الصفحة 109
ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة، وكان أعظم الناس في ذلك بلية القراء المراءون والمستضعفون، الذين يظهرون الخشوع والنسك، فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم، ويقربوا مجالسهم، ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل، حتى انتقلت تلك الأخبار، والأحاديث إلى أيدي الديانين الذين لا يستحلون الكذب والبهتان، فقبلوها، ورووها، وهم يظنون أنها حق، ولو علموا أنها باطلة لما رووها، ولا تدينوا بها. فلم يزل الأمر كذلك حتى مات الحسن بن علي، فازداد البلاء والفتنة فلم يبق أحد من هذا القبيل إلا وهو خائف على دمه، أو طريد في الأرض. راجع المجلد الثالث شرح النهج لعلامة المعتزلة ابن أبي الحديد صفحة 596 وقد نقله عن المدائني.

20 - تفاقم الأمر

ويضيف بن أبي الحديد نقلا عن المدائني: ثم تفاقم الأمر بعد قتل الحسين وولي عبد الملك بن مروان، فاشتد البلاء على الشيعة، وولى عليهم الحجاج بن يوسف، فتقرب إليه أهل النسك والصلاح والدين ببغض علي! وموالاة أعدائه، وموالاة من يدعي من الناس أنهم أيضا من أعدائه، فأكثروا من الرواية في فضلهم وسوابقهم ومناقبهم، وأكثروا من الغض من علي، وعيبه، والطعن فيه، والشنآن له حتى أن إنسانا وقف للحجاج - ويقال أنه جد الأصمعي، عبد الملك بن قريب - فصاح به: أيها الأمير إن أهلي عقوني فسموني عليا، وإني فقير بائس، وأنا إلى صلة الأمير محتاج، فتضاحك له الحجاج وقال: للطف ما توسلت به قد وليتك كذا! راجع المجلد 3 صفحة 596 من شرح النهج، وقد نقل ذلك عن المدائني.

وتابع ابن أبي الحديد قائلا: وقد روى ابن عرفة المعروف بنفطويه، وهو من أكابر المحدثين وأعلامهم، في تاريخه ما يناسب هذا الخبر وقال: إن أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني أمية تقربا إليهم بما يظنون أنهم يرغمون به أنوف بني هاشم. راجع المجلد 3 صفحة 597 من شرح النهج.


الصفحة 110
هذا هو المناخ الذي جرت فيه رواية حديث رسول الله وكتابته.

21 - نتيجة تدوين السلطة لأحاديث الرسول

بعد أن حاصرت السلطة أحاديث الرسول وفرضت عليها رقابة صارمة طوال 95 عاما، بدى لها أن ترفع الحصار، وقد بذلوا في هذا السبيل ما بذلوا لكنهم لم يصلوا إلى الغرض المرجو منه، ولا بلغوا مستقر اليقين الذي تسكن إليه النفس، وتطمئن القلوب إلى أنه نفس ما نطق به رسول الله بحيث لا يدنو منه شك أو يعروه شبهة، ومن أجل ذلك جمعت كتبهم بين ما هو صحيح في نظر الرواة، وما هو موضوع لا أصل له، ولا يخلو من ذلك كتاب.

ومن أجل ذلك كثرت كتب الحديث وتنوعت في الأربعين سنة الأخيرة من عهد بني أمية وكانت موادها وأصولها كتب المتقربين إلى السلطة والوضاعين في مناقبها، مناقب قادة التاريخ السياسي. وعندما جاء العباسيون بقيت أصول الحديث ومصادره للمؤلفين نفسها مع إضافة مناقب جديدة للعباسيين، ومنها ألف أصحاب الكتب التي اشتهرت باسم الصحاح الست كتبهم وهي:

1 - صحيح البخاري لمؤلفه محمد بن إسماعيل المتوفى سنة 256 ه‍.

2 - صحيح مسلم لمسلم بن الحجاج النيسابوري المتوفى سنة 261 ه‍.

3 - سنن بن ماجة لمؤلفه محمد بن يزيد القزويني المتوفى سنة 273 ه‍.

4 - سنن أبي داود لمؤلفه سليمان بن الأشعث السجستاني المتوفى سنة 275 ه‍.

5 - سنن الترمذي لمؤلفه محمد بن عيسى الترمذي المتوفى سنة 279 ه‍.

6 - سنن النسائي لمؤلفه أحمد بن شعيب النسائي المتوفى 203 ه‍.

ومنهم من يقدم سنن الدارمي لمؤلفه عبد الله بن عبد الرحمن المتوفى سنة 255 ه‍ على سنن النسائي.

وقام علماء السلطة بتقليد هؤلاء الستة في تقييم أحاديث رسول الله، وأوصدوا باب البحث.


الصفحة 111

22 - عمالقة علماء السلطة

وفي محاولات السلطة والعلماء الذين يعيشون في أجوائها، جرت محاولات حثيثة لسد الفراغ الحقوقي ومواجهة فقه أهل البيت الكرام، فبرز أربعة علماء وكون كل واحد منهم لنفسه مذهبا، وانقسمت شيعة السلطة إلى أربع فرق، كل فرقة تتبع أحد هؤلاء العلماء، وأخذت شيعة السلطة تقلدهم، وتتعبد على أي مذهب من مذاهبهم شاءت، وهؤلاء العلماءهم:

1 - أبو حنيفة عتيك بن زوطي المعروف بالنعمان بن ثابت المتوفى سنة 150 ه‍.

2 - مالك بن أنس المتوفى سنة 279 ه‍.

3 - محمد بن إدريس الشافعي المتوفى سنة 204 ه‍.

4 - أحمد بن حنبل المتوفى سنة 241 ه‍.

وتفرع عن الحنابلة أتباع أحمد بن عبد الحليم المتوفى سنة 726 ه‍ وعرفت هذه الفرقة بالسلفية.

وتفرعت عن السلفية فرقة الوهابية نسبة إلى محمد بن عبد الوهاب المتوفى سنة 1206 ه‍.

23 - التقليد والاجتهاد

صارت كتب الصحاح الستة هي عنوان الكمال، وهي المقياس الأمثل لمعرفة الأحاديث التي يطمئن القلب بنسبتها إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وتوقف باب البحث العلمي في هذه الناحية. أو إن شئت فقل إن البحث بقي ضمن الأطر التي وضعها أصحاب الصحاح.

كما دعت السلطة جميع المسلمين ليتمذهبوا بأي مذهب شاؤوا من المذاهب الأربعة، وبدأت شيعة السلطة تدخل في هذه المذاهب أفواجا أفواجا، ويتعبدون إلى الله وفق مناهج هذه المذاهب ويجتهدون أو يعملون بالرأي وفق نواميس هذه المذاهب.


الصفحة 112
ثم جمحت بهم الاجتهادات جموحا لم ترض به السلطة فصدر قرار عن الظاهر بيبرس بإغلاق باب الاجتهاد، فانصاعت شيعة الدولة لهذا القرار وأغلقت باب الاجتهاد، وانطوت على نفسها تجتر علم هؤلاء العمالقة، وتقلدهم وهم أموات، وتسير على هدى ما كتبوا، وتقيس على اجتهاداتهم وتصوراتهم حتى الآن!!

والله غالب على أمره.

* *

الصفحة 113

الفصل التاسع
دربان مختلفان

1 - التصورات الخاطئة أثمرت اعتقادات خاطئة

لو أننا تركنا التقليد الأعمى جانبا، وتوقفنا عن التسلق وحب الظهور واقتناص السلطة على حساب الدين، وأنزلنا النبي الكريم بالمنزلة التي أنزله الله إياها، وأخذنا بعين الاعتبار أن دين الإسلام هو آخر الأديان، وأن رسول الله هو خاتم الرسل، ولو تيقنا حقا أن رسول الله كما وصفه ربه بالمؤمنين رؤوف رحيم، ولو نحينا جانبا ألاعيب السياسة ومكر الحكام طوال التاريخ السياسي، ولو فهمنا حقا أن الإسلام رحمة للجنس البشري كله، وأن مهمة نبي الإسلام هي إنقاذ الجنس البشري وليس إنقاذ العرب فقط.

لو عرفنا الصحيح من ذلك حق المعرفة، لأدركنا بالشرع والعقل والضرورة، أنه من المحال عقلا وشرعا أن يترك الله قرآنه دون بيان، أو أن لا يبين من هو المسؤول عن بيان هذا القرآن بعد وفاة رسول الله!

وأكثر إستحالة بالعقل والشرع أن يؤتى إلى البيان النبوي المتمثل بحديث الرسول فيأمر الله أو رسوله بمحاصرة هذا الحديث، ومنع كتابته وروايته إلا بحجم حاجة الحكام لذلك، في الوقت الذي تباح فيه كتابة كل شئ، ورواية كل شئ باستثناء

الصفحة 114
حديث رسول الله، وهو المبين لما أنزل الله!

هذه التصورات الخاطئة قادت السلطة وقادت شيعتها إلى نتائج خاطئة ومدمرة، أو شكت أن تعصف بالدين نفسه، لولا رحمة الله تعالى، ولو لا أن قيض الله لهذا الدين أهل البيت الكرام يدافعون عنه، ويوضحون أحكامه، ويرفدون الناس ببيانه رغم كل المعوقات.

2 - فضلان ليسا لفئة من العالمين

أجمعت العرب كلها على مقاطعة بني هاشم عندما أشرقت شمس الهداية الإلهية، وكان هدف العرب أن يطفئوا نور الله بأفواههم، وصمد الهاشميون ثلاث سنين في شعب أبي طالب، وتحملوا حصار العرب.

وأجمعت العرب بعد فشل الحصار وقبيل الهجرة أن تشترك بقتل النبي حتى يضيع دمه بين القبائل، ولا يقوى الهاشميون على المطالبة بدمه، ولم ينفض الهاشميون من حول النبي، ولا تخلوا عن حمايته وحماية دينه، بل وقفوا وقفة رجل واحد خلف عبد مناف بن عبد المطلب المكنى بأبي طالب، يدافعون عن النبي وعن دين الإسلام، حتى أظهر الله دينه.

وتلك مزية وفضيلة لم تنلها على الإطلاق فئة من العالمين إلا آل محمد.

وكما اجتمعت العرب ضد محمد وضد عشيرته، اجتمعت ثانية، أو جمعت لتقف ضد علي وضد أهل البيت الكرام بدعوى أن الهاشميين قد أخذوا النبوة، ولا ينبغي أن يجمعوا مع النبوة الخلافة فيذهبوا بالشرف كله. راجع الكامل في التاريخ لابن الأثير مجلد 2 صفحة 24، وراجع شرح النهج لعلامة المعتزلة مجلد 2 صفحة 107، وأخرجه الإمام أحمد بن أبي الطاهر في تاريخ بغداد، وراجع كتابنا نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام صفحة 276 وما فوق.

وفي سبيل تثبيت هذه المقولة وإضفاء الشرعية عليها، وخلق القناعة بها، ركبت

الصفحة 115
السلطة كل مركب وتجاهلت الآل الكرام تجاهلا تاما، وتجاهلت الأحاديث النبوية ولجأت إلى الاجتهاد مع وجود النص، وقلبت الأمور على هدى رأيها، وأوشكت أن تنقض الدين من أساسه، وأن تطمس أحكام الإسلام من بعد ما بانت، ومرة أخرى يتصدى الهاشميون بقيادة علي بن أبي طالب لهذا الإنقلاب وضمن إمكانياتهم، ويدافعون عن أحكام هذا الدين ومستقبله، ويتحملون شنآن العرب، وتكاليف غضب السلطة، دفاعا عن الإسلام وأحكامه، وتلك فضيلة ثانية لم تنلها فئة من العالمين غيرهم. راجع كتابنا نظرية عدالة الصحاب والمرجعية السياسية في الإسلام - الباب الثالث.

3 - رفعت السلطة شعار العمل بالرأي ورفع أهل البيت شعار العمل بالنص

والنبي الكريم على فراش الموت، كشر الرأي بمواجهة النبي نفسه عن أنيابه، وحال أصحابه بين الرسول وبين كتابة ما أراد، بحجة أن الرسول قد اشتد به الوجع، وأن القرآن وحده يكفي، ولا حاجة لكتابة ما أراد الرسول كتابته، وتصدى أهل البيت الكرام ودافعوا عن الشرعية، وأن الرسول لا ينطق عن الهوى، فتمادى أصحاب الرأي وقالوا: إن الرسول قد هجر! ولو استمر أهل البيت وشيعتهم في مواجهتهم لتشبث أهل الرأي بالهجر، ولتفاقمت وقاحة أهل الرأي وهزوا الدين من أساسه، فأشار النبي لأهل البيت وشيعتهم بأن يقدموا الأهم على المهم، وطلب من الجميع الخروج من الحجرة النبوية المقدسة، وكان هذا أول انتصار للرأي بمواجهة مكشوفة مع الشرعية! ولا يقوى أحد على إنكار هذه الحادثة.

وعندما تأسست السلطة لأول مرة بعد وفاة النبي، كانت حصيلة الرأي أن الهاشميين قد أخذوا النبوة، ولا ينبغي أن يجمعوا مع النبوة الخلافة فيجحفوا على قومهم، والحل الأمثل الذي اخترعه الرأي هو أن تبقى النبوة للهاشميين، وأن تختص قريش بالخلافة تتداولها في ما بينها، وعارض أهل البيت الكرام، وأوضحوا حكم الشرع،

الصفحة 116
ومضى أصحاب الرأي قدما بعد أن وطدوا الأمور لأنفسهم، ومرة ثانية قدم أهل البيت الكرام الأهم على المهم فعارضوا برفق إشفاقا على الملة.

وفي ظلال السلطة وأمام معارضة أهل البيت: وتمسكهم بالشرعية، فقدت السلطة ثقتها بهم، فقدمت اللاحق على السابق، وقدمت الطليق على المهاجر، والأبعد على الأقرب، فقويت شوكة السلطة، والتف المنتفعون بها حولها، وبنفس الحجم والمقدار ضعف أهل البيت وانفض الناس من حولهم، وساعد على ذلك أن الله تعالى قد أذهب الرجس عن أهل البيت، فهم لا يطلبون النصر بالجور، ولا يطمعون بالحكم إلا بالشرع وبوسائله.

ما حال بين رسول الله وكتابة ما أراد هو الغلبة، وما نحى أهل البيت عن حقهم بقيادة الأمة إلا الغلبة، وما قدم الأبعد على الأقرب والطليق على المهاجر إلا بحكم الغلبة، لكنها غلبة غير مكشوفة، وغلبة منظمة حتى كشرت الغلبة عن أنيابها وظهرت على حقيقتها، وأدرك معاوية بن أبي سفيان أن الأمر لمن غلب.

وأدركت الأمة أو الأكثرية الساحقة من الأمة أن مصلحتها تتحقق بوقوفها مع الغالب، فوقفت مع الدنيا المقبلة العاجلة، وتركت الآخرة المدبرة الآجلة.

ومن ذلك التاريخ ومنذ انتصار القوة على الشرعية، أطاعت الأمة من غلب، وترسخ انتصار الرأي واندحار الشرعية، فالسلطة رفعت دائما شعار الرأي الذي سمي بالاجتهاد في ما بعد، ورفعت شعار الشرعية بالقدر الذي يزين رأيها ويضفي عليه الشرعية، أو يساهم بخلق القناعة فيه، وذلك محافظة منها على السلطة ووحدة السلطة، لاقتناعها أن وحدة السلطة هي التعبير الحقيقي عن وحدة الأمة.

ومن هنا وعلى ضوئه تجد التفسير الحقيقي والمنطقي لكل تصرف قامت به السلطة السياسية طوال التاريخ. راجع كتابنا نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام - الباب الثاني.

أما أهل البيت الكرام فالشرعية مطلبهم، والشرعية المطلقة غايتهم.


الصفحة 117

4 - تاريخ السلطة السياسية

من قرأ التاريخ السياسي الإسلامي من بعد وفاة النبي وحتى سقوط آخر سلاطين بني عثمان، يتبين له بكل جلاء ووضوح أن السلطة التي قادت ذلك التاريخ السياسي وصنعته قد تأسست أصلا وفي حقيقتها وجوهرها على أساس العمل بالرأي أو ما سمي اجتهادا، وأن هذه السلطة ساست رعاياها بالرأي أو الاجتهاد، وأنها قد أخذت طابع المؤسسة على أساس الرأي أو الاجتهاد، وأنها نمت خارج إطار الشرعية واكتسبت قوتها ورضي الناس بها بحكم الغلبة، ونتيجة سيطرتها التامة على مقاليد الأمور، وبوصفها الممثلة الواقعية لوحدة المسلمين.

ولو تصفحت التاريخ السياسي الإسلامي، وأمعنت فيه دراسة وتحليلا فإنك لا تجد نصا شرعيا واحدا، سواء من الكتاب أو السنة، يؤهل وجود السلطة التي قادت التاريخ السياسي، بل تجد أن كافة القواعد التي أدارت ظاهرة السلطة هي من ثمرة العمل بالرأي أو الاجتهاد.

وقد تنبه إلى ذلك أولئك الذين تشيعوا للسلطة فقالوا: إن ولاية العهد أصحبت شرعية بفعل أبي بكر لعمر، وبعهد عمر لعثمان عمليا أو للستة نظريا. فقيل لهم: إن الشرع يعني كتاب الله وسنة رسوله، وعمل الصديق والفاروق لا يدخل في مفهوم الشرع! عندئذ قالوا بالإجماع كسند شرعي لما جرى في التاريخ السياسي الإسلامي، فنظروا إلى الأمر على أساس أن أبا بكر عهد بالخلافة لعمر أمام الصحابة فأقروا عهده، وإقرارهم لعهده هو بمثابة الإجماع، فأصبح الإجماع هو السند الشرعي لكل تصرفات الحكام طوال التاريخ السياسي، وهو حمال أثقاله كلها.

ولأن أهل البيت الكرام قد عارضوا ضمن إطار الإسلام ترك النصوص، والركون إلى العمل بالرأي مع وجود النص، فقد نظر الحكام لأهل البيت طوال التاريخ نظرة شك وحذر، وزادت شكوكهم عمقا لاقتناعهم بأن أهل البيت يعتقدون بأنهم هم

الصفحة 118
القادة الشرعيون للأمة، وأن قيادة الأمة حق إلهي خالص لهم بوصفهم الأعلم والأفهم بالمنظومة الحقوقية الإلهية، والأصلح بنص الشرع من بين أتباعها، وأن الحكام غصبوا أهل البيت هذا الحق، ورد الحكام على ذلك بتحجيم أهل البيت، وتصغير عظيم منزلتهم، ومحاصرتهم، وتنفير الناس منهم، فكان مقبولا طوال التاريخ ومفهوما أن تعمل ما شئت، وأن تقتنع بما شئت، ولكن ليس مفهوما على الإطلاق أن تتشيع لأهل بيت محمد! لأن التشيع لهم يعني وجود جماعة تقول برئاسة أهل البيت، ووجودها يعني تعريض السلطة للخطر!

5 - السلاح الجبار

كان سلاح السلطة طوال التاريخ هو القوة والغلبة والسيطرة على مقاليد الأمور، وعلى الصعيد القانوني كان سلاحها هو العمل بالرأي، وإعمال رأي الخليفة وإطاعته بوصفه الممثل لوحدة المسلمين.

وكان سلاح أهل البيت الكرام هو الالتزام بالشرعية التي غطت بالكامل كل شئ وبينت كل شئ.

وكانت السلطة تملك السيطرة الكاملة على وسائل الإعلام، تلك الوسائل القادرة بدعم السلطة لها أن تجعل الأبيض أسود، والأسود أبيض.

وكان أهل البيت الكرام يملكون علم النبوة، والقدرة على بيان الشرع، بيانا قائما على الجزم واليقين.

سارت السلطة في دربها تعمق العلم بالرأي، وتوطد لسلطانها، وسار أهل البيت الكرام في دربهم يعمقون الشرعية ويبينون الدين بيانا قائما على الجزم واليقين، في ظروف كانت بالكامل لمصلحة السلطة، وفي حالة انعدام تكافؤ الفرص بين السلطة وبين أهل البيت، السلطة تعالج يومها وتسوس دنياها، وأهل البيت يعالجون يومهم وغدهم ويوطدون لآخرتهم، ويبلغون الدين على الأصول المستقرة التي تعلموها من عميدهم ونبيهم وأبيهم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).


الصفحة 119

6 - لماذا ترسخ العمل بالرأي وشاع؟

الحاكم الإسلامي طوال التاريخ، من بعد وفاة النبي وحتى سقوط آخر سلاطين بني عثمان، هو من غلب، هذا الحاكم الغالب لم يعد إعدادا ربانيا ليكون خليفة للنبي، وهو بالتالي ليس مؤهلا ليقوم بوظائف النبي من بعد وفاته، وأبرز هذه الوظائف البيان (لتبين للناس ما أنزل إليهم من ربهم) أي يبين حكم الله في ما يجد من الوقائع والأحداث والتصرفات.

وبما أن الحاكم الإسلامي لا يعرف الحكم الشرعي، وبما أنه لا بد من وجود حكم لما يقع ويواجه الدولة، اضطر الحكام للعمل برأيهم، وحيث أن المحكوم مفطور على تقليد من غلبه، أصبحت آراء الحكام مع التكرار سنة يصعب مخالفتها، أو عرفا يشعر المحكومون بأنه ملزم لهم!

ومن هنا شاع العمل بالرأي وترسخ، خاصة مع المقولة التي روج لها بإحكام، وهي أن الاجتهاد أو العمل بالرأي هو العمل بروح الشريعة العامة، هذه المقولة خلعت على العمل بالرأي ثوب الشرعية.

7 - موقف الناس

وجد المسلمون أنفسهم أمام سلطة حقيقية تملك وسائل السيطرة على الأجساد والأرزاق، تأمر فتطاع، وتنادي فتجاب، وتشرع برأيها فينفذ تشريعها، ومعها الدنيا كلها، ولا ننكر الآخرة!

ووجدوا بالمقابل أهل البيت وقد عزلوا عزلا تاما، ليس معهم إلا علم النبوة، وذكريات الكفاح المرير من أجل انتصار الإسلام، ليس معهم من الدنيا شئ ولا مطمع لهم إلا بالآخرة، وهم موضع شك الحكام، ومن يواليهم يفقد امتيازاته واعتباره، ويفقد عطاءه، ولا تقبل شهادته، وقد مر حين من الدهر، كانت فيه مسبة الإمام وردا يوميا وحتما مقضيا على الرعية.


الصفحة 120
فاختار المسلمون جانب الحكام، وتكونت بفعل التكرار سنة الشك بأهل بيت محمد، والتشنيع على شيعتهم، والشك بكل ما يصدر منهم.

فلو نسج القصاصون قصة عن يزيد لصدقها الناس إن كانت خيرا دون مناقشة!

ولو ذكر الرواة حديثا عن علي أو الحسن أو الحسين أو زين العابدين لناقشوه ألف مرة قبل أن يأخذوا به!

ولو ذكر الكلبي رأيا، وذكر الإمام جعفر الصادق رأيا آخر، لاختار المسلمون رأي الكلبي بلا تردد!

لماذا؟ لأنها تكونت تحت ظلال السلطة بذرة الشك بأهل بيت محمد، وأصبحت مع الأيام سنة يصعب مخالفتها، لكثرة تردادها ودعم السلطة لها!

والله غالب على أمره.

* *

الصفحة 121

الفصل العاشر
كتابة الحديث النبوي عند أهل البيت

1 - إعداد أهل البيت لبيان الأحكام

قبل أن ينتقل الرسول إلى جوار ربه قال لأصحابه (أنا مدينة العلم وعلي بابها ومن أراد العلم فليأت الباب) وقال لهم مرة (أنا دار الحكمة وعلي بابها) وقال لهم ثالثة (أنا مدينة الحكمة وعلي بابها) وقال لهم مرة رابعة (علي باب علمي، ومبين من بعدي لأمتي ما أرسلت به، حبه إيمان وبغضه نفاق) وقال لعلي أمام أصحابه (أنت تبين لأمتي ما اختلفوا فيه من بعدي) وقال يوما لأصحابه (كفي وكف علي في العدل سواء) تلك حقائق لا يقوى مكابر على إنكارها، وقد وصلت إلينا بفضل الله بالرغم من أن مسبة الإمام علي كانت واجبا دينيا مفروضا على رعية الدولة الإسلامية، وقد وثقنا هذه النصوص بعشرات المراجع، ذكرناها على الصفحة 233 - 234 من كتابنا نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام، وحرصنا كل الحرص على أن تكون مراجعنا من مؤلفات شيعة الدولة أو أهل السنة.

هذه النصوص تبين لنا أن الله ورسوله لم يتركا الأمر سدى، إنما حددا وبينا من هو المختص ببيان الأحكام من بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) متيقنا أنه ميت لا محالة، وعميد أهل البيت النبوة متيقن ومبلغ أنه المخول بالبيان من بعد النبي، ولو قصد العميد أن ينتفع شخصيا بعلمه لما كان هنالك

الصفحة 122
حاجة لأن يكتب، لأن رسول الله قد دعا له بأن يحفظ ولا ينسى شيئا، لكن هم النبي وهم العميد هو استمرارية بيان الأحكام، وفي كل شئ، وحتى قيام الساعة، بحيث يترجم المبدأ القائل بأن (القرآن تبيان لكل شئ) لذلك شرع العميد بتوجيه خاص من رسول الله بكتابة كل ما تحتاجه الأمة على الإطلاق، بحيث لا تجد حادثة ولا تحدث حادثة، إلا ولها حكم شرعي مفصل تفصيلا ومبين بيانا لا يختلف فيه اثنان.

وهكذا تكون النقلة طبيعية بعد وفاة النبي، ويكون بين أيدي الناس منظومة حقوقية كاملة ومتكاملة: قرآن كريم، وبيان لهذا القرآن مسجل لا يحتمل التأويل، فتستقيم الأمور، ويصلح الراعي وتصلح الرعية ويعم العدل، وتهنأ البشرية في ظلال المنظومة الحقوقية الإلهية، فتنصب غاية الجميع على حسن التطبيق.

2 - انعدام الحاجة إلى العمل بالرأي

طالما أن الحكم الشرعي لكل شئ على الإطلاق، مبين ومفصل ومحدد بالقرآن وبالبيان، فما الداعي لإهمال الحكم الشرعي واستبعاده، وما الداعي للعمل بالرأي وترك الحكم الشرعي؟ فالمبين هو نفسه الحاكم، والمطلوب العدل، والعدل لا يتحقق إلا بالحكم الإلهي القائم على الجزم واليقين، وهو بين أيدي الناس، فما هو الداعي لترك الجزم واليقين، واللهث وراء الرأي وأحكامه القائمة على الظن والتخمين؟

لا حاجة عند عمادة أهل البيت للرأي أبدا، فقد جاء في الجزء الأول صفحة 85 من أصول الكافي لمحمد بن يعقوب الرازي المتوفى 328 ه‍ (أن رجلا سأل الإمام جعفر الصادق عن مسألة فأجابه فيها، فقال الرجل: أرأيت إن كان كذا وكذا ما يكون القول فيها؟ فقال له الإمام جعفر: مه، ما أجبتك فيه من شئ فهو من رسول الله، لسنا من (أرأيت) في شئ!

إنه لا مجال إطلاقا للرأي عند بيان الحكم الشرعي، فالأئمة الكرام يعرفون الحكم الشرعي معرفة قائمة على الجزم واليقين، فما الداعي للخوض بالرأي القائم على الفرض والتخمين!


الصفحة 123
وجاء على الصفحة 201 من بصائر الدرجات تأليف محمد بن الحسن الصفار ت 290 ه‍ قول الإمام (مهما أجبتك بشئ فهو من رسول الله، لسنا نقول برأينا في شئ).

وعلى الصفحة 299 مجلد 2 من بصائر الدرجات عن الفضيل بن يسار عن أبي جعفر الإمام محمد الباقر (عليه السلام) أنة قال (لو أنا حدثنا برأينا ضللنا كما ضل من كان قبلنا، ولكنا حدثنا ببينة من ربنا بينها لنبيه فبينها لنا).

وفيه أيضا عن الإمام جعفر الصادق أنه قال (بينة من ربنا بينها لنبيه (صلى الله عليه وآله) فبينها نبيه لنا، فلولا ذلك كنا كهؤلاء الناس). راجع مجلد 4 صفحة 201 من بصائر الدرجات.

وفي مجلد 9 صفحة 201 من البصائر عن سماعة عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: قلت له كل شئ تقول به في كتاب الله وسنة نبيه أو تقولون فيه برأيكم؟ قال (بل كل شئ نقوله في كتاب الله وسنة نبيه).

وفي البصائر الدرجات صفحة 299 عن أبي داود بن يزيد عن الإمام الصادق قال:

سمعته يقول (إنا لو كنا نفتي الناس برأينا وهوانا لكنا من الهالكين، ولكنها آثار من رسول الله وأصل علم نتوارثها كابر عن كابر، نكتنزها كما يكنز الناس ذهبهم وفضتهم).

وفيه عن جابر صفحة 299 مجلد 9 من البصائر وصفحة 300 مجلد 4 و 6 بثلاثة أسانيد قال أبو جعفر الإمام الباقر (يا جابر، والله لو كنا نحدث الناس أو حدثناهم برأينا لكنا من الهالكين، ولكننا نحدثهم بآثار عندنا من رسول الله نتوارثها كابر عن كابر، نكنزها كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضتهم).

3 - كيف انتقل علم النبوة إلى الأئمة

انتقل علم النبوة بواسطة علي (عليه السلام)، علي هو والد الأئمة، فذرية النبي من صلب علي لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) (إن الله جعل ذرية كل نبي من صلبه وجعل ذريتي من صلب علي). راجع مجلد 6 صفحة 152 الحديث 5210 من كنز العمال، وهذا معنى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) (كل بني أنثى ينتمون إلى عصبتهم، إلا ولد فاطمة فأنا وليهم، وأنا عصبتهم، وأنا أبوهم)! أخرجه

الصفحة 124
الطبراني وهو الحديث 22 من الأحاديث التي أوردها ابن حجر في النص من صواعقه صفحة 112، وراجع مجلد 3 صفحة 164 من المستدرك، وقال إنه حديث صحيح.

فكان من الطبيعي جدا أن ينتقل علم الوالد لأولاده على الأقل، وأن يتوارث الأولاد علم أبيهم، خاصة وأن النبي وعليا وأولادهم كانوا يسكنون في بيت واحد طوال حياتهم المباركة، وأن الإمام علي مخول بأمر النبي أن يبين للناس ما اختلفوا فيه من بعد وفاة نبيهم، وأنه من النبي بمنزلة هارون من موسى.

تلك حقائق أشرنا إليها ووثقناها توثيقا كاملا في كتابنا نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام، ونتحدى أي مكابر أن ينقض توثيقنا.

4 - طبيعة علم علي

عن سماعة بن مهران عن الإمام الصادق قال (إن الله علم رسوله الحلال والحرام والتأويل، وعلم رسول الله علمه كله عليا). راجع بصائر الدرجات صفحة 290 باب في أمير المؤمنين أن النبي علمه العلم، وراجع الوسائل مجلد 3 صفحة 391 ومستدرك الوسائل مجلد 3 صفحة 192 عن تفسير العياشي.

وفي بصائر الدرجات صفحة 290 - 291 مجلد 3 و 9 عن يعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله قال (إن الله تعالى علم رسوله القرآن، وعلمه شيئا سوى ذلك، فما علم الله رسوله فقد علم رسوله عليا).

وعن سليم بن قيس أن أمير المؤمنين عليا قال (كنت إذا سألت رسول الله أجابني، وإن فنيت مسائلي ابتدأني، فما نزلت عليه آية في ليل ولا نهار، ولا سماء ولا أرض، ولا دنيا ولا آخرة، ولا جنة ولا نار، ولا سهل ولا جبل، ولا ضياء ولا ظلمة، إلا أقرأنيها وأملاها علي وكتبتها بيدي، وعلمني تأويلها وتفسيرها، ومحكمها ومتشابهها وخاصها وعامها، وكيف نزلت، وأين نزلت، وفيمن نزلت إلى يوم القيامة، ودعا الله أن يعطيني فهما وحفظا). راجع بصائر الدرجات صفحة 292 مجلد 12.


الصفحة 125

5 - الجامعة أعظم كتب البيان

يبدو واضحا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أملى على الإمام علي كثيرا من علم النبوة، وركز تركيزا خاصا على الأحكام الشرعية، أو بيان القرآن كما بينه رسول الله، لتكون هذه الأحكام بمثابة القانون النافذ مع القرآن الكريم، ويبدو أن هذه المجموعة هي بحق من كتب الأولين، وهي شاملة للبيان النبوي في مجال الأحكام، وقد عرفت هذه المجموعة باسم (الجامعة) وقد أملاها رسول الله وكتبها الإمام علي بخط يده، وتداولها الأئمة الكرام، كل إمام يسلمها لمن يأتي بعده.

ويمكن الوقوف على حجم هذه المجموعة القانونية وعلى مضمونها، من الأحاديث المتواترة التي وردت عن أئمة أهل البيت الكرام، منها ما ورد في بصائر الدرجات صفحة 144 عن جابر بن يزيد قال: قال أبو جعفر الباقر (إن عندي لصحيفة فيها تسعة عشر صحيفة قد حباها رسول الله).

وجاء على الصفحة 147 من بصائر الدرجات عن الفضل بن يسار قال قال أبو جعفر (يا فضيل عندنا كتاب علي ماءة وتسعة وأربعون ذراعا، ما على الأرض شئ يحتاج إليه إلا وهو فيه حتى أرش الخدش، ثم خط بيده على إبهامه) ومقصوده من أرش الخدش دية الجراحات، وخط على إبهامه ليدل على أرش الخدش ولو كان صغيرا.

وعلى الصفحة 143 من البصائر عن حمران بن أعين عن أبي جعفر أشار إلى بيت كبير وقال (يا حمران إن في هذا البيت صحيفة طولها سبعون ذراعا بخط علي وإملاء رسول الله، ولو ولينا الناس لحكمنا بما أنزل الله، لم نعد ما في هذه الصحيفة).

وعلى الصفحة 143 عن محمد بن مسلم قال قال أبو جعفر (إن عندنا صحيفة من كتب علي طولها سبعون ذراعا، فنحن نتبع ما فيها لا نعدوها). وسألته عن ميراث العلم ما بلغ؟ أجوامع من العلم أم فيه تفسير كل شئ من هذه الأمور التي تتكلم فيها الناس مثل الكلالة والفرائض؟ فقال (إن عليا كتب العلم كله، القضاء والفرائض، فلو ظهر أمرنا لم يكن شئ إلا فيه، نمضيها).


الصفحة 126
وفي رواية أخرى (فلو ظهر أمرنا فلم يكن شئ إلا وفيه سنة نمضيها) البصائر 164

وعلى الصفحة 146 من البصائر عن محمد بن مسلم عن الإمام الباقر والإمام الصادق (إن عندنا لصحيفة من كتاب علي، أو مصحف علي، طولها سبعون ذراعا، فنحن نتبع ما فيها فلا نعدوها).

وعن عبد الله بن ميمون عن جعفر عن أبيه قال (في كتاب علي كل شئ يحتاج إليه، حتى الخدش والأرش والهرش) البصائر صفحة 164 و 148. والهرش بسكون الراء الاشتداد، وبكسرها سوء الخلق، راجع صفحة 308 مجلد 2 من معالم المدرستين.

وفي البصائر صفحة 147 عن مروان قال: سمعت أبا عبد الله يقول (عندنا كتاب علي سبعون ذراعا).

وفي رواية أخرى صفحة 148 قال (ما ترك علي شيئا إلا كتبه، حتى أرش الخدش).

وفي البصائر صفحة 145 عن أبي عبد الله قال (والله إن عندنا لصحيفة طولها سبعون ذراعا، فيها جميع ما يحتاج إليه الناس حتى أرش الخدش، أملاها رسول الله وكتبها علي بيده).

وفي البصائر صفحة 143 و 147 عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله قال سمعت يقول (إن عندنا جلدا سبعون ذراعا، أملاه رسول الله وخطه علي بيده، وإن فيها جميع ما يحتاج إليه حتى أرش الخدش).

وفي صفحة 148 و 159 من البصائر عن عثمان بن زياد قال دخلت على أبي عبد الله فقال لي: إجلس، فجلست، فضرب يده بإصبعه على ظهر كفي فمسحها عليه، ثم قال: عندنا أرش هذا فما دونه.

وفي صفحة 144 من البصائر عن منصور بن حازم وعبد الله بن أبي يعقوب قال أبو عبد الله (إن عندي صحيفة طولها سبعون ذراعا، فيها ما تحتاج إليه، حتى أن فيها أرش الخدش).


الصفحة 127
وفي صحيفة 145 من البصائر عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول (إن في البيت صحيفة طولها سبعون ذراعا، ما خلق الله من حلال أو حرام إلا وهو فيها، حتى أرش الخدش).

وفي صفحة 144 عن محمد بن عبد الملك قال: كنا عند أبي عبد الله نحوا من ستين رجلا، قال فسمعته يقول (عندنا والله صحيفة طولها سبعون ذراعا، ما خلق الله من حلال أو حرام إلا وهو فيها، حتى أن فيها أرش الخدش).

وفي صفحة 144 عن سليمان بن خالد قال: سمعت أبا عبد الله يقول (إن عندنا لصحيفة سبعين ذراعا، أملاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخط علي بيده، ما من حلال ولا حرام إلا وهو فيها، حتى أرش الخدش).

وفي صفحة 148 من البصائر ومجلد 1 صفحة 59 من أصول الكافي وصفحة 61 منه عن حماد قال: سمعت أبا عبد الله يقول (ما خلق الله حلالا ولا حراما إلا وله حد كحد الدار، وإن حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة، وإن عندنا صحيفة طولها سبعون ذراعا، وما خلق الله حلالا ولا حراما إلا فيها، فما كان من الطريق فمن الطريق، وما كان من الدور فمن الدور، حتى أرش الخدش والجلدة ونصف الجلدة).

وفي البصائر صفحة 166 عن عبد الله بن أيوب قال: سمعت أبا عبد الله يقول (ما ترك علي شيعته وهم يحتاجون إلى أحد في الحلال والحرام، حتى أنا وجدنا في كتابه أرش الخدش. قال ثم قال: أما إنك إن رأيت كتابه لعلمت أنه من كتب الأولين).

وعن محمد بن حكيم عن أبي الحسن قال (إنما هلك من كان قبلكم بالقياس، وإن الله تبارك وتعالى لم يقبض نبيه حتى أكمل له جميع دينه في حلاله وحرامه، فجاءكم بما تحتاجون إليه في حياته، وتستغيثون به وبأهل بيته بعد موته، وإنها لصحيفة عند أهل بيته حتى أن فيها أرش الخدش، ثم قال: إن أبا حنيفة ممن يقول: قال علي وقلت أنا!


الصفحة 128
وفي البصائر صفحة 149 وصفحة 154 وفي الكافي مجلد 1 صفحة 241 والوافي مجلد 2 صفحة 135 عن بكر بن كرب الصيرفي قال سمعت أبا عبد الله يقول (ما لهم ولكم، وما يريدون وما يعيبونكم، يقولون الرافضة! نعم والله رفضتم الكذب، واتبعتم الحق، أما والله إن عندنا ما لا نحتاج إلى أحد، والناس يحتاجون إلينا، إن عندنا الكتاب بإملاء رسول الله وخط علي بيده، صحيفة طولها سبعون ذراعا، فيها كل حلال وحرام).

وفي مجلد 1 صفحة 57 من أصول الكافي، وبصائر الدرجات صفحة 146 و 149، والوافي مجلد 1 صفحة 58.... قول الإمام أبي عبد الله (ضل علم ابن شبرمة عند الجامعة، إملاء رسول الله وخط علي بيده، إن الجامعة لم تدع لأحد كلاما، فيها علم الحلال والحرام، وإن أصحاب القياس طلبوا العلم بالقياس فلم يزدادوا إلا بعدا، إن دين الله لا يصاب بالقياس).

6 - الجفر ومصحف فاطمة

يبدو من كثير الأحاديث أنه لدى الأئمة كتابان آخران عن أبيهم الإمام علي، أحدهما يسمى بمصحف فاطمة فيه أنباء عن الحوادث الكائنة، وكذلك الجفر، وفيه أيضا أنباء عن الحوادث الكائنة، راجع البصائر صفحة 160 و 156، ومعالم المدرستين مجلد 2 صفحة 300 - 312

7 - أبسط واجبات النبي

رسول الله متيقن أنه ميت لا محالة، وموقن من حاجة أمته إلى بيان قائم على الجزم واليقين لكافة أحكام الشريعة، وهو بيانه بالذات، ولأن عليا هو المخول بالبيان بعد وفاة الرسول، ولأنه منه بمنزلة هارون من موسى باعتراف معاوية نفسه، ولأن عليا هو ابن عمه ووالد سبطيه، ومقيم معه بنفس البيت الذي يقيم فيه، ولأن عليا عالم من أعظم علماء الأمة بإقرار كافة الخلفاء واعترافهم، وقارئ في أمة من الأميين كان يندر فيها القارئ، ولأنه باب مدينة العلم، وباب مدينة الحكمة...


الصفحة 129
لهذا قام النبي بإملاء الحكم الشرعي لكل شئ على علي، وطلب من علي أن يكتب كل ذلك في كتاب، ليكون مرجعا للأمة في بيان القرآن بعد وفاة النبي، وطلب من علي أن يحتفظ به، وأن يسلمه لأولاده الأئمة يتوارثونه، ويبينونه للأمة من بعد وفاة النبي.

وهذه أبسط واجبات النبي أن يوثق بيانه، فيترك القرآن مجموعا، ويترك بيانه لهذا القرآن مجموعا أيضا، فيكون القرآن والبيان هما القانون النافذ في مجتمع الأمة، ودولة الأمة.

فما هو وجه العجب في ذلك!؟ خاصة وأن الإمام عليا هو مولى كل مؤمن ومؤمنة، ومن ليس علي مولاه فهو ليس بمؤمن، كما هو وارد بالنص الشرعي، وكما وثقنا في كتابنا نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام - الباب الثالث، وفي كتابنا النظام السياسي في الإسلام.

8 - الدنيا تقوم ولا تقعد

يجن جنون الحكام فيحتجون، وتحتج شيعتهم، ويقولون هذا غير صحيح، لماذا لم يكلف خليفة بهذا المشروع الفخم؟ لماذا كلف علي بالذات؟

يا ويحكم! لماذا اختار الله محمدا، ولم يختر أبا سفيان للنبوة؟ أأنتم تقسمون رحمة الله؟!!

هذا البخاري جمع ما اعتقد أنها أحاديث لرسول الله وسمى مؤلفه باسمه (صحيح البخاري) ومثله فعل مسلم، وابن ماجة، والترمذي، والدارمي... إلخ. ومع هذا بقيت الدنيا على حالها، فلماذا تقيمون الدنيا ولا تقعدونها عندما سمعتم بكتاب الإمام علي؟!!!

أنتم تلاحقون أبا هريرة الذي لم تزد صحبته للنبي عن سنة وستة شهور، وتطلبون منه أن يتوضأ كما كان رسول الله يتوضأ، وأن يصلي كما كان رسول الله يصلي، وتتعامون عن أهل بيت النبوة الذين شاهدوا النبي كل يوم يتوضأ ويصلي، طوال سني البعثة ال‍ 23 عاما!!!


الصفحة 130
أنتم تطلبون من معاوية أن يبين لكم القرآن الكريم، وطوال 21 عاما كان معاوية في حرب مع النبي! ومع هذا تترفعون عن سؤال أهل البيت الذين وقفوا معه 23 عاما، وعرفوا كل شئ عن شريعته!!!

أهذا هو المنطق في عرفنا؟ أهذا هو الحق الذي أمرنا باتباعه؟!

هل هذا هو جزاء إحسان بني هاشم يوم حوصروا ثلاث سنين في شعاب أبي طالب؟!!

هل هذا هو جزاؤهم يوم حموا النبي وحموا الإسلام قبل الهجرة؟!

هل هذه هي المودة في القربى؟!

أهكذا يعامل الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا؟!!!

أهكذا تفعلون بسفينة النجا، ونجوم الهدى؟ بالنص.

والله لو كان الخلفاء أحياء يحكمونكم لما لامكم أحد!!

أما بعد موت الخلفاء، ودمار الأمة، فهنا موقع اللوم!!!

والله لا نقول إلا ما أمرنا الله أن نقول: إنا لله وإنا إليه راجعون.

فتلك والله أعظم المصائب!

9 - ضربة معلم

لو أجاز الخلفاء رسميا كتابة أحاديث رسول الله وتداولها لظهرت هذه الكتب الثلاثة، ولاستطاع الإمام أن يثبت أنها بإملاء رسول الله وخط علي، ولانتشرت هذه المجموعة الحقوقية انتشارا واسعا، وبما أنها بخط الإمام، وبما أنها ستكون جزءا من القوانين النافذة، ولا غنى عن الإمام عند تطبيقها، فهنا يتحجم الخليفة، ويبرز دور الإمام كعنصر من عناصر تطبيق الشريعة، وبهذه الحالة وضمنيا يثبت حقه برئاسة الأمة وولايتها، ويسحب بساط الشرعية من تحت أقدام الخلفاء، ويفقدهم هيبتهم أمام الرعية!


الصفحة 131
ومن هنا جاءت محاصرة أحاديث الرسول، ومنع كتابتها وروايتها، والقول بأن القرآن وحده يكفي، ولا حاجة لأي شئ آخر!

كانت هذه المقولات والإجراءات ضربات معلم حقيقية، حيدت الإمام عليا، وحيدت علمه، وحيدت الشرعية علميا، وفتحت كل الأبواب أمام الرأي أو العمل بالرأي، أو ما سمي في ما بعد بالاجتهاد، وهكذا عطلوا دور أهل بيت النبوة في بيان الأحكام بيانا قائما على الجزم واليقين، واستبدلوا ذلك بالحكام وبآرائهم القائمة على الفرض والتخمين.

فالحكم الناتج عن الرأي أو الاجتهاد هو حكم ظني بأحسن صوره، فقد يصيب وقد يخطئ، بينما الحكم الإلهي الذي وثقه أهل البيت ودونوا بيانه، حكم قائم على الجزم واليقين. وشتان ما بين الفرض والتخمين، وما بين الجزم واليقين.

إنها سنة الشك التي غرسها الحكام بآل محمد، وألهموها لرعاياهم يوما بعد يوم، حتى أصبحت سنة يصعب مقاومتها، وعرفا ملزما يتناقلها الناس بالإرث والتقليد!!

10 - أخبار عن الجفر والجامعة عند شيعة الدولة

أورد ابن الطقطقي - ت 709 - في كتابه الفخري في الآداب السلطانية مجلد 3 صفحة 123 - 124: أن المأمون اختبر أحوال البيتين العباسي والعلوي فلم ير فيهما أصلح، ولا أفضل، ولا أورع، ولا أدين، من الإمام علي بن موسى الرضا، فعهد إليه، وألزم الرضا بذلك، فامتنع الرضا ثم أجاب، ووضع خطه في ظاهر كتاب المأمون بما معناه:

إني قد أجبت امتثالا للأمر، وإن كان الجفر والجامعة يدلان على غير ذلك.

قال المير سيد علي بن محمد بن علي الحنفي الاسترآبادي (ت 816) في شرح مواقف القاضي الإيجي (ت 756) عن الجفر والجامعة: هما كتابان للإمام علي (رضي الله عنه) قد ذكر فيهما - على طريقة علم الحروف - الحوادث التي تحدث إلى انقراض العالم، وكانت الأئمة من أولاده يعرفونها ويحكمون بها، وفي كتاب قبول العهد الذي كتبه علي بن موسى الرضا (رضي الله عنه) إلى المأمون (إنك قد عرفت من حقوقنا ما لم يعرفه آباؤك، فقبلت

الصفحة 132
منك عهدك، إلا أن الجفر والجامعة يدلان على أنه لا يتم...). راجع صفحة 276 من المقصد الثاني.

11 - وذكر الجفر والجامعة

الشيخ كمال الدين أبو سالم ابن طلحة الشافعي (ت 652) قال في كتاب الجفر والجامعة والنور اللامع حسب نقل كشف الظنون: مجلد صغير أوله: الحمد لله الذي اطلع من اجتباه... إلخ. وذكر فيه أن الأئمة من أولاد جعفر يعرفون الجفر. راجع مجلد 2 صفحة 420 - 421 من مصباح السعادة، وكشف الظنون مجلد 3 صفحة 521.

12 - وذكر الجامعة ابن خلدون

في مقدمته مجلد 1 صفحة 600 - 602 دار الكتاب اللبناني حيث قال: ووقع لجعفر وأمثاله من أهل البيت كثير من ذلك مستندهم فيه - والله أعلم - الكشف بما كانوا عليه من الولاية، وإذا كان مثله لا ينكر من غيرهم من الأولياء في ذويهم وأعقابهم، وقد قال (صلى الله عليه وسلم): إن فيكم محدثين، فهم أولى الناس بهذه الرتب الشريفة، والكرامات الموهوبة (المقدمة لابن خلدون مجلد 1 صفحة 565 - 566 الفصل الثالث في ابتداء الدول والأمم، وفي الكلام على الملاحم والكشف عن مسمى الجفر).

وقال بعده ما ملخصه: إن هارون بن سعيد العجلي رأس الزيدية كان له كتاب يرويه عن جعفر الصادق، وفيه علم ما سيقع لأهل البيت على العموم، ولبعض الأشخاص منهم على الخصوص، وقع ذلك لجعفر ولنظائره من رجالاتهم على طريق الكرامة، والكشف الذي يقع لمثلهم من الأولياء، وكان مكتوبا عند جعفر في جلد ثور صغير.... إلى قوله: وكان فيه تفسير القرآن وما في باطنه من غرائب المعاني مروية عن جعفر الصادق... إلى قوله: ولو صح السند إلى جعفر الصادق لكان فيه نعم المستند من نفسه، أو من رجال قومه، فهم أهل الكرامات، وقد صح عنه أنه كان يحذر بعض قرابته بوقائع تكون لهم. وقد حذر يحيى بن عمه زيد من مصرعه، وعصاه، فخرج وقتل بالجوزجانة، كما هو معروف. وإذا كانت الكرامة تقع لغيرهم فما

الصفحة 133
ظنك بهم علما، ودينا، وآثارا من النبوة، وعناية من الله بالأصل الكريم، تشهد لفروعه الطيبة، وقد ينقل بين أهل البيت كثير من هذا الكلام غير منسوب لأحد.

راجع المقدمة مجلد 1 صفحة 600 - 601 دار الكتاب اللبناني.

13 - ابن خلدون يناقض نفسه

قال ابن خلدون في مقدمته في الفصل الذي عقده لعلم الفقه، بعد ذكر مذاهب أهل السنة، ما هذا نصه: وشذ أهل البيت بمذاهب ابتدعوها، وفقه تفردوا به، بنوه على مذهبهم في تناول بعض الصحابة بالقدح، وعلى قولهم بعصمة الأئمة ورفع الخلاف عن أقوالهم، وهي كلها أصول واهية...

وكان أهل البيت أهل كرامات عنده كما أسلفنا، ثم تحولوا بقدرة قادر إلى مبتدعة وشذاذ، وأصحاب أصول واهية!! لست أدري هل نصدق قوله الأول في أهل البيت، أم نصدق قوله الثاني؟!!

وإذا صدقنا قوله الثاني فهل نسخت آية التطهير؟!!! وهل ألغي فرض مودتهم؟

وهل زال الواجب بولايتهم!!! وهل أوجد الله سفنا للنجاة بدلا منهم، ونجوما للهداية غيرهم، وأمانا للأمة سواهم؟!! ارجع كتابنا نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام، فقد وثقنا ذلك وتحدينا كل مكابر.

ليكن... فالناس أحرار إما أن يصدقوا النصوص الشرعية القاطعة التي لا تقبل التأويل، وإما أن يصدقوا مقولة ابن خلدون الثانية بأن أهل البيت شذاذ ومبتدعة وأصولهم واهية. راجع النص والاجتهاد صفحة 541 وما فوقه لشرف الدين الموسوي.

14 - أبو العلاء المعري وجفر الأئمة

يقول أبو العلاء:

لقد عجبوا لأهل البيت لما * أتاهم علمهم في مسك جفر
ومرآة المنجم وهي صغرى * أرته كل عامرة وقفر.