمعة، وقد بين رسول الله حكم الشرع في كل شئ، وأكمل الله دينه وأتم نعمته، ثم انتقل رسول الله إلى الرفيق الأعلى.
1 - قسم من أقواله (صلى الله عليه وآله وسلم) صدر منه وهو في حالة رضا، ولا يمس أشخاصا معينين، ولا يتعارض مع سياسة الدولة، فهو مقبول ونافذ ولا اعتراض عليه.
2 - قسم من أقواله (صلى الله عليه وآله وسلم) صدر منه وهو في حالة غضب، وهذه الأقوال قد تمس الأشخاص، أو تتعارض مع سياسة الدولة، أو تؤدي للخلاف، هذه الأقوال هي موضوع المعارضة.
6 - الأدلة على ذلك
الدليل الأول: جاء في سنن الدارمي مجلد 1 صفحة 125 باب من رخص بالكتابة من المقدمة، وسنن أبي داود مجلد 2 صفحة 126 باب كتابة العلم، ومسند أحمد مجلد 2 صفحة 162 و 207 و 216، ومستدرك الحاكم مجلد 1 صفحة 105 - 106، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر الحديث 2 صفحة 85 عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال:
كنت أكتب كل شئ أسمعه من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فنهتني قريش، وقالوا تكتب كل شئ سمعته من رسول الله، ورسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا؟ فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله، فأومأ بإصبعه إلى فيه وقال: اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق.
الدليل الثاني: جاء في صحيح البخاري كتاب الدعوات - باب قول النبي: من آذيته، وجاء في صحيح مسلم - كتاب البر والصلة - باب من لعنه النبي... وكفى ببخاري ومسلم دليلا عند شيعة قادة التاريخ، وجاءت الرواية فيهما كما يلي وبالحرف:
أن رسول الله كان يغضب، فيلعن ويسب ويؤذي من لا يستحقها، ودعا الله أن يجعلها لمن بدرت منه زكاة وطهورا.
ومع عميق الاحترام، فإن هذه الأقوال لا تستقيم لا بمعيار العقل ولا بمعيار الشرع، ولا بالمعيار الواقعي لصاحب الخلق العظيم، وقد حاولنا أن نحلل ذلك فيما مضى، وما يعنينا الآن هو أن قادة التاريخ السياسي قسموا حديث رسول الله إلى قسمين: قسم صدر منه في حالة الرضا، وقسم صدر منه في حالة الغضب.
الدليل الثالث: وهو ما سماه ابن عباس بيوم الرزية، حيث روى البخاري وقائع هذا اليوم الأسود بست روايات في مجلد 7 صفحة 9 دار الفكر، ومسلم في مجلد 5 صفحة 75 المكتبة التجارية، ومجلد 11 صفحة 95 صحيح مسلم بشرح النووي، فضلا عن عشرات المراجع سنذكرها في حينها.
وملخص ما جرى في هذا اليوم الأسود أن رسول الله قال لمن حوله: قربوا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا، فانقسم الحاضرون إلى قسمين: قادة التاريخ السياسي الذين قالوا: إن الرسول قد غلبه الوجع، حسبنا كتاب الله، وأحيانا قالوا: إن الرسول قد هجر، ما له إنه يهجر؟ استفهموه إنه يهجر؟ حاشا له.
وأما القسم الآخر فقالوا: قربوا يكتب لكم رسول الله. وتمكن القسم الأول من أن يفرض وجهة نظره تماما، وحال هذا القسم بين الرسول وبين كتابة ما أراد. هذا القسم
يستحيل على قادة التاريخ السياسي أن يعرفوا سلفا مضمون الحديث النبوي، وهل قاله النبي في حالة غضب، أو في حالة رضا، فإذا فسر الحديث على أنه صدر في حالة غضب فإنه سيؤدي لمفسدة يصعب تداركها، وبنفس الوقت يكون الحديث قد قيل وانتشر، وبذرت معه بذور الخلاف، وبهذه الحالة لا بد من وضع حل جذري لتجنب الأحاديث التي صدرت من الرسول وهو في حالة غضب، والتي ستؤدي حتما إلى الخلاف وزعزعة أمن دولة الخلافة، وحيث أنه يستحيل معرفة مضمون الحديث سلفا، فلا بد من وضع حل جذري لسد هذه النافذة، وحصر رواية الحديث بشيعة القادة السياسيين، وبالقدر الذي لا يؤدي إلى الخلاف.
وهكذا منعا للخلاف والاختلاف، وطلبا للانسجام، والمحافظة على وحدة الدولة، ووحدة الأمة في ظلالها، فقد ابتدع قادة التاريخ السياسي الإسلامي حلا يتمثل في:
1 - منع كتابة أحاديث الرسول.
2 - حرق الأحاديث المكتوبة عن الرسول.
3 - منع رواية أحاديث الرسول.
وبهذا الحل العبقري قصروا المنظومة الحقوقية الإلهية على القرآن وحده، وحذفوا بيان هذا القرآن، وتولوا بأنفسهم بيان القرآن الكريم.
جاء في طبقات ابن سعد مجلد 5 صفحة 140 بترجمة محمد بن أبي بكر: أن الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب، فأنشد الناس أن يأتوه بها، فلما أتوه بها أمر بتحريقها! وحرقت فعلا.
روى الذهبي في تذكرة الحفاظ بترجمة أبي بكر مجلد 1 صفحة 2 - 3 أن أبا بكر (رضي الله عنه) جمع الناس بعد وفاة نبيهم فقال: إنكم تحدثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها،
وأخرج بن عبد البر بثلاثة أسانيد في جامع البيان العلم - باب ذكر من ذم الإكثار من الحديث مجلد 2 صفحة 147
روى الذهبي في تذكرة الحفاظ مجلد 1 صفحة 4 - 5 عن قرضة بن كعب قال: لما سيرنا عمر بن الخطاب إلى العراق مشى معنا عمر إلى حرارة ثم قال: أتدرون لم شيعتكم؟ قلنا: أردت أن تشيعنا وتكرمنا، قال: مع ذلك لحاجة، إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث عن رسول الله وأنا شريككم، قال قرضة: فما حدثت بعده حديثا عن رسول الله.
وفي رواية أخرى: فلما قدم قرضة بن كعب قالوا: حدثنا، فقال: نهانا عمر!
وعن عبد الرحمن بن عوف قال: ما مات عمر بن الخطاب حتى بعث إلى أصحاب رسول الله، فجمعهم من الآفاق، عبد الله بن حذيفة، وأبا الدرداء، وأبا ذر، وعقبة بن عامر فقال ما هذه الأحاديث التي أفشيتم عن رسول الله في الآفاق. قالوا أتنهانا؟
قال: لا، أقيموا عندي، لا والله لا تفارقوني ما عشت، فنحن أعلم نأخذ منكم ونرد عليكم، فما فارقوه حتى مات! راجع الحديث 4865 من الكنز مجلد 5 صفحة 239 ومنتخبه مجلد 4 صفحة 61
وروى الذهبي أن عمر حبس ثلاثة: ابن مسعود، وأبا الدرداء، وأبا مسعود الأنصاري، فقال: أكثرتم الحديث عن رسول الله! راجع تذكرة الحفاظ مجلد 1 صفحة 7 ترجمة عمر.
وكان يقول للصحابة: أقلوا الرواية عن رسول الله إلا في ما يعمل به!
وجاء عثمان بن عفان فصعد المنبر ثم قال: لا يحل لأحد يروي حديثا لم يسمع به في عهد أبي بكر، ولا في عهد عمر! راجع منتخب الكنز بهامش مسند أحمد مجلد 4 صفحة 64
أرقيب أنت علي؟! لو وضعتم الصمصامة على هذه وأشار إلى قفاه، ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعت من رسول الله قبل أن تحيزوا علي لأنفذته. راجع سنن الدارمي مجلد 1 صفحة 132، وطبقات ابن سعد مجلد 2 صفحة 354 بترجمة أبي ذر، واختزله البخاري، وأورده في باب العلم في صحيحه مجلد 1 صفحة 161.
وروى الطبري في حوادث سنة 51 مجلد 2 صفحة 112 - 113 ومجلد 2 صفحة 38، وابن الأثير في مجلد 3 صفحة 103: أن معاوية استعمل المغيرة بن شعبة على الكوفة سنة 41، ثم دعاه وقال له: قد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة أنا تاركها اعتمادا على بصرك، ولست تاركا إيصاءك بخصلة، لا تترك شتم علي وذمه، والترحم على عثمان، والاستغفار له، والعيب لأصحاب علي، والإقصاء لهم، والإطراء لشيعة عثمان، والإدناء لهم!
وروى المدائني في كتاب الأحداث قال: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة: أن برئت الذمة ممن روى شيئا من فضل أبي تراب وأهل بيته! برواية ابن أبي الحديد في شرح النهج، راجع معالم المدرستين صفحة 48 وما قبلها.
ولدعم توجه السلطة هذا، رويت أحاديث عن رسول الله رواها مسلم، والدارمي، وأحمد، مفادها أن رسول الله أمر المسلمين أن لا يكتبوا عنه، ومن كتب شيئا فليمحه، لأنه لا يريد كتابا مع كتاب الله! راجع صحيح مسلم مجلد 4 صفحة 97 وسنن الدارمي مجلد 1 صفحة 119 ومسند أحمد مجلد 3 صفحة 12 و 39 و 56 ولكن، إذا كان الرسول منع كتابة حديثه، فلماذا كتب المسلمون حديثه؟!!
الجواب جاهز: لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان!! ومن الذي يملك صلاحية تغيير الحكم الإلهي؟!! ومن الذي أعطاه هذه الصلاحية!!؟ ومتى أعطيت؟
7 - سريان قرار محاصرة أقوال النبي لمدة قرن من الزمان!
ظل حديث النبي لا يكتب ولا يدون طوال عهد الصحابة، وصدرا كبيرا من عهد التابعين، إلى أن حدث التدوين في آخر عهد التابعين حين خيف الدروس وأسرع في العلماء الموت! عندئذ أمر عمر بن عبد العزيز أبا بكر الحزمي... وقال مالك في الموطأ: إن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن حزم: أن انظر ما كان من أحاديث رسول الله أو سنته، فاكتبه لي، فإني خفت دروس العلم، وذهاب العلماء... وكان عمر بن عبد العزيز على رأس المائة الأولى، فجاء يزيد بن عبد الملك فعزل أبا بكر، وتوقفت حركة التدوين إلى أن تولى هشام بن عبد الملك سنة 105 ه فجد في هذا الأمر ابن شهاب الزهري، بل قالوا إنه أكرهه على تدوين الحديث، لأنهم كانوا يكرهون كتابته، ولكن لم تلبث هذه الكراهية أن صارت رضا، حيث كانوا يتحرجون من كتابة الحديث بعد أن مضت سنة من كان قبلهم من الصحابة على عدم تدوينه. راجع أضواء على السنة المحمدية صفحة 258 - 261 بتصرف، وراجع معالم المدرستين مجلد 2 صفحة 44
السلطة هي التي منعت كتابة أحاديث رسول الله حتى مضت مدة 95 سنة على وفاة الرسول، ثم بدى لهذه السلطة أن تسمح بكتابة أحاديث رسول الله، عن الزهري قال: كنا نكره كتابة العلم حتى أكرهنا عليه هؤلاء الأمراء، فرأينا أن لا نمنعه أحدا من المسلمين. راجع أضواء على السنة المحمدية صفحة 262
8 - لولا قادة التاريخ السياسي وشيعتهم
لو أن أبا بكر، وعمر، وعثمان رضي الله عنهم لم يفرضوا تلك الرقابة الصارمة على كتابة أحاديث رسول الله وتداولها، كما أثبتنا ذلك، ولم يمنعوا الناس من كتابة تلك الأحاديث، كما وثقنا، ولم يمنعوا رواية تلك الأحاديث، كما أوضحنا، ولم يبالغوا برفع شعار حسبنا كتاب الله كما هو ثابت ومعلوم علم اليقين، ولو لا تفريقهم بين ما صدر عن الرسول وهو في حالة غضب، وما صدر عنه وهو في حالة رضا، وتلك أمور
(لو أن أحاديث الرسول كانت قد كتبت عندما كان ينطق بها، وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى على الأقل، وحفظ ما كتب على وجه الدهر منها، لتلقاها الناس كما تلقوا كتاب الله بغير بحث في صحتها، ولا تنقيب عن حقيقتها، ولكن عدم تدوينها في عهد صاحب الرسالة وأصحابه، وإثباتها من ناحية الرواية قد ألزم العلماء أن يبحثوا في أمرها، لكي يعرفوا الصحيح، والموضوع منها). راجع أضواء على السنة المحمدية صفحة 273 لمحمود أبو رية.
طوال 95 عاما وأحاديث النبي محاصرة رسميا، لا تكتب، ولا تروى ولا تداول...
طوال هذه المدة، وشعار (حسبنا كتاب الله) يترسخ ويتوطد، حتى ألقي في روع الناس، أن كتاب الله وحده يكفي، وبمعنى أن بيان النبي للقرآن أمر ثانوي، حتى تحول هذا التوجه إلى سنة ترسخت في النفوس، فصارت تأبى سواها، إلا من رحم ربي!
وعندما آلت الأمور إلى الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز، أدرك خطورة ما جرى وما يجري من إهمال البيان المحمدي، فكلف واليه على المدينة أبا بكر الحزمي بأن ينظر ما كان من سنة أو حديث فيكتبه لأنه وبتعبيره (فإني خفت دروس العلم، وذهاب أهله) كما ذكر مالك في الموطأ، وعندما آلت الأمور إلى يزيد بن عبد الملك عزل الحزمي، وفترت فكرة الكتابة، حتى جاء هشام بن عبد الملك فأحياها. فقبلوا مكرهين!
9 - المناخ الذي جرى فيه تدوين الحديث
أحاديث مضى على محاصرتها 85 عاما، وصدرت عن صاحب الرسالة من مدة 85 عاما، وطوال هذه المدة وهي محظورة رسميا، وفجأة خطر ببال السلطة الإسلامية أن تدون هذه الأحاديث تدوينا، يحفظ تلك الأحاديث ولا يمس بأولئك الذين حاصروها، ولا بشيعتهم وأوليائهم، ولا ينال من هيبة السلطة القائمة، ولا يؤثر على أمنها، ولا يقوي شوكة معارضيها، أو الطاعنين بشرعيتها.