15 - رواة عن الجامعة
جاء في كتاب الكافي مجلد 7 صفحة 40، وكتاب من لا يحضره الفقيه مجلد 4 صفحة 151، ومعاني الأخبار صفحة 217، والتهذيب للشيخ الطوسي مجلد 9 صفحة 211، والوسائل مجلد 12 صفحة 450: إن أول من روى عن كتاب الإمام علي مباشرة هو الإمام علي بن الحسين، وروى من بعده الإمام الباقر كما في الخصال صفحة 124، وثواب الأعمال وعقاب الأعمال صفحة 261، وكلاهما للشيخ الصدوق، والوسائل مجلد 16 صفحة 119.... إلخ. راجع معالم المدرستين مجلد 2 صفحة 335 وما فوق.
16 - من رأى كتاب علي من أصحاب الأئمة
رأى كتاب علي جمع من أصحاب الأئمة يمتنع عقلا اجتماعهم على الكذب. راجع الإستبصار مجلد 2 صفحة 283، والتهذيب مجلد 8 صفحة 81 - 82، والوسائل مجلد 5 صفحة 375، وميراث الفرض الكافي مجلد 7 صفحة 136، ومن لا يحضره الفقيه مجلد 4 صفحة 225، والوسائل مجلد 9 صفحة 82، وبصائر الدرجات صفحة 144 و 165 و 162 و 145، والكافي مجلد 7 صفحة 142 والتهذيب مجلد 9 صفحة 308... الخ.، ومعالم المدرستين مجلد 2 صفحة 335 وما فوق.
17 - أهل البيت عند رفع الحصار عن الحديث
بينا أن الحكام قد فرضوا الحصار على أحاديث رسول الله، ومنعوا كتابتها وتداولها، واستمر هذا الحصار 95 عاما ثم صدر قرار حكومي عن الخليفة عمر بن عبد العزيز برفع الحصار وكتابة وتداول أحاديث الرسول، فتقبل الناس القرار مكرهين، وبدأوا يستذكرون أحاديث رسول الله بعد مقاطعة دامت 95 عاما، وبعد 95 عاما من صدورها عن الرسول كان بإمكانهم أن يرجعوا لأهل البيت، وأن يتلقوا علما يقينيا منهم، ولكن لم يفعلوا، لأن سياسة الدولة تمنع ذلك، لأسباب أوردنا بعضها.
وتمخضت تلك الإنطلاقة عن الصحاح الستة التي أوردنا ذكرها.
وبالرغم من الحصار المرير الذي فرضه الحكام على أهل البيت الكرام عامة، وعلى أئمة أهل البيت خاصة، فإن الأئمة الكرام لم يتوقفوا لحظة واحدة عن بيان سنة جدهم ونبيهم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا تركوا وسيلة يتسرب منها البيان إلا وسلكوها، وعندما شرعت الدولة برفع الحصار عن كتابة أحاديث الرسول وروايتها اغتنم الأئمة الكرام هذه الفرصة، وشرعوا ببيان سنة جدهم لسببين:
الأول: تثقيف شيعة أهل البيت بأحكام دينهم (القرآن وبيان هذا القرآن المتمثل بقول الرسول وفعله وتقريره).
والسبب الثاني: لتكون انطلاقتهم العلمية نبعا يستقي منه من يشاء علماء الدولة، وعلى هذا الصعيد تخرج على يد الإمام جعفر الصادق أربعة آلاف فقيه ومحدث، وتتملذ على يديه مباشرة أو بالواسطة أئمة المذاهب الرسمية المعتمدة في الدولة الإسلامية!
وميزة علوم أئمة أهل البيت أنها قائمة على الجزم واليقين، إذ دونت هذه العلوم على عهد رسول الله، بخط علي وإملاء الرسول نفسه، وتناقلها الأئمة كابرا عن كابر، بعيدة عن التحريف، والزيادة والنقص، بسبب وثاقة التدوين.
18 - ثمرة انطلاقة الأئمة الكرام
لم تصل إلينا ثمرات انطلاقة الأئمة الكرام من أهل البيت كلها، فقد استفادوا وحثوا تلاميذهم على الاستفادة من قرار الدولة برفع الحصار عن تدوين الحديث، ودون
1 - الكافي، للشيخ الكليني (ت 329 ه) أول من ألف من شيعة الأئمة موسوعة حديث عامة، جمع فيها أكثر من 16 ألف حديث.
2 - مدينة العلم، للشيخ الصدوق (ت 381) ويقال إنه أضعاف كتاب الكافي، ونسخته مفقودة على أثر حرق كتب أتباع الأئمة الكرام ومكتباتهم، ومطاردتهم وتشريدهم.
3 - بحار الأنوار، للمجلسي (ت 1111 ه)، والعوالم للبحراني من تلامذة المجلسي، وهما من الموسوعات الكبيرة المتأخرة كل منهما نحو ماءة مجلد.
كما اهتم أتباع الأئمة بأحاديث الأحكام، وكان الشيخ الصدوق (ت 381) أول من ألف موسوعة فقهية من الحديث سماها (من لا يحضره الفقيه) وتلاه الشيخ الطوسي (ت 460 ه) وألف الإستبصار والتهذيب. ثم مجموعة وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة للشيخ الحر العاملي (ت 1104 ه) ثم جامع أحاديث الشيعة للسيد حسين البروجردي (ت 1380 ه).
وقد نقلنا هذه الخلاصة عن معالم المدرستين مجلد 2 صفحة 278 للعلامة السيد مرتضى العسكري.
19 - قل هل أنبؤكم بخير من ذلكم؟
الأمة الإسلامية شخص اعتباري مريض حقيقة، والمريض بفطرته يبحث عن ما يشفيه من مرضه، وقد تداوت الأمة بالدكتاتورية، وبالشيوعية، وبالديمقراطية، ولكنها بقيت على حالها تعاني من أوجاعها، فما الذي يمنع أهل السنة من أن يسألوا عن علم أهل بيت محمد؟ وعن جامعة علي!! وعن أقوال أئمة أهل البيت؟ فما يدريهم لعل العلاج موجود عند أهل بيت النبوة!!
هل الشيوعية والديمقراطية أقرب إليكم من علم أهل البيت؟!!!
لو كان معاوية حيا لما لامكم أحد، لكن معاوية ميت ولا علاقة له الآن بأرزاقكم واعتباركم!!!
ثم ما هي العداوة بيننا وبين أهل البيت الكرام؟ ما الذي فعله الهاشميون بهذه الأمة حتى تنفر منهم هذا النفور العجيب؟!!!
إننا نقبل بكليتنا على كتب ابن تيمية وعلى مذهبه، وعلى مذهب محمد بن عبد الوهاب، ولا نجد حرجا في ذلك، لماذا نتحرج عندما يطرح أمامنا قول من أقوال أئمة أهل البيت الكرام؟
هل ابن تيمية، وابن عبد الوهاب أرفع منزلة في قلوبكم من أئمة أهل البيت؟!!!
إننا نقول بصوت واحد نحن لا نكره الأئمة الكرام ولكننا نكره الشيعة، ليس فضلا لكم أن لا تكرهوا الأئمة، فنحن لا نكره حتى الحيوانات، أما كرهنا لشيعة أهل البيت ففيه العجب، لماذا نكرههم؟ لماذا لا نسمع وجهة نظرهم؟
نحن من الحضارة بحيث نسمع وجهة الإنكليز والأمريكان وحتى اليهود، فهل هؤلاء كلهم أحب إليكم من الشيعة؟ ولكم ولهم كتاب واحد، ونبي واحد، وتتوجهون لكعبة واحدة، هل هذه أخوة الإسلام؟!! هل هذا هو عصر الانفتاح؟!!
إسمع وجهة نظري بتجرد، ولأسمع وجهة نظرك بصبر وتجرد، ثم نتحاكم إلى الإسلام، فهو دين الله، وهو الحكم، ولتكن غايتنا هي الوقوف على الحقائق الشرعية المجردة.
الفصل الحادي عشر
الركن الثالث للوحدة: الأمة
1 - موقع الأمة
القيادة السياسية والمرجعية في الأمة هي بمثابة القلب من الإنسان، والأمة هي بمثابة أعضاء البدن في الإنسان، والمنظومة الحقوقية هي بمثابة النظام، أو القانون الذي يحكم فيه القلب أعضاء الإنسان، فإذا فقد ركن من هذه الأركان تعطلت المعادلة كلها، فيصبح القلب أو القيادة السياسية والمرجعية بمثابة ملك لا حاشية له ولا رعية، وتتحول المنظومة الحقوقية إلى مجرد كتاب قانوني لا يقدم ولا يؤخر، وتتحول الأمة إلى مجموعات متناثرة من الأفراد كحبات السبحة التي انقطع نظامها، فأصبحت كل حبة في واد، وكل مشاهد منها في بلاد.
2 - معنى الأمة ومكوناتها
الأمة هي عبارة عن شخص اعتباري له ذمة مالية مستقلة تماما عن ذمة القيادة والمرجعية، ولهذه الأمة وجود واقعي وقانوني مستقل تماما عن وجود القيادة والمرجعية، فهي شئ والقيادة والمرجعية شئ آخر، صحيح أن القيادة والمرجعية هي بالضرورة جزء من الأمة، ولكن لكل واحد من هذين الكيانين ذاتية مستقلة تماما عن ذاتية الآخر، ووجود مادي مستقل عن الآخر، وحقوق قائمة بذاتها ومستقلة عن حقوق الطرف الآخر، بالرغم من التكامل والتكافل المفروض عليهما.
وتتكون الأمة الإسلامية حسب منظومة المادة الأولى من الدستور النبوي الذي وضعه
فالأمة تتكون إذا من المؤمنين الذين دخل الإيمان في قلوبهم، ومن المسلمين الذين نطقوا بالشهادتين وأعلنوا إسلامهم، ومن أبناء الملل الأخرى الذين يعيشون في ظلال الدولة الإسلامية وعلى إقليمها، ويقبلون بقيادتها، ويرتضون بمواطنتهم فيها، والملتزمين ضمنا بقبول قوانينها وتشريعاتها، وبتنفيذ قراراتها القضائية، وأحكامها.
هؤلاء جميعا أمة واحدة متميزة عن الأمم الأخرى، لها قيادة ومرجعية واحدة، وهي رئاسة الدولة الإسلامية الشرعية، ولها منظومة حقوقية أو قانون نافذ، وهو المنظومة الإلهية، ويعيشون جميعا على إقليم واحد، وهو تلك البقعة التي تخضع لسلطان الدولة الإسلامية، ويحملون جميعا جنسية هذه الدولة، ويشكلون جميعا نموذجا لإمكانية التعايش الإنساني في ظلال الحكم الإلهي.
فالمرجعية والقيادة هي بمثابة النموذج الشخصي المتحرك للمؤمنين والمسلمين معا، ولمن لحق بهم، والعلاقات المتحركة للعناصر غير المسلمة. والعلاقات بين أفراد الدولة المسلمة هي بمثابة نموذج متحرك لأبناء الأمم الأخرى، في منهج التعايش السلمي بين أبناء العائلة البشرية ككل، على مختلف مللهم ونحلهم.
3 - دور الأمة في تنصيب إمامها وأمرائها
الأمة المؤمنة حقا، تبحث عن الأعلم والأفهم بالمنظومة الحقوقية الإلهية ليقودها، لأن هذه المنظومة هي القانون النافذ الذي سيطبق عليها.
والأمة المؤمنة حقا، تبحث عن الأتقى والأخلص ليكون إماما لها، ووفدها إلى الله الذي من عليها، ووضع تحت تصرفها منظومته الحقوقية الإلهية.
والأمة المؤمنة حقا، تبحث عن أفضل مؤمن من أفرادها ليقودها، وليكون قدوة
والأمة المؤمنة حقا، تبحث عن أنسب فرد من أفرادها الموجودين ليقوم بهذه المهام.
4 - الغاية فوق الطاقة، وفوق القدرة
لا أحد في الدنيا ولا في الآخرة، لا في الأرض ولا في السماء يعرف على وجه الجزم واليقين الشخص الذي تبحث عنه الأمة ليكون إماما لها، لا أحد يعرفه يقينيا إلا الله.
لأن صفات الأعلم، والأفهم، والأتقى، والأخلص، والأفضل، والأنسب من بين الموجودين، كلها صفات خفية لا يعلمها علما يقينيا إلا الله، العالم بالسر وأخفى.
ومن هنا، فإن محاولة الأمة لتحديد المتصف بهذه الصفات فوق طاقتها، وتتجاوز قدرتها، حتى ولو اجتمعت على قلب رجل واحد، أو انفردت واحدا واحدا، لأن الشخص طبيعيا كالإنسان، أو اعتباريا كالأمة لا يملك إلا طاقته، وتجاوز حدود الطاقة دخول في أبواب التهلكة، ويؤدي لنتائج عكسية ومدمرة.
يحسن بمن أراد الوقوف على دقائق هذا الموضوع أن يقرأ كتابنا (نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام) فقد خصصنا هذا الكتاب كله لهذه الناحية، وأقمنا الدليل العقلي والشرعي على صحة ما قلناه.
5 - الرحمة الإلهية والمبايعة
حبا من الله لأمة محمد، وحرصا منه على دين الإسلام وحسن نظامه، ورفعا منه للخلاف والاختلاف، اختص الله هذه الأمة، ودلها على المتصف بهذه الصفات ليكون قائدها السياسي، ومرجعها، أو ليكون إمامها وقدوتها.
وبعد أن تجلت الرحمة الإلهية، وحددت تحديدا يقينيا الشخص المتصف بصفات الإمامة، أو القيادة والمرجعية، تبادر الأمة على الفور بمبايعة هذا الشخص ليكون قائدا سياسيا ومرجعا لها معا، لأنها بعد التحديد قد عثرت على الحكم الشرعي، تماما كما يعثر القاضي على النص القانوني المفصل تفصيلا دقيقا على الواقعة المعروضة عليه،
6 - البيعتان
لأنه يتعذر على الأمة أن تجتمع على صعيد واحد وفي مكان واحد فتأخذ البيعة شكلين أو مرحلتين:
1 - المرحلة الأولى وهي البيعة الخاصة يبايعها الخواص، وهم: أهل البيت الكرام، وأفاضل الصحابة، أو وجهاء العاصمة ومن لحق بهم، ولا يتوقف دور هؤلاء الخاصة على البيعة الخاصة، بل أوجب الشرع عليهم أن يساعدوا الأمة لتبايع إمامها ولتتعرف عليه.
2 - البيعة العامة، بعد تمام البيعة الخاصة للإمام، حيث يتحرك خاصة الأمة الموجودون في العاصمة، وفي الأقاليم، ليمكنوا الأمة كلها من مبايعة إمامها.
وبمبايعة الإمام يبدأ عهد جديد، ويتكون عقد جديد طرفه الأول الإمام، وطرفه الآخر الأمة التي قبلت بالإمام كقيادة سياسية ومرجعية معا.
راجع كتابنا (النظام السياسي في الإسلام) صفحة 76 وما فوق من الطبعة الخامسة، تجد أننا قد بينا بالتفصيل أولئك الخاصة الذين يبايعون الإمام البيعة الخاصة.
7 - الإمام يعين مساعديه
بتمام البيعة يصبح الإمام هو المرجع، وهو القائد السياسي، وهو رأس الأمة الشرعي، ينظر في كافة أمور دينها ودنياها بالكيفية المفصلة بالمنظومة الإلهية، ولتحقيق المقصود الإلهي من مؤسسة الإمامة، له أن يعين من الأمة كافة مساعديه لإدارة وسياسية الأمة، وأقاليمها، وتطبيق الشريعة، وتحقيق مقاصدها.
ومساعدو الإمام من الأمة يعينهم الإمام على ضوء ملكاته، وقابلياته المميزة، وعلى ضوء واقع نفسه الشريفة المميزة، وبالكيفية التي تحقق رضى العامة والخاصة
مساعدو الإمام هم:
1 - هم ولي العهد، أو الشخص الذي يخلف الإمام ويحل محله إن شغر منصبه، وهو محدد بالضرورة بالمعنى اللغوي.
2 - مجلس الوزراء، بالمعنى اللغوي، أو حكومة الإمام.
3 - أهل الشورى.
4 - ولاة الأقاليم، أو أمراء الأقاليم.
5 - القاضي أو القضاة.
6 - أية وظائف أو مناصب يرى الإمام أنها ضرورية لتحقيق المقاصد الشرعية، ولتطبيق المنظومة الحقوقية الإلهية.
راجع كتابنا (النظام السياسي في الإسلام) صفحة 197 وما فوق، وصفحة 76 تجد تفصيل ذلك.
وغني عن البيان أن الذي يملك سلطة وصلاحية التعيين، يملك سلطة وصلاحية العزل، والضمانة لعدم التعسف هو سمو شخصية الإمام والإشراف الإلهي على اختياره.
ولا حرج في اختيار الإمام، فإن الولايات المتحدة كدولة ديمقراطية تختار رئيسها، ويعطيه القانون الأمريكي نفس الصلاحيات التي يعطيها الشرع الحنيف للإمام، ولا يخشى من الرئيس الأمريكي جورا ولا تعسفا في العزل والتعيين، مع أنه لا يتصف بصفات الإمام الشرعية، ولم تبايعه الأمة الأمريكية كلها، فثلث الأمريكيين على الأقل دعم غيره، وتمنى نجاح غيره، فالثقة بالإمام أولى من الثقة بالرئيس الأمريكي من كل النواحي الموضوعية، وإعطاء الرئيس الأمريكي صلاحية تعيين وزرائه، ومساعديه، وعزلهم، لا يخدش ديمقراطية النظام الأمريكي بكل المعايير الديمقراطية.
8 - بين الشرعية والوقائع المادية
بمجرد تحديد الشخص المتصف شرعا بصفات الإمامة، يتوجب على الأمة خاصتها وعامتها أن تبايع الإمام فورا بعد أن دلها الله تعالى عليه، لأن مقصودها الشرعي
لكن يصدف أن بعض أفراد جماعات الأمة رغبة أو رهبة أو هوى، تكره هذا الشخص المتصف شرعا بصفات الإمامة، أو أنها لا تريده إماما لأنه صغير السن، أو به دعابة، أو لأنه من بني هاشم، أو لأنه قتل كثيرا من العرب في سبيل الإسلام، أو لأنه من أقارب النبي، وليس من العدل أن يكون النبي والإمام من قبيلة واحدة، فتذهب هذه القبيلة بالشرف كله، ولا تترك شيئا لبقية القبائل، فعندما يعلن الإمام الشرعي القائم ولي عهده يتعذر على هؤلاء الأفراد والجماعات أن يجاهروا باحتجاجاتهم، ولذا يبدؤون بالتخطيط سرا، والتكتل ويعملون بكل استطاعتهم في حياته لكي لا يسد عليهم الطريق، حتى إذا مات الإمام الشرعي القائم، وانشغلت الأمة بفجيعتها، تحرك هؤلاء الأفراد وتلك الجماعات في غفلة من الأمة، وقدمت واحدا منها على أنه إمام.
ومن الطبيعي أن الناس ليسوا ملائكة، وأنهم يبحثون عن المصالح بجهد أكبر من بحثهم عن المبادئ، وأنهم بالنص الشرعي يحبون الدنيا العاجلة، ويذرون الآخرة، فيسارع أمثال هؤلاء إلى مبايعة المتقدم، ويفاجئ الإمام الشرعي بهذه الوقائع، ويقيم الحجة على الحاكم الفعلي، ولكن الحاكم الفعلي لا يأبه بالإمام الشرعي، ويجد الإمام الشرعي نفسه بمواجهة دولة حقيقية، فيطلب النصر من فئات الأمة المختلفة، فمنهم من بايع ويعز عليه نقض البيعة، ومنهم من لا يرغب أن يدخل في صراع خاسر ومعروف النتائج حسب تحليله، فهذه دولة والإمام الشرعي فرد، فيقل ناصر الإمام فيسلم، ويصبح الغالب هو الإمام، أو الخليفة، أو أمير المؤمنين الفعلي، والإمام الشرعي لا حول بيده ولا قوة.
ومع الأيام والتكرار ينبذ الإمام الشرعي بعد أن تعذر عليه ممارسة وظائف الإمامة، لأنه أصبح وحيدا ومجردا من السلطات الواقعية، والإمكانيات التي تمكنه من ممارسة دوره كإمام شرعي، وحيث أن الأمة وقفت مع غيره، وحيث أن هذا الغير هو الغالب، يتحجم دور الإمام الشرعي وينبذ، باعتباره عدو الغالب، ومنافسه، وطريد السلطة، وتتحول هذه الآلية إلى سنة فعلية، تدعهما القوة والغلبة. وتتحول الأمة إلى مجرد مطية يركبها أي غالب، وتندحر الشرعية، والمشروعية تماما، فتسود مقولة عبد الله بن عمر بن الخطاب (نحن مع من غلب) تلك المقولة التي تحولت إلى نص، كأنه منزل من عند الله! راجع الأحكام السلطانية لأبي يعلى صفحة 6 - 15، وراجع صفحة 424 من الإرشاد في الكلام لإمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله الجويني.
وبعد أن تستتب الأمور لهذا الغالب يقلد النبي، فيعهد إلى أي شخص يريده، وتستمر ولاية العهد بهذه الطريقة حتى يبرز من بين صفوف الأمة غالب جديد، فيغلب الخليفة القائم، ويستولي على الملك لنفسه، أو لأسرته، ويبدأ بسلسلة ولاية العهد، حتى يتقدم الصفوف غالب جديد!
والأمة رغبة أو رهبة ملزمة بمبايعة كل غالب، وهكذا دواليك طوال التاريخ السياسي الإسلامي!
وإذا تجرأ الإمام الشرعي بمثل هذه الظروف أن يذكر الأمة بالشرعية، وبحقه الشرعي بالإمامة، قيل: إنه طالب إمارة، وطالب الإمارة لا يؤمر، وقيل: إنه يريد أن يفرق الأمة بعد اجتماعها، وأن يشق عصا الطاعة، ويفرق الجماعة، ويبغي الفتنة.
ووسائل إعلام الدولة تدق طبولها بالعشي والإبكار، وترسخ الواقع وتباعد بين الأمة وبين الشرعية السياسية الحقيقية.
ولقد عالجنا هذا الموضوع في كتابنا (النظام السياسي في الإسلام) بإيجاز يكفي للإحاطة بهذا التوجه، فليرجع إليه من شاء الوقوف على بعض التفاصيل.
وعندما يطول العهد وتتكون معالم السنة الفعلية التي رسمها الغالب، يتصور
وبهذه الحالة تقاوم الأمة أو الأكثرية الساحقة من الأمة بعناد، أي محاولة للعودة إلى الشرعية، وتعتبر هذه المحاولة خروجا على شرعية السنة التي أوجدها الغالب.
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
الباب الثاني
الإختلاف بعد الوحدة والائتلاف
الفصل الأول: طبيعة الاختلاف ومخاطره
الفصل الثاني: فتح أبواب التمزق والاختلاف
الفصل الثالث: ثمار الترتيبات الوضعية
الفصل الرابع: تحول الترتيبات الوضعية إلى قناعات
الفصل الأول
طبيعة الاختلاف ومخاطره
1 - جريمة الفرقة
إذا كانت وحدة الأمة الإسلامية فرضا، فإن تفريق وفرقة الأمة الإسلامية جريمة كبرى ومفسدة عظمى، تترتب عليها مئات المفاسد، فهي تعطل الأمة كشخص اعتباري عن القيام بكل أدوارها وواجباتها، وتؤدي إلى التنازع والفشل وذهاب الريح والهيبة، وتعميق كل ذلك وترسيخه، فيتفرق المسلمون بعد وحدة، ويختلفون بعد انسجام، ويتحولون إلى شيع متباعدة متباغضة، وأحزاب متنافرة، يتلهى كل حزب بما لديه، وتزعم كل فئة أنها على الحق المبين، وأن غيرها على الباطل، مع أنه لا يوجد إلا حق واحد، وباطل واحد، ولو كانوا جميعا على الحق لاتحدوا تحت راية الحق الواحدة، ولكن لأنهم أحبوا الباطل وكرهوا ما أنزل الله، اختلفوا ودخلوا أبواب الهوى كما دخل المشركون من قبلهم قال تعالى (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) الأنفال آية 45، وقال جل جلاله (ولا تكونوا من المشركين، من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون) آية 21 - 22 من سورة الروم، وقال أيضا (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ) آية 159 من سورة الأنعام، والخطاب في هذه الآية موجه للنبي.
2 - سبب الفرقة والخلاف
يكمن سبب خلاف المسلمين واختلافهم، وتفرق كلمتهم، وإخفاقهم في تحقيق وحدتهم في أمر واحد لا شأن له، وهو بإيجاز عدم إعمالهم للترتيبات الإلهية مجتمعة.
فقد أخذوا من هذه الترتيبات الإلهية أمورا، وتركوا منها أمورا أخرى.
وهذا الذي تركوه من الترتيبات الإلهية أحدث فراغا هائلا وفجوة، فسدوا هذا الفراغ وتلك الفجوة بترتيبات بديلة، وضعوها على عجل وحسب رأيهم ومبلغهم من العلم، وأشيع في ما بعد أن هذه الترتيبات البديلة هي جزء لا يتجزأ من الترتيبات الإلهية، تقرأ معها، وتنفذ كما تنفذ الترتيبات الإلهية تماما.
3 - الربط المتكرر
تولى قادة التاريخ السياسي الإسلامي عمليات ترك بعض الترتيبات الإلهية، وعمليات وضع ترتيبات بديلة، لسد الفراغ الحاصل، ثم عمليات الربط بين ما تبقى من الترتيبات الإلهية وبين الترتيبات البديلة التي وضعوها، وكرس هؤلاء القادة كل جهودهم وإمكانيات الدولة الإسلامية لتبدو هذه العمليات وكأنها لمصلحة المسلمين، ولمصلحة الإسلام، وشايعتهم الأكثرية الساحقة من الأمة على ذلك رغبة في ما عند هؤلاء القادة، أو رهبة منهم.
4 - الإشاعة تتحول إلى قناعة
ثم أخذت وسائل الدولة الرسمية لهؤلاء القادة تروج لشيوع هذه الإشاعة، وتشيد بفضائل وحكمة واضعيها، ومع التكرار صارت كل هذه العمليات أعرافا ملزمة، وحالات واقعة، وسنة متمكنة في الحياة، وقناعات ضاربة الجذور، واعتقد اللاحقون أن الوحدة بين ما تبقى من الترتيبات الإلهية وبين الترتيبات البديلة التي
5 - اختلاط الدين بالأشخاص
من المسلمات أن ذات الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هي جزء من الدين، فيجب أن يتيقن المؤمن أن محمدا بالذات - وليس غيره - هو نبي الله ورسوله، وأن طاعته هي طاعة لله، ومعصيته هي معصية لله، فالقناعة بذلك هي جزء لا يتجزأ من دين الله، وتقرأ هذه القناعة مع الدين، وهي منبثة في كل نصوصه.
ونتيجة لترك بعض الترتيبات الإلهية، ووضع ترتيبات بديلة، لتسد محلها، أشيع في ما بعد أن الذين وضعوا هذه الترتيبات البديلة هم أيضا جزء من الدين، ويقرأ هذا الجزء مع الدين نفسه، وحجتهم في ذلك أن القول بغير ذلك سوء ظن بأولئك الذين قادوا التاريخ السياسي بعد وفاة النبي، وصنعوا وحققوا الانتصارات والأمجاد، وفتحوا الممالك والبلدان بفترة زمنية قصيرة، معتقدين أن سر العظمة بهؤلاء القادة، لا بدين الإسلام وحده، وكيف لا وقد صحبوا النبي، وكانوا خلفاءه والقائمين مقامه، وقد وحدوا الأمة طوعا وكرها، ونقلوا لنا الدين نفسه، وبلغونا أحكامه، فهم عدول، لا يجوز عليهم تعمد الشر، ومن الواجب الاقتداء بهم، فعملهم سنة، ولكل واحد منهم سنة قولية وفعلية وتقريرية عند عدم وجود النص، راجع الباب الأول من كتابنا نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام تجد توثيق ذلك.
وهكذا اختلط الدين بالأشخاص اختلاطا كاملا، وقلت الفوارق بين ما وصفه الخالق، وما ابتدعه المخلوق، وحشر الاثنان على صعيد واحد، وقرءا معا!
6 - تقديس الغلبة وتمجيد الغالب
في هذا المناخ تقدست الغلبة، وأصبحت سببا شرعيا للخلافة، وتمجد الغالب وأحيط بهالة حقيقية من التقدير وبفيض من الطاعات، كأنه خليفة وإمام شرعي معين بالنص أو العهد، فاخترع ترتيب بديل مفاده: أنه لو خرج على الخليفة أو الإمام الشرعي خارج أي خارج على الإطلاق - فوقف مع الخليفة الشرعي فريق، ومع هذا الخارج فريق، وشب الصراع بين الفريقين، ثم أسفر عن انتصار هذا الخارج وسيطرته على مقاليد الأمور، فيجب التنكر عمليا للخليفة الشرعي المغلوب، وإطاعة هذا الخارج الغالب، وتتويجه خليفة شرعيا مكان السابق فقط لأنه غالب، فإذا غلب وجلس في مقام الخلافة، فيتوجب طاعته، والانقياد له، وتقديم واجبات الولاء له كائنا من كان، ولماذا لا؟ فهو خليفة رسول الله وأمير المؤمنين رسميا، وإن كنت في شك من ذلك فاقرأ مشكورا الأحكام السلطانية صفحة 5 - 11.
ولهذا الغالب أن يتمتع بكافة الحقوق والصلاحيات والامتيازات التي كان يتمتع بها الخليفة الشرعي المغلوب عندما كان غالبا، فهو خليفة حقيقي الآن، بل وبإمكان هذا الخليفة الغالب أن يعهد لمن يقود الأمة من بعده، فهو موضع ثقة نظر المسلمين حال حياته، وتبعا لذلك أن ينظر لهم حال موته، وإن كنت في شك من ذلك فاقرأ صفحة 177 من مقدمة ابن خلدون تجد هذا الترتيب البديل.
وزيادة في الأمان والاطمئنان على هذا الغالب فإنه يحرم قتاله، ويحرم الخروج عليه، ويحرم عزله، وله على الأمة حق الطاعة حتى ولو كان فاسقا ظالما، وإن كنت
أما لماذا هذه المبالغات بالطاعة والاحتياطات؟ ذلك لأنه خليفة رسول الله والقائم مقامه، والمتمتع بصلاحياته في القيادة!
وقد توطد مركز الخلافة في ظلال هذه القناعات، حتى أعلن الحجاج بكل وضوح كما أسلفنا أن الخليفة أهم من الرسول نفسه، ومقامه أعظم من مقام النبوة نفسها!
وساعد على ترسيخ مكانة الخلافة مكانة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في النفوس، فصارت سيرتهما جزءا من المنظومة الحقوقية الإلهية تقرأ معها، فلا يكفي أن يتعهد الخليفة الجديد بالحكم بكتاب الله وسنة رسوله، بل يجب أن يتعهد أيضا بالعمل بسيرة الشيخين، وتلك مكانة لا مثيل لها، والشواهد على ذلك كثيرة، راجع على سبيل المثال مجلد 5 صفحة 15 من أنساب الأشراف للبلاذري، ومجلد 1 صفحة 26 من الإمامة والسياسة لابن قتيبة الدينوري.
وما قاله الشيخان، وما فعلاه، وما أقراه يقرأ مع المنظومة الحقوقية الإلهية وكأنه جزء منها.
فولاية العهد لا سند شرعي لها من الناحية الرسمية إلا فعل أبي بكر وعمر، حيث عهد أبو بكر لعمر، وعهد عمر للستة نظريا ولعثمان عمليا، راجع كتابنا النظام السياسي في الإسلام الباب الأول صفحة 147، ونظام الحكم للقاسمي، ومجلد 2 صفحة 428 من تاريخ الطبري، وصفحة 37 من سيرة عمر لابن الجوزي، وصفحة 85 مجلد 2 من تاريخ ابن خلدون، وصفحة 11 من الإمامة والسياسة لابن قتيبة، وصفحة 177 من المقدمة لابن خلدون.
وإذا غلب غالب جديد يسري هذا القانون لصالحه.
7 - ما هو السند الشرعي لترتيب الغلبة البديل للترتيب الإلهي؟
السند الشرعي لهذا الترتيب (نحن مع من غلب) ليس آية قرآنية، أو سنة نبوية كما يخطر على البال، إنما هو مجرد قول صدر عن الصحابي عبد الله بن عمر بن الخطاب يوم فتكت جيوش الخليفة يزيد بأهل المدينة المنورة، وروعتهم، ونكلت بهم، وأذلت أصحاب النبي، وختمت أعناق وأيدي من تبقى منهم على أنهم عبيد ليزيد، إمعانا بإذلالهم، وقتلت ما لا يقل عن عشرة آلاف مسلم! واستقرت الأمور لصالح يزيد بن معاوية، عندئذ قال عبد الله بن عمر (نحن مع من غلب) فتحولت مقولته إلى قاعدة دستورية شرعية تقرأ تماما مع المنظومة الحقوقية الإلهية، وهي أشهر من نار على علم، لأنها السند الوحيد للخلافة التاريخية، راجع مشكورا صفحة 5 - 11 من الأحكام السلطانية، وتأكد من صحة ما ذكرناه، وراجع كتابنا النظام السياسي في الإسلام، وكتابنا نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام، تجد توثيق وتفصيل ذلك.
8 - طريق الخلاف ومفتاح الدمار
الضرر المدمر يأتي من أولئك الذين أعلنوا أن هذه الترتيبات إلهية، وأنهم يؤمنون بذلك، ولكنهم يخشون من إعمال هذه الترتيبات بحجة أنها غير مناسبة، أو أنها بالمآل ضارة بمصلحة المسلمين.
اليهود أنفسهم الذين طلبوا من نبيهم تعيين قائد لهم، فلما دلهم الله على هذا القائد اعترضوا، وقالوا: إنه غير مناسب للقيادة بحجة أن طالوت لم يؤت سعة من المال، وبصعوبة، وبعد أن جاءتهم البينات اضطروا لقبول قيادة طالوت، وتجد تفاصيل ذلك في سورة البقرة من القرآن الكريم.
وبعض الصحابة الكرام رفضوا ولاية علي بن أبي طالب بحجة أنه صغير السن، وأن مشيخة قومه أولى بالولاية منه، وبحجة أنه هاشمي، وأن الهاشميين قد أخذوا
نظرة الإمام علي مع أبي بكر وعمر وأبي عبيدة رضي الله عنهم على سبيل المثال في الإمامة والسياسة لابن قتيبة صفحة 5 وما فوق من الجزء الأول، وراجع قول أبي عبيدة للإمام بأنه صغير السن صفحة 15، وراجع أقوال عمر (رضي الله عنه) حول عدم أحقية الهاشميين بجمع الخلافة مع النبوة في مجلد 2 صفحة 21 من الكامل في التاريخ لابن الأثير، وراجع شرح النهج لعلامة المعتزلة ابن أبي الحديد مجلد 2 صفحة 107، ومجلد 2 صفحة 87، وراجع كتابنا (النظام السياسي في الإسلام) باب المرجعية، وباب القيادة السياسية.
وكما اعترض الكثير من الصحابة الكرام على ولاية علي اعترضت زعامة قريش على نبوة النبي، فتمنت لو أن القرآن قد أنزل على رجل من القرشيين عظيم، وهو عين اعتراض فرعون على نبوة موسى، بحجة أن موسى مهين ولا يكاد يبين.
9 - نقطة الاعتراض على الترتيبات الإلهية
عادة ينصب اعتراض المعترضين على شخص القائد السياسي والمرجع، فإن نجحوا باعتراضهم يستبدلونه، ويعطلون كافة النصوص الشرعية المتعلقة بشخص القائد السياسي والمرجع، أو يؤولونها تأويلا يخرجها عن الغاية من وجودها، وقد يتمادى المعترضون إذا نجحوا، فيقومون بدور المرجع الشرعي، ويتجاوزون حدودهم، فيفتكون بالمنظومة الحقوقية الإلهية، فيعطلون ما شاءوا من النصوص، ويؤولون البعض الآخر منها، ويبدلون بعضها، ويعملون ببعضها مما لا يتعارض مع ما تهوى الأنفس.
عندئذ تضيع الأمة، وتتعطل الترتيبات الإلهية ويفسد أمر الناس، ويختلط الحابل بالنابل، والحق بالباطل، وتبدأ البنية العامة للأمة بالتآكل حتى تنهار نهائيا. فإذا انهارت، يستجد سبب جديد للفرقة، ويتعذر توحيد الأمة دون تشكيكها بشرعية سنة الغالب، تمهيدا لإبطالها، ثم إبطال سحر هذه السنة. والله غالب على أمره.
10 - الترتيبات الإلهية معادلة رياضية
وحدة الأمة الإسلامية تتحقق عندما تطبق الشرعية الإلهية، وتنفذ الترتيبات الإلهية بأركانها الثلاثة المؤلفة من:
1 - قيادة سياسية ومرجعية تكون بالضرورة هي الأعلم والأفهم بالمنظومة الحقوقية الإلهية، وهي الأفضل، والأتقى، من بين أتباعها، وهي الأصلح والأنسب لقيادة هؤلاء الأتباع. وتلك صفات خفية لا يعملها علم اليقين إلا الله تعالى، ومن هنا فقد اختص وحده بتحديد هذه المرجعية، وبيان الشخص المتصف يقينيا بهذه الصفات، فهو تعالى الذي أعلن أن هذه الصفات متوفرة بالرسل الكرام كل في زمانه، فقد توفرت بموسى، وفي داود، وفي سليمان.
.. إلخ. وتوفرت في طالوت، وتوفرت هذه الصفات في محمد، وبختم النبوة، والرسالات الإلهية لبني البشر توفرت بعلي وبالأئمة الكرام. وقد عالجت هذا الموضوع علاجا علميا في كتابنا نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام وأقمت الأدلة القاطعة على ذلك.
2 - المنظومة الحقوقية الإلهية، وهي بمثابة القانون النافذ للأمة وللجماعة الإسلامية، وقد غطت هذه المنظومة من خلال فهم القائد السياسي والمرجع كل شئ يحتاجه الجنس البشري، وعلى كل صعيد.
11 - ثمرة المعادلة
إذا أعملت هذه الترتيبات الإلهية، ونفذت استقام أمر الأمة تماما، وتحققت وحدتها، وأمكنها أن تتابع أهدافها المتمثلة: بإنقاذ الجنس البشري، وإقامة الدولة العالمية الواحدة، وتعمير الأرض، وتوزيع ثرواتها توزيعا عادلا على أبناء الجنس البشري، عندئذ يسود الحكم الإلهي، وتتحقق في ظلاله الحرية الحقيقية، والعدل الحقيقي، والمساواة الحقيقية أمام القانون، وفي مستوى المعيشة والتكاليف، لا فرق
12 - المعادلة السلبية
أما إذا عطلت هذه الترتيبات الإلهية، أو تهدم ركن منها، أو عدلت هذه الأركان، أو عدل بعضها، أو عطلت أجزاء منها، عندئذ تنهدم الشرعية الإلهية عاجلا أم آجلا، وتدخل الأمة والعالم في ليل بهيم إذا أخرجت يدك لم تكد تراها، وتنمو أسباب الشقاق والاختلاف، وتنهدم وحدة الأمة، وتموت عمليا روحها العامة، ويتقوقع كل فرد من أفرادها على ذاته، لأننا نكون في هذه الحالة أمام حكم وضعي وترتيبات وضعية، ونكون قد أبطلنا بأيدينا مفعول العلاج الإلهي الذي وصفه تعالى لشفائنا، وبهذه الحالة تبدأ عمليات التآكل، ومن الطبيعي أن ترافقها عمليات محاولات الإصلاح ، لكن هذه المحاولات بمثابة مخدر، لأنها قاصرة، ولأنه لا يوقف الدمار في العالم ولا يضع حدا له إلا عودة الأمة الإسلامية إلى الترتيبات الإلهية، وإعمال هذه الترتيبات كاملة غير منقوصة.
13 - خطورة الترتيبات الإلهية
الترتيبات الإلهية من حيث الظاهر تشكل خطرا على الطبقة التي كانت تنعم وتسود على حساب السواد الأعظم قبل أن تشرق شمس تلك الترتيبات الإلهية، لذلك فإن هذه الطبقة تسعى جاهدة لإجهاض الترتيبات الإلهية، وللتشكيك بنسبة هذه الترتيبات لله سبحانه وتعالى، وتحاول ما وسعها الجهد أن تستخف أولئك المستفيدين من الترتيبات الوضعية، وأن توحد جهدها مع جهدهم، وتشكل جبهة لمواجهات خطر تلك الترتيبات الإلهية.
14 - موضع الاعتراض في الترتيبات الإلهية
الطبقة التي تتنعم على حساب السواد الأعظم لا تجد في المنظومة الحقوقية الإلهية ما يخالف العقل، وما تأباه الفطرة السليمة، أو ما يتعارض مع مصلحة الإنسان، لذلك فإنها لا تجعل الاعتراض على المنظومة موضوعا رئيسيا في صراعها مع المشروع النهضوي الإلهي، ومن هنا فإنها تقصر موضوع الصراع على نقطتين:
1 - الحيلولة بين الناس وبين الإصغاء لصوت النبوة، حتى تقلل التابع، وتتمكن من حصر من اتبع.
2 - الطعن بشخص القائد أو المرجع والتركيز على عدم أهليته، وعدم استحقاقه ليكون نبيا، أو رسولا، أو قائدا، أو مرجعا، لأنه مجرد فرد من الناس، أو لأنه من العامة (فهو مهين ولا يكاد يبين) كما قال فرعون عن موسى، ولأنه ليس عظيما وفق معايير المجتمع المراد تغييره (لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) كما قال مشركوا العرب عن محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أو لأنه فقير لم يؤت سعة من المال كما قال الإسرائيليون عن طالوت، أو لأنه صغير السن، أو به دعابة، أو لأنه من بني هاشم، وقد أخذ الهاشميون النبوة فلا ينبغي أن يجمعوا الخلافة مع النبوة، كما اجتهد بعض الصحابة الكرام في عدم قبولهم لولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام).... إلخ. هذه الاعتراضات.
15 - نشوء الصراع وفتح أبواب الاختلاف
نتيجة لإعلان المشروع النهضوي الإلهي بأركانه الثلاثة، ولموقف الطبقة التي تقود المجتمع المراد تغييره من المشروع الإلهي ومقاومتها له، ينشأ الصراع المرير بين داعية المشروع الإلهي ومن والاه، وبين الطبقة المتحكمة في المجتمع المراد تغييره ومن والاها، وقد تتمكن هذه الطبقة من إجهاض المشروع الإلهي، ومن هزيمة الداعية ومن والاه، عندئذ وغالبا ما تتدخل العناية الإلهية، فتسلط على هذه الطبقة عذابا، وتقطع دابرها.
1 - وضوح الحجة، وقيام الدليل على صدق الدعوة، ونسبتها إلى الله تعالى.
2 - ولأن دولة الإيمان هي التي غلبت، فجمعت بين الاقتناع بشرعيتها وبين حماية هذا الاقتناع بقوتها.
وهنالك صراع ينشأ بين أتباع الداعية الإلهي وغالبا بعد موته، فيأخذ الصراع شكل فتنة داخلية، ومن الطبيعي أن هذا الصراع سيكون بين فريقين أحدهما على الحق بالضرورة، والآخر على الباطل بالضرورة، بغض النظر عن قلة أو كثرة ناصري كل فريق، ونفس القانون يجري على هذا الصراع، فقد يهزم المحق وينتصر المبطل بموازين النصر التي يألفها العامة، كما حدث للأكثرية الساحقة من الرسل الكرام، عندئذ تقتص العناية الإلهية من الأمة التي آزرت المبطل، وخذلت المحق، فتذيق بعضها بأس بعض، وتسلط الظالمين عليها يسومونها سوء العذاب. وأحيانا قد ينتصر المحق.
16 - نفس الأطر ونفس موضوع الخلاف
عندما ينشأ الصراع بين أتباع الداعية الإلهي بعد موته، ينصب اعتراض المعترضين على شخصية القائد السياسي والمرجع، لأنه برأي وحسب اجتهاد هؤلاء المعترضين ليس أهلا للقيادة والمرجعية، أو لأنه من عشيرة النبي، أو لأنه صغير السن، أو لأنه فقير، أو لأنه أثخن في العرب... إلخ. فيغدو من المناسب حسب رأيهم واجتهادهم أن يتولى القيادة والمرجعية شخص آخر أكثر أهلية منه، فذلك أفضل لمصلحة الإسلام ولمصلحة المسلمين، وذلك أقرب لوحدة الكلمة، وأجدر بتحقيق الوفاق والائتلاف... إلخ.
17 - نقض الترتيبات الإلهية
قد تبدو هذه الحجج مقبولة من حيث الظاهر ويبدو الإشفاق واضحا من أصحابها، ولكنها في حقيقتها وجوهرها تشكل نقضا للترتيبات الإلهية المتعلقة بالقيادة والمرجعية وتغييرا لطبيعة هذه الترتيبات، ومبررا لإيجاد ترتيبات بديلة، وهي في الحقيقة تهز هزا عنيفا المنظومة الحقوقية الإلهية خاصة القواعد المتعلقة بالقيادة والمرجعية، وبالتالي تستبدل الترتيبات الإلهية الدائمة والواضحة بترتيبات بشرية وضعية وغامضة.
18 - الحرب خدعة والاجتهاد فن وظن
إن تكافأت الفرصة بين المعترضين والقائد والمرجع الشرعي على سواء، وكانت الشرعية هي الحكم، فإن القائد والمرجع الشرعي مؤهل إلهيا ليفوز، وليقيم الحجة على المعترضين، ويسلك بهم وبالأمة جادة الصواب، ويقودهم ضمن إطار الشرعية حتى يحقق للجميع السعادة في الدارين. لكن المعترضين أذكى من أن يتحركوا في فرصة متكافئة مع القيادة والمرجعية، وهم أعقل من أن يقبلوا بأقل من النصر على قائدهم ومرجعهم، وعلى الشرعية نفسها.
19 - الحل الأمثل لهزيمة القائد والشرعية معا
إن الحل الأمثل لهزيمة القائد والمرجع الشرعي والشرعية معا يتمثل في ترتيب الأمور لما فيه مصلحة المسلمين في غياب القائد والمرجع الشرعي، بحيث يواجه القائد بأمر واقع لا قدرة له على دفعه، وإن حاول دفعه يقع المحظور، ويفرق الجماعة، بعد خروجه على الطاعة، ويثير الفتنة بعد أن نعمت العامة بالعافية، ولا يكون أمام العاقل من سبيل إلا طلب السلامة، وابتغاء رضى الغالب الذي دانت له الأمور، واستقامت لسلطته!!
وسترى أن هذا هو الذي حدث في مواجهة الترتيبات الإلهية لقيادة الأمة في مواجهة النبي وعند وفاته.
الفصل الثاني
فتح أبواب التمزق والاختلاف
1 - الإئتلاف
لقد نجح النبي الأعظم نجاحا ساحقا بتحويل الدعوة إلى دولة، وحدث في ظلال حكمه الأرشد للعرب لأول مرة في التاريخ، وبكلفة بشرية لم تتجاوز 389 قتيلا من أعوانه ومن أعدائه معا، وأرسى قواعد الائتلاف والشرعية، فكانت ولايته المباركة هي الرمز الأول لوحدة العرب المسلمين، وكانت معجزته القرآن، وبيانه اليقيني لهذا القرآن هو القانون النافذ لدولة الإيمان، وكان تمسك المخلصين بالقيادة المباركة، وبالقانون اليقيني هو الضمانة المؤكدة لسيادة الشرعية، ودوام هذا الائتلاف.
وكان بديهيا أن أي خلل أو تقاعس بتفهم هذه الأركان وفاعليتها سيؤدي حتما إلى نتائج مدمرة، قد يفرط عقد المعادلة كلها، وقد تقوض الشرعية من أركانها، خاصة وأن هذه الائتلاف قد قام بفترة زمنية محدودة لا تتجاوز العشر سنوات، وهي مدة رئاسته (صلى الله عليه وآله وسلم) لدولة الإسلام، ومن جهة ثانية فإن الذين انضووا تحت راية هذه الدولة تفاوتوا تفاوتا كبيرا بفهمهم للشرعية، وقناعاتهم بأركانها، وتنوعت أسباب دخولهم في هذه الائتلاف، فبعضهم - كأبي سفيان وولده معاوية وشيعتهما من بني أمية ومن والاهم - حاربوا هذه الشرعية بكل وسائل الحرب وطوال مدة 21 عاما، ثم أحيط بهم وهزموا هزيمة ساحقة، ولم يبق أمامهم إلا أحد طريقين:
1 - إما أن يستمروا بمقاومة الشرعية الإسلامية وحربها، وهذا انتحار بكل الموازين العقلية.