الصفحة 162
2 - وإما أن يدخلوا في ائتلاف شرعية الإسلام، فينجون، وقد يحدث لهم هذا الدخول ذكرا، خاصة وأن النبي المبارك لا يفرض نفسه على بواطنهم، إنما يكل هذه البواطن إلى الله.

2 - نذر العاصفة

النبي مدرك أنه هو النظام المتين (الخيط) الذي يربط حبات سبحة هذا الائتلاف، وأنه إذا ترك الساحة ستميد الأرض من تحت أقدام المؤمنين حقا، وسيهتز الائتلاف كله هزة قد تلقي به خارج دائرة الشرعية.

صحيح أن قانون الدولة بقرآنه، وبيان النبي لهذا القرآن، لكن ما قيمة البيان إذا لم يتم الالتزام به؟ وكيف يتسنى هذا الالتزام بغير قيادة وولاية شرعية تقوم بغيابه بدور النظام الذي يربط حبات هذا الائتلاف؟

ومن هنا فقد تركز اهتمامه (صلى الله عليه وآله وسلم) في آخر أيامه المباركة - خاصة في حجة الوداع - على تلخيص الشرعية بنقطتين لا ثالث لهما كطريق فرد لمواجهة مرحلة ما بعد وفاة النبي، ولمواجهة العاصفة، فأكد أن طريق الهداية لا يمكن أن تدرك إلا بالتمسك بالثقلين وهما:

1 - القرآن الكريم كقانون نافذ.

2 - العترة المباركة أو أهل بيته، كقيادة تعلم بيقين بيان النبي لهذا القرآن.

هذا ملخص الدين كله، وهذا هو المصل المبارك الذي إذا تطعمت به تبقى في دائرة الهداية، وتبتعد عن ولوج أبواب الضلالة، فتمر العاصفة من جانبها بسلام فتنجو الأمة، وتنجو الشرعية، وينجح الائتلاف.

ولقد ركز على هذين الركنين في مناسبات متعددة، فكلم الأنصار بذلك، وكلم المهاجرين، وكلم الأعراب، وتحدث للخاصة والعامة، وأعلن ذلك في حجة الوداع وفي غدير خم أمام تجمع يزيد عن ماءة ألف مسلم، وتوج الولي من بعده أمام هذا

الصفحة 163
التجمع، وقد فصلت هذا الموضوع تفصيلا كاملا في كتابي نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام - باب القيادة السياسية، فليرجع إليه من شاء، يجد التوثيق.

وقد عرفت الأمة حديث الثقلين هذا وتناقلته نصا ومعنى، تناقلا متواترا لا يشك به عاقل.

3 - إثبات حديث الثقلين كطريق فرد لتجنب العاصفة

توفيرا لجهدي ووقتي، وخدمة لطالبي الحقيقة وتحقيقا للسياق المنهجي أثبت بأدناه عشر صيغ لحديث الثقلين أوردتها في مقال نشرته جريدة اللواء الأردنية بعددها رقم 1043 الصادرة بتاريخ 28 - 4 - 1993 ميلادية في معرض حوار المؤلف مع وزير الأوقاف الأردني السابق الشيخ عبد العزيز الخياط.

حديث مع الشيخ عبد العزيز الخياط حول حديث الثقلين .... (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله، فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما).

فكيف نصدق يا صاحب السماحة أن الله آتى آل إبراهيم الكتاب والحكمة والملك العظيم، ونتعجب - لا أراك الله عجبا - من أن يؤتى آل محمد مثلما أوتي آل إبراهيم مع أن آل محمد قطعا أفضل من آل إبراهيم، ومع أن محمدا بالنص الشرعي أفضل من إبراهيم، عليهم جميعا الصلاة وأتم التسليم.

إنني أسألك هل حاصرت العرب مجتمعة آل إبراهيم في شعاب أبي طالب ثلاث سنين، واضطرتهم أن يأكلوا أوراق الشجر من الجوع؟ هل نكل بآل إبراهيم وعلقوا على أعواد المشانق، أو قتلوا بالسم طوال التاريخ كما نكل بآل محمد، وكما علقوا وقتلوا؟ وهل فرض الحكام مسبة آل إبراهيم، وحاصروهم وجوعوهم وعروهم وروعوهم، كما فعلوا بآل محمد؟


الصفحة 164
عفوا يا صاحب السماحة لقد روى حديث الثقلين 35 صحابيا وصحابية، ويمكنك أن تتلطف بملاحظة الرواة ورواياتهم في عبقات الأنوار حديث الثقلين مجلد 1 ومجلد 2، وهؤلاء الرواة هم:

1 - أمير المؤمنين علي بن أبي طالب

3 - سلمان الفارسي

4 - أبو ذر الغفاري

5 - ابن عباس

6 - أبو سعيد الخدري

7 - جابر بن عبد الله الأنصاري

8 - أبو الهيثم بن التيهان

9 - أبو رافع

10 - حذيفة بن اليمان

11 - خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين

12 - زيد بن ثابت

13 - زيد بن أرقم

14 - أبو هريرة

15 - عبد الله بن حنطب

16 - جبير بن مطعم

17 - البراء بن عازب

18 - أنس بن مالك

19 - طلحة بن عبد الله التيمي

20 - عبد الرحمن بن عوف

21 - سعد بن أبي وقاص

22 - عمرو بن العاص

23 - سهيل بن سعد الأنصاري

24 - عدي بن حاتم

25 - أبو أيوب الأنصاري

26 - أبو شريح الخزاعي

27 - عقبة بن عامر

28 - أبو قدامة الأنصاري

29 - أبو ليلى الأنصاري

30 - ضمرة الأسلمي

31 - عامر بن ليلى بن ضمرة

32 - أم سلمة زوج الرسول

33 - أم هاني أخت أمير المؤمنين علي (عليه السلام)

34 - فاطمة الزهراء التي شهد النبي بأنها سيدة نساء العالمين.


الصفحة 165

صيغ ومراجع حديث الثقلين

الصيغة الأولى ومراجعها

قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) (يا أيها الناس إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله، وعترتي أهل بيتي). راجع هذا الحديث في صحيح الترمذي مجلد 5 صفحة 328 مجلد 4 صفحة 387 مطبعة دار الفكر، وراجع درر السمطين للزرندي الحنفي صفحة 232 مطبعة القضاء في النجف، وينابيع المودة للقندوزي الحنفي 33 و 45 و 445 المطبعة الحيدرية، وكنز العمال صفحة 135 مجلد 2 وتفسير ابن كثير مجلد 4 صفحة 113 مطبعة دار إحياء الكتب، ومصابيح السنة للبغوي صفحة 206 مطبعة القاهرة، وجامع الأصول لابن الأثير مجلد 1 صفحة 187 مجلد 65 مطبعة مصر، والمعجم الكبير للطبراني صفحة 137 ومشكاة المصابيح مجلد 3 صفحة 258 طبعة دمشق، وإحياء الميت للسيوطي بهامش الإتحاف صفحة 114 مطبعة الحلبي، والفتح الكبير للنبهاني مجلد 1 صفحة 503 ومجلد 3 صفحة 385 مطبعة دار الكتب مصر، والشرق المؤيد للنبهاني صفحة 18 طبعة مصر، وعبقات الأنوار، قسم حديث الثقلين مجلد 1 صفحة 94 و 112 و 114 و 151 و 182 و 217 و 237، ورفع الشبهات للإدريسي صفحة 11 وصفحة 15 طبعة مصر... إلخ.

وإن طلبت المزيد يا صاحب السماحة زدناك.

الصيغة الثانية ومراجعها

قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما). راجع صحيح الترمذي مجلد 5 صفحة 329 حديث 3876 طبعة دار الفكر، وراجع درر السمطين للزرندي الحنفي صفحة 231، وراجع الدر المنثور للسيوطي مجلد 6 صفحة 7 و 306، وذخائر العقبى للطبري صفحة 16، والصواعق المحرقة صفحة 147 و 226 المطبعة المحمدية، وراجع ينابيع المودة للقندوزي الحنفي صفحة 33 و 40 و 226 و 355 المطبعة الحيدرية،

الصفحة 166
وراجع المعجم الصغير للطبراني مجلد 1 صفحة 135، وراجع أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير مجلد 2 صفحة 12، وراجع تفسير ابن الأثير مجلد 4 صفحة 113، وعبقات الأنوار من حديث الثقلين صفحة 25 ومجلد 1 صفحة 36 و 93 و 113 و 135 و 173 و 193 و 215 و 237 و 241 و 253 و 271 طبعة قم، وراجع كنز العمال مجلد 1 صفحة 154، وراجع الفتح الكبير للنبهاني مجلد 1 صفحة 451، وراجع تفسير الخازن مجلد 1 صفحة 4، ومصابيح السنة للبغوي صفحة 206، والجمع بين الصحاح للعبدري، وجامع الأصول لابن الأثير مجلد 1 صفحة 187، وعلم الكتاب للسيد خواجة الحنفي صفحة 264، وراجع منتخب تاريخ ابن عساكر مجلد 5 صفحة 436، ومشكاة المصابيح للعمري مجلد 3 صفحة 258، وتيسير الوصول لابن الربيع مجلد 1 صفحة 16، والتاج الجامع للأصول مجلد 3 صفحة 208، وأرجح المطالب للشيخ عبد الله الحنفي صفحة 336... إلخ. وإن طلبت المزيد زدناك يا سيدي.

الصيغة الثالثة ومراجعها

قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) (إني تارك فيكم خليفتين، كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض، أو ما بين السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض). راجع الدر المنثور للسيوطي مجلد 2 صفحة 60، وإحياء الميت للسيوطي بهامش الإتحاف بحب الأشراف صفحة 116، وينابيع المودة للقندوزي الحنفي صفحة 38 و 183، ومجمع الزوائد للهيثمي مجلد 9 صفحة 162، وعبقات الأنوار مجلد 1 من حديث الثقلين صفحة 16، وكنز العمال للمتقي الهندي مجلد 1 صفحة 154 حديث 873 و 948 والجامع الصغير للسيوطي مجلد 1 صفحة 353، والفتح الكبير مجلد 1 صفحة 451... إلخ. وطالبنا بالمزيد إن شئت.

الصيغة الرابعة ومراجعها

قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض). راجع مناقب علي لابن المغازلي الشافعي صفحة 234 حديث 281


الصفحة 167
وراجع المناقب للخوارزمي الحنفي صفحة 223، وفرائد السمطين للحمويني الشافعي مجلد 2 صفحة 143 باب 33، وفيه بعد عترتي أهل بيتي: ألا وهما الخليفتان من بعدي)، وراجع عبقات الأنوار قسم حديث الثقلين مجلد 1 صفحة 131... إلخ.

الصيغة الخامسة ومراجعها

قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) (إني أوشك أن أدعى فأجيب، وإني تارك فيكم الثقلين كتاب الله عز وجل، وعترتي، كتاب الله حبل ممدود... إلخ.). راجع كنز العمال مجلد 1 صفحة 165 حديث 945، ومناقب علي لابن المغازلي الشافعي صفحة 235 حديث 283، والصواعق المحرقة صفحة 148 وفيها: لم يفترقا، والصحيح لن يفترقا كما في الطبعة الأولى صفحة 89، وراجع إسعاف الراغبين للصبان الشافعي بهامش نور الأبصار صفحة 108، وراجع ينابيع المودة للقندوزي الحنفي صفحة 35 و 40 و 226 و 355، وراجع السيرة النبوية لزين دحلان بهامش السيرة الحلبية مجلد 3 صفحة 231، والمعجم الصغير للطبراني مجلد 1 صفحة 131، ومقتل الحسين للخوارزمي مجلد 1 صفحة 104، ومجمع الزوائد مجلد 9 صفحة 163، وإحياء الميت بهامش الإتحاف صفحة 111، والطبقات الكبرى لابن سعد مجلد 2 صفحة 194، وجامع الأصول لابن الأثير مجلد 1 صفحة 187، والأنوار المحمدية للنبهاني صفحة 435... إلخ. وطالبنا بالمزيد إن شئت.

الصيغة السادسة ومراجعها

قوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، من خطبة له في غدير خم (كأنني دعيت، فأجبت، إني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله، وعترتي)... راجع خصائص أمير المؤمنين للنسائي الشافعي صفحة 21، والمناقب للخوارزمي الحنفي صفحة 93، والصواعق المحرقة صفحة 136 ذكر صدر الحديث، وصححه، وينابيع المودة للقندوزي الحنفي صفحة 32، وكنز العمال مجلد 1 صفحة 167.


الصفحة 168

الصيغة السابعة ومراجعها

قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأصحابه (ألست أولى بكم من أنفسكم؟) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فإني سائلكم عن اثنين القرآن وعترتي). راجع مجمع الزوائد مجلد 5 صفحة 195 وأسد الغابة لابن الأثير مجلد 3 صفحة 147، وإحياء الميت صفحة 115... إلخ.

الصيغة الثامنة ومراجعها

قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) (يا أيها الناس يوشك أن أقبض قبضا سريعا، فينطلق بي، وقد قدمت إليكم القول معذرة إليكم. ألا إني مخلف فيكم كتاب الله ربي عز وجل، وعترتي أهل بيتي - ثم أخذ بيد علي، فرفعها - فقال: هذا علي مع القرآن، والقرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا علي الحوض)... إلخ. راجع الصواعق المحرقة لابن حجر الشافعي صفحة 124 المطبعة المحمدية بمصر وصفحة 75 المطبعة الميمنية، وراجع ينابيع المودة للقندوزي الحنفي صفحة 285، وعبقات الأنوار حديث الثقلين مجلد 1 صفحة 277

قال بن حجر الشافعي: إعلم أن لحديث الثقلين طرقا كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابيا - صفحة 148

الصيغة التاسعة ومراجعها

عن زيد بن أرقم قال: قام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الله فينا خطيبا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه ووعظ، وذكر، ثم قال (أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم الثقلين أو لهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به - فحث على كتاب الله ورغب فيه - ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي). راجع صحيح مسلم كتاب الفضائل، فضائل علي مجلد 2 صفحة 362 ومجلد 15 صفحة 179 - 180، صحيح مسلم بشرح النووي.

يوجد لدينا 23 مرجعا لهذا الحديث لم نذكرها، وسنذكرها عند الطلب.


الصفحة 169

الصيغة العاشرة ومراجعها

عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (ألا وإني تارك فيكم الثقلين كتاب الله عز وجل إلى أن قال الراوي عن زيد، فقلنا: من أهل بيته نساؤه؟ قال: لا وأيم الله إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها)... إلخ.

راجع صحيح مسلم كتاب الفضائل مجلد 2 صفحة 362، ومجلد 15 صفحة 181 من صحيح مسلم بشرح النووي، والصواعق المحرقة لابن حجر صفحة 148، وفرائد السمطين مجلد 2 صفحة 250 حديث 520، وعبقات الأنوار حديث الثقلين مجلد 1 صفحة 26 و 104 و 242 و 261 و 267.

4 - آخر محاولات النبي لتجنيب الأمة العاصفة: على فراش الموت

موته (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن مفاجأة، فقد تضمنت المنظومة الحقوقية الإلهية - بقرآنها وبيان النبي لهذا - عشرات التلميحات والتصريحات بأن النبي ميت لا محاله، وأنه قد خير فاختار، كما تجمع الأمة على ذلك، وصرح مرارا أمام الجموع بأنه يوشك أن يدعى فيجيب داعي الله، وكلما اقترب أجله (صلى الله عليه وآله وسلم) كلما ازداد إشفاقا على هذه الأمة وحرصا على تجنيبها العاصفة التي ستغشاها بعد موته، ومرض مرضه الذي مات منه، وتيقن بالوحي أنه ميت لا محالة، فازدادت رغبته بتلخيص الموقف لأمته حبا لها، وإشفاقا عليها، ومن هنا فقد أراد أن يوصي وصيته الأخيرة، ويودع هذه الوصية جوامع الحكمة ومواقع الهداية، ويحذر من منابت الضلالة.

5 - هل يجوز للنبي أن يوصي؟

الوصية حق لكل مسلم، ولكل مسلم الحق بأن يقول ما يشاء أثناء صحته وأثناء مرضه، ولا يملك أحد في الدنيا أن يسلبه هذين الحقين، أو أن يمنعه من ممارستهما، فلم يصدف في تاريخ المسلمين على الإطلاق أن أهل أو أصدقاء أو أعوان أي مريض حالوا بينه وبين أن يكتب وصيته، أو أن يقول ما يشاء أثناء مرضه، هذا على مستوى الفرد

الصفحة 170
العادي، فكيف عندما يكون المريض نبيا ورئيس دولة؟!!!

فمحمد نبي من أول يوم أعلنت فيه نبوته وحتى جاد بآخر نفس طاهر، ودخل قائمة الخالدين كنبي، وهو رئيس دولة الإسلام، وولي أمر المسلمين، من تاريخ إعلان دولته المباركة حتى فارق هذه الدنيا الفانية بموته، بمعنى أنه لم يرفع اسمه من قائمة الأنبياء، ولم يعزل من رئاسة الدولة، ولم يقل أحد أنه ليس مسلما! فما الذي يمنعه من أن يوصي، أو أن يقول ما يريد؟!!!

ثم ما هي مصلحة المسلمين بالحيلولة بين هذا المسلم، وهذا النبي، وهذا الإمام، وبين كتابة وصيته، أو أن يقول ما يشاء! سوى شئ واحد هو أن هذه الحيلولة بينه وبين كتابة ما أراد ليست إلا نذر العاصفة، ونذر الشؤم على هذه الأمة، وانفراط عقد الائتلاف؟

لو أن مريضا عاديا أراد أن يتكلم قبل موته، فجاء أحد أولاده أو أصدقائه فشوش عليه، وحال بينه وبين ما أراد قوله لأثار استنكار جميع الحاضرين، وجر على نفسه مقتهم، ولما رضي بفعلته أحد، هذا لو كان المريض شخصا عاديا، فكيف عندما يكون المريض نبيا وإمام دولة؟!!

الإنسان - أي إنسان - بطبعه لا يميل إلى تصديق ذلك، ولا يعتقد نفسيا بإمكانية حدوث ذلك، ولكن ذلك حدث وللأسف، والذين حالوا بين النبي وبين كتابة ما أراد هم الذين سادوا، ففارقوا النبي واختلفوا معه، وأخذوا بالقرآن وحده، فاهتزت الشرعية من أركانها!!!

6 - التناقض وتهدم أساس الشرعية

بهذا هدموا الشرعية من أساسها، بغض النظر عن حسن النية أو سوئها، لأن القاتل قد يقتل خطأ وقد يقتل عمدا، وانتفاء العمد لا ينفي وقوع حادثة إزهاق الروح.

الذين حالوا بين النبي وبين كتابة ما أراد بحجة أنه - حاشا له - هجر، أو بحجة أنه اشتد به الوجع بأقل الأقوال وأخفها وطأ على النفس، كيف يحكمون على قول النبي وهم لم يسمعوه؟


الصفحة 171
وما هو وجه الهجر في كلام ما زال في صدر صاحبه؟!!

وإذا كانت كلمات النبي وهو مريض هجرا، فلماذا أصبحت كلمات أبي بكر في مرضه شرعا وقاعدة دستورية، فهو الذي سن ولاية العهد، وهو الذي عهد لعمر بالخلافة بكلمات صدرت منه أثناء مرضه؟

ولماذا أصبحت كلمات عمر شرعا، حيث أوصى للستة وهو مريض مرض الموت!

ومن فعل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وجدت واستقرت مؤسسة ولاية العهد، وأصبحت هي السنة المتبعة طوال التاريخ السياسي الإسلامي؟!!!

ثم كيف نوحد بين القول بأن النبي هجر يهجر - حاشا له - وبين التمسك بالقرآن الكريم؟ لقد مرض النبي مرات عديدة، فكيف نميز بين ما قاله بهجره وصحوه - حاشا له -؟!

ثم إذا كان دور النبي ثانويا إلى هذا الحد، فلماذا لم توزع العناية الإلهية نسخا من هذا القرآن على المكلفين؟ وما الداعي لابتعاث النبي أو كل الأنبياء، إذا فنسخ الكتب السماوية تغني إن صدقت المقولة (حسبنا كتاب الله)؟

ثم من الذي يفهم المقصود من كتاب الله غير النبي؟ وما هي أبرز مهمات النبي غير بيان ما أنزل للناس من ربهم؟

ثم ماذا يعني الإيمان بالقرآن وحده، وعدم الإصغاء لما يقوله النبي الذي نزل هذا القرآن على قلبه وبلغه إلى الناس؟!!

يمكنك القول إن الشرعية قد تهدمت فعلا في حجرة النبي، ولم تجد محاولات الترميم طوال التاريخ، ونتيجة محاولات الترميم نشأت الشرعية الرسمية، وهي التي حاولت تطويع الدين لخدمة الواقع وإضفاء الشرعية الحقيقية عليه، وقد حكمت وفرضت فهمها على العامة، وتصور العامة أن هذه الشرعية الرسمية هي عينها الشرعية الحقيقية الإلهية، وتحول هذا التصور إلى قناعة راسخة في الأذهان.

وقد فصلت هذه الرزية في كتابي نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام صفحة 180 وما فوق.


الصفحة 172

7 - الحزب الأول

القسم الذي قال: هجر رسول الله، أو الرسول يهجر - حاشا له - أو أن النبي قد غلبه الوجع، أو أن النبي قد اشتد به الوجع حسبنا كتاب الله، وتحت هذا الشعار العجيب تمكن من الحيلولة بين النبي وبين كتابة ما أراد كتابته، هذا القسم كان نواة حزب، أو جزءا من حزب قائم ولكنه مستتر، وبموت النبي أعلن عمليا عن وجود هذا الحزب، والمؤسس الأعظم لهذا الحزب هو عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، وكبار أعضاء الحزب هم كبار المهاجرين وسادات قريش الذين أسلموا بعد الفتح وقبله، ومن والاهم من الأنصار رغبة أو رهبة، وقد علا شأن هذا الحزب، وعظم أمره حتى تفرد أعضاؤه برئاسة الدولة الإسلامية طوال التاريخ السياسي الإسلامي، وحتى تمكن هذا الحزب من فرض قناعاته رسميا على العامة والخاصة من المسلمين، وقد أخذ هذا الحزب أسماء مختلفة إلى أن سمي أعضاؤه نهائيا بأهل السنة مع أن مقولتهم الأولى للنبي كانت: (حسبنا كتاب الله)! ويبدو واضحا أن قناعات هذا الحزب كانت تتكون والنبي على قيد الحياة، وأن هذه القناعات كانت تربط أعضاء الحزب، وتوحد بينهم والنبي على قيد الحياة. ولكن بدون إعلام ولا إعلان لغايته الأساسية.

8 - مفارقة النبي، وإعلان التمسك بالقرآن وحده بنفس الوقت

والنبي الكريم على فراش الموت حدث الاختلاف الأعظم بين كبار المهاجرين، وتفصيل ذلك: أن النبي الكريم أراد أن يلخص الموقف لأمته أمام كبار عواده، وأن يؤمن الأمة تأمينا شاملا ضد الضلالة التي تتربص وتنتظر موت النبي حتى تفتح أشداقها، فقال لمن حضر (قربوا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا) فاختلف الحاضرون، وتنازعوا، ولا ينبغي عند نبي تنازع، وأكثروا اللغظ، وانقسموا إلى قسمين:

1 - قسم يقول قربوا يكتب لكم رسول الله كتابا لن تضلوا بعده أبدا، حتى أن النسوة أطلت من وراء الستر، وقالت: قربوا يكتب لكم رسول الله.


الصفحة 173
2 - وقسم آخر يقول: استفهموه إنه يهجر، هجر رسول الله - حاشا له - وبأخف الألفاظ وأهونها قالوا: إن المرض قد اشتد برسول الله، حسبنا كتاب الله، إن النبي قد غلب عليه الوجع، حسبنا كتاب الله!!!

فصدموا خاطره الشريف بهذه الكلمات النابية، هجر، يهجر، وقال لهم (قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع، ذروني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه، ذروني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه)!!

وانتصر الفريق الثاني، ولم يكتب النبي كتابه.

لقد فصلنا هذه الرزية في كتابنا نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام صفحة 287 وما فوق، ووثقناها بالمراجع التي تجعل إنكار هذه الحادثة أو الاعتذار عنها ضربا من الهوس الغافل. راجع على سبيل المثال: صحيح البخاري مجلد 7 صفحة 9 باب قول المريض قوموا عني ومجلد 4 صفحة 31 ومجلد 1 صفحة 37 ومجلد 5 صفحة 137 ومجلد 2 صفحة 132 ومجلد 4 صفحة 65 - 66 ومجلد 8 صفحة 161، وراجع صحيح مسلم في آخر كتاب الوصية مجلد 5 صفحة 75 ومجلد 2 صفحة 16، وصحيح مسلم بشرح النووي مجلد 11 صفحة 95. ومجلد 11 صفحة 94 - 95، ومسند الإمام أحمد مجلد 1 صفحة 2 ومجلد 3 صفحة 286 ومجلد 4 صفحة 256 حديث 2992، وتاريخ الطبري مجلد 2 صفحة 193 ومجلد 2 صفحة 192 - 193، والكامل في التاريخ لابن الأثير مجلد 2 صفحة 320، وتذكرة الخواص للسبط ابن الجوزي الحنفي وسر العاملين وكشف ما في الدارين لأبي حامد الغزالي صفحة 21، وشرح النهج لابن أبي الحديد مجلد 6 صفحة 51 ومجلد 3 صفحة 114 مطر 27 الطبعة الأولى مصر بيروت بتحقيق محمد أبو الفضل ومجلد 3 صفحة 803 ومجلد 2 صفحة 167.... إلخ.

9 - الإعلان عن نشوء الأحزاب ووجودها والنبي الأعظم يرقد على فراش مرض الموت، مودعا الدنيا، ومتأهبا للقاء الله تعالى أراد أن يلخص الموقف لعواده الذين اجتمعوا في حجرته المباركة، وما أن أفصح

الصفحة 174
عن رغبته، وقال لمن حضر: قربوا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا، وقبل أن يبين مضمون هذا الكتاب، وقفت الأكثرية الساحقة الموجودة في الحجرة المباركة وقفة رجل واحد خلف عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، وقالت: حسبنا كتاب الله هجر النبي، يهجر النبي - حاشا له - فصدمت هذه الأكثرية خاطره الشريف بتلك الكلمات النابية، وذهل الذين لم يروا رأي الأكثرية.

10 - الحزب القائد

لقد علا شأن هذا الحزب، وعظم أمره، حتى تفرد أعضاؤه برئاسة الدولة الإسلامية طوال التاريخ السياسي الإسلامي، فما جلس على سدة رئاسة الدولة الإسلامية خليفة إلا وهو يدين بالولاء لمؤسس الحزب وصاحبه رضي الله عنهما، وقد فرض هذا الحزب قناعاته رسميا على العامة والخاصة، بحكم التكرار، وبضغط وسائل السلطة.

ومع الأيام تكونت لقيادة الحزب ومن والاها، حالة من التقدير والانبهار فاقت كثيرا مرتبة النبوة والولاية، فإذا وجد نص شرعي واضح ولا يحتمل التأويل كتشريع الخمس، ووجد عمل لقادة الحزب يتعارض معه، أهمل النص نفسه، واتبعت سنة قادة الحزب على اعتبار أن عملها أولى بالاقتداء والإعمال من النص، لأنها هي أفهم الخلق بضرورات إهمال النص أو إعماله، وهي أدرى من غيرها بمصلحة الإسلام، وبمصلحة المسلمين، وتلك مكانة لم تعط حتى للأنبياء!!

ولقد تمكن هذا الحزب من إيجاد ترتيبات وضعية حلت بالتدريج سياسيا محل الترتيبات الإلهية، ولكثرة الممارسة، والترداد، وبحكم القدم والتقليد، صار العامة يعتقدون أن الترتيبات الوضعية هي عينها الترتيبات الإلهية، ولم يكن ميسورا على أي شخص أن يجتهد برأي يعارض ذلك، فتعطل العقل البشري، وتعطلت الشرعية معا، وبضربة فنية واحدة!


الصفحة 175

11 - تسمية هذا الحزب

لقد أخذ هذا الحزب أسماء مختلفة، إلى أن سمي نهائيا بحزب أهل السنة في العهد الأموي، وبالذات في زمن معاوية، حيث سمي العام الذي انتصرت فيه القوة على الشرعية بعام الجماعة، فمن والى معاوية القوي المنتصر فهو من أهل السنة، ومن أهل الجماعة، ومن عارض معاوية القوي المنتصر فهو خارج على السنة، وخارج على جماعة المسلمين، وهو أهل لحمل كل نقيصة، فهو مارق وخارج، وشاق لعصا الطاعة، ورافضي، ومفرق لجماعة المسلمين، وهو قمين بكل عقوبة بما فيها القتل والصلب والدفن حيا، وهدم الدار، والإسقاط من ديوان العطاء... إلخ.

12 - قناعات هذا الحزب

باستقراء التاريخ السياسي الإسلامي يبدو واضحا، أن قناعات هذا الحزب تكونت والنبي على قيد الحياة، وأنها وليدة مشاعر بشرية متناقضة، وأن هذه القناعات كانت تربط أعضاء الحزب، وتوحد بينهم والنبي على قيد الحياة، ولكن بدون إعلام، ولا إعلان، والغاية الأساسية لتكون هذا الحزب وتكتله كانت:

1 - الإستئثار بالقيادة من بعد النبي بحيث تكون خالصة لبطون قريش كلها باستثناء البطن الهاشمي الذي اختص بالنبوة، والنبوة تكفيه. وبعد أن قبضت قيادة الحزب على رئاسة الدولة، لم تر حرجا ولا غضاضة بأن تكون الرئاسة للأنصار، أو للموالي أو لأي شخص يلتزم بالمبدأ الأساسي للحزب.

2 - الحيلولة بين أهل البيت وبين رئاسة الدولة، فأهل البيت لهم المحبة، والاحترام، والعطاء الذي يقدره الحاكم، ولكن لا يجوز لهم أن يقودوا الأمة سياسيا.

13 - أما لماذا؟

فالأمر مختلف، فقائد الحزب عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) قد آمن بأنه الإجحاف بعينه أن يجمع الهاشميون النبوة والخلافة معا، ويذهبوا بالشرف كله، ويحرموا بطون قريش من

الصفحة 176
هذا الشرف، فحرصا على العدالة ومنعا للإجحاف نذر حياته لتحقيق هذا الهدف، ومنع الهاشميين من أن يجمعوا الخلافة مع النبوة، وقد شاركته بهذا التصور كافة بطون قريش باستثناء بني عبد المطلب، وبني هاشم، ومن عصم الله من تلك البطون.

وبعض أعضاء الحزب كالأمويين يحقدون بطبعهم وبواقعهم على أهل بيت محمد على الأقل، فمحمد وأهل بيته هم الذين (سلبوا) القيادة من بني أمية بعد أن كانت حقا لهم من دون الناس في الجاهلية، وعميد أهل البيت علي بن أبي طالب، وأقاربه هم الذين قتلوا على الإسلام سادات بني أمية، بل وسادات قريش بما فيهم خال عمر بن الخطاب.

ومن جهة ثالثة فقد اعتقد قائد الحزب ومن والاه أن إعلان النبي لولاية علي أمام ماءة ألف مسلم، وتركيز النبي على هذه الولاية، وعلى ضرورة التمسك بأهل البيت كقيادة، وكجهة مختصة ببيان القرآن - اعتقد أن فعل النبي هذا من قبيل العواطف الشخصية التي جاء بها من تلقاء نفسه، وليست من الله تعالى، فاندفع ليصحح ما يعتقد أنه غير صحيح.

14 - الحزب الثاني حزب أهل الشيعة حزب المعارضة

القسم الذي أيد النبي في الحجرة المباركة، وقالوا: قربوا يكتب لكم رسول الله كتابا لن تضلوا بعده أبدا، ثم غلبوا على أمرهم بسبب تماسك الحزب الأول، ومعرفته لما يريد، وإصراره العنيد والمسبق على تحقيق ما يريد.

هذا القسم أيضا تحول إلى حزب عبر عن وجوده بصور وأشكال مختلفة، حتى في زمن النبي نفسه، وحمل أسماء متعددة، ثم سماهم النبي بالشيعة.

لقد أسس النبي نفسه هذا (الحزب) بصورة علنية ومكشوفة، وكان هو بنفسه أول داعية لهذا (الحزب) بأمر من ربه، وهو الرئيس الأعظم لهذا الحزب، فكان يوطد لرئاسة الإمام علي ولولايته من بعده، وبموته (صلى الله عليه وآله وسلم) آلت رئاسة الحزب للولي من بعده علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ومن بعد علي آلت للحسن، ومن بعد الحسن للحسين... إلخ.


الصفحة 177

تسمية هذا الحزب

وجد هذا الحزب أصلا علنا لغاية محددة وهي استمرار مؤسسية القيادة الشرعية، وحراسة الشرعية، والبقاء دائما في ظل الشرعية، وتتبيع كل شئ لهذه الشرعية بحيث:

1 - تتكون أمة إسلامية متحدة بقيادة ومرجعية الإمام المفترض الطاعة، عميد أهل بيت النبوة في كل زمان.

2 - أن تتحاكم هذه الأمة إلى قانون نافذ يتكون من: القرآن الكريم، ومن بيان النبي لهذا القرآن. وبما أن البيان في كل زمان عملية فنية من كل الوجوه، والبحث عن المقصود الإلهي من النص الشرعي اختصاص، ومن المحال عقلا أن يتركه الله للاجتهادات، فلذلك ارتبطت عملية بيان النبي للنص القرآني بالقيادة والمرجعية التي اختارها تعالى، وهي قيادة أهل بيت محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

3 - مساعدة الأمة المسلمة على إدراك الغايات الشرعية، والمقاصد الإلهية، وقيادتها على هذا الأساس، بحيث تبقى الأمة دائما داخل إطار الشرعية والمشروعية.

4 - مساعدة الجنس البشري بتقديم الخطة المثلى لدولة عالمية تحكم الكرة الأرضية، في ظلال الخطة الإلهية التي تنظر إلى الجنس البشري كله على أساس أنهم عائلة واحدة، وتهدف إلى نشر العدل والمساواة، وتحقيق الحرية، والانتقال من فرضيات الظن والتخمين في المعرفة إلى واقع الجزم واليقين.

نعم لقد تكون (حزب الشيعة) في عهد النبي، فعندما نزل قوله تعالى (إن الذين آمنوا، وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية) قال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي (يا علي هم أنت وشيعتك). راجع شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني مجلد 2 صفحة 356 - 366، وكفاية الطالب للكنجي الشافعي صفحة 244 - 246، والفصول المهمة لابن الصباغ المالكي صفحة 107، ونظم درر السمطين للزرندي الحنفي صفحة 92، وتاريخ دمشق لابن عساكر 225 ترجمة الإمام علي مجلد 2 صفحة 442، وينابيع المودة للقندوزي الحنفي صفحة 62، والصواعق المحرقة لابن حجر الشافعي صفحة 96، والدر المنثور

الصفحة 178
للسيوطي مجلد 6 صفحة 279، وتفسير الطبري مجلد 20 صفحة 146، وتذكرة الخواص للسبط ابن الجوزي الحنفي صفحة 18، وفتح القدير للشوكاني مجلد 5 صفحة 477، وروح المعاني للآلوسي مجلد 30 صفحة 207، وفضائل الخمسة مجلد 1 صفحة 278، وغاية المرام باب 28 من المقصد الثاني صفحة 328... إلخ.

ثم إعلانه لولايته أمام أكثر من ماءة ألف، ولا أحد ينكر هذا الإعلان بما فيهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فقد أقرا أنه وليهما، وولي كل مؤمن ومؤمنة، ولكن نحن أهل السنة نؤول هذه الولاية تأويلا يخرجها تماما من معناها السياسي، فلو قلنا بغير ذلك لتداعى كل شئ وسقط! ولكن هنالك من النصوص القاطعة ما تلوي عنق كل مكابر، وقد سقنا الكثير منها في كتابنا نظرية عدالة الصحابة، والمرجعية السياسية في الإسلام باب القيادة السياسية.

16 - حزب الشيعة يحمل لواء المعارضة طوال التاريخ

لقد آمنت الشيعة أن الشرعية لن تتحقق إلا بتوافر أمرين:

1 - قيادة سياسية ومرجعية محصورة بأهل بيت محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

2 - قانون نافذ يتكون من القرآن الكريم، ومن بيان النبي لهذا القرآن، وهذا البيان لا يفهمه ولا يعرفه على وجه الجزم واليقين إلا المختصون من أهل بيت محمد.

وحيث أن هذا لم يتحقق طوال التاريخ، لذلك عارضت الشيعة الواقع التاريخي، وكثمن لهذه المعارضة طورد أعضاء هذا الحزب ونكل بقياداته وأعضائه، وعلقوا على أعواد المشانق، وقتلوا على الشبهة، ورفعت أسماؤهم من دواوين العطاء، وهدمت بيوتهم، بسبب إيمانهم بهذين الأمرين، بالوقت الذي كانت تمارس فيه السماحة حتى مع الكفار. ومع هذا لم يستسلم هذا الحزب، لاعتقاده أنه يمثل صوت الحق، وروح الشرعية ونصوصها، ومضت الشيعة قدما وهم يتكاثرون يوما بعد يوم، ويتفهم وجهة نظرهم كل أولئك الذين يستعملون عقولهم، ويزداد المتعاطفون مع الشيعة يوما بعد يوم.

* *

الصفحة 179

الفصل الثالث
ثمار الترتيبات الوضعية

1 - النبوة والرسالة مشروع إنقاذ وإصلاح

بعث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) - كما بعث غيره من الرسل لغاية محددة وهي إنقاذ مجتمع مشرف على الهلاك، أو نقله من حالة الفساد إلى حالة الصلاح، ولو كان المجتمع معافى أو صالحا، لما كان هنالك حاجة لرسول، ولا لعملية إنقاذ وإصلاح إلهي. بمعنى أن العناية الإلهية تدخلت بعد فشل وسائل الإنقاذ والإصلاح البشري، فكانت النبوة والرسالة بمثابة مشروع إنقاذ إلهي لإنقاذ هذا المجتمع أو ذاك، أو حملة طبية إلهية لمقاومة وباء يهدد التجمع البشري المريض.

جرثومة هذا المرض يمكن أن نسميها بالترتيبات الوضعية، هذه الترتيبات التي فرضت سلطانها على حياة هذا المجتمع أو ذاك حتى أوردته إلى تلك الحالة المرضية العامة، لأنها غير مناسبة له، وغير مؤهلة لترشيد حركة هذا المجتمع وقيادته.

فإذا أمكن القضاء على هذه الترتيبات نكون قد خلصنا المجتمع المريض من مرضه ، وأصلحنا آثار فساد هذا المرض، والمجتمع بطبعه متحرك على الدوام، والحركة لا بد لها من ترتيبات معينة لتبقيها دائما ضمن إطار مصلحة هذا المجتمع، والترتيبات بالضرورة تنبع من مصدرين:

فإما أن تكون ترتيبات وضعية من صنع الهوى البشري، فتقود المجتمع عاجلا أو

الصفحة 180
آجلا إلى الدمار والهلاك. أو أن تكون هذه الترتيبات إلهية من صنع الله تعالى الذي خلق المجتمع، وخلق أفراده، ولوازم بقاءه، فإذا أخذ المجتمع بهذه الترتيبات نجا بحجم التزامه بها، وإن تركها ووضع لنفسه ترتيبات بديلة، فقد سار على طريق الهلاك والمرض، وهو هالك لا محالة بمدة تتناسب بمقدار بعد ترتيباته الوضعية، أو قربها من الترتيبات الإلهية.

2 - الرسول الأعظم يبين ماهية نوعي الترتيبات

عبر دعوة قادها النبي بنفسه، تمخضت عن دولة ترأسها النبي بنفسه، أثبت بالدليل القاطع فساد الترتيبات الوضعية التي كانت تحكم حركة المجتمعات البشرية قبل بعثته المباركة، ووضع بين يدي الجنس البشري خلاصة تلك الترتيبات، وأبرز النتائج المدمرة لتلك الترتيبات طوال التاريخ البشري، ثم سلط الأضواء على الترتيبات الإلهية، من خلال الدعوة، ومن خلال الدولة، وأثبت بالكلمة والحركة وبالتصوير الفني البطئ أن الترتيبات الإلهية وحدها هي المؤهلة، وهي المناسبة لترشيد حركة المجتمع البشري.

وقد جذر هذه الترتيبات ووضحها وفصلها وبينها، ثم أجملها كيلا تضيع، ولخصها بثلاثة أمور يمكن لأي شخص من العامة أن يحفظها، وأن يستوعبها إن كان حقا يريد الشفاء، ويريد السعادة وهي:

1 - أهل بيت النبوة أو أئمة أهل بيت النبوة كقيادة سياسية، ومرجعية للذين آمنوا طوال عمر الحياة الدنيا.

2 - القرآن الكريم وبيان النبي لهذا القرآن، ولا يعلم أسرار هذا القرآن، وبيانه علم الجزم واليقين إلا الإمام المعين من الله تعالى، لأن عملية البيان اليقيني اختصاص كعلم الطب، وهي أكثر خصوصية منه، فكل إنسان يستطيع أن يفهم القرآن بحجم علمه، لكن هذا الفهم ليس هو عين المقصود الإلهي من النص، وليس هو الفهم القائم على الجزم واليقين، لأن الفهم القائم على الجزم واليقين لا

الصفحة 181
يعلمه إلا الله والإمام المعصوم عميد أهل البيت، تماما كالحقيقة القانونية الوضعية لا يعلمها علم اليقين إلا غرفة محكمة التمييز، فقرار محكمة التمييز هو عين الحقيقة القانونية، ولا قرار يعلو على قرارها.

3 - فئة أو مجتمع مؤمن بكل هذه الترتيبات الإلهية، يتعاون مع القيادة السياسية والمرجعية لتطبيق نصوص القانون الإلهي المتكون بالضرورة من القرآن، ومن بيان النبي لهذا القرآن، ومن فهم الإمام لهذا القرآن وهذا البيان.

3 - نجاح المشروع الإلهي

نجح النبي الأعظم نجاحا ساحقا في نقض الترتيبات الوضعية التي كانت ترشد حركة المجتمع قبل بعثته، ونجح في إثبات فسادها، كما نجح في إثبات فاعلية وقدرة الترتيبات الإلهية على مستوى الدعوة والدولة معا، وانتهت مهمته كبشر، وكنبي، وكرسول، فقد أكمل الله الدين، وأتم النعمة، وبين كل شئ على الإطلاق، إجمالا، وتفصيلا ثم إجمالا، فمن الطبيعي جدا، أن يختار ما عند الله، فإن التزم الذين آمنوا بالترتيبات الإلهية فسيقطفون الثمرة: سعادة الدارين، وإن حادوا عن إعمال الترتيبات الإلهية، فليس بإمكان الطبيب أن يجبر مريضه الذي تعافى على يديه أن يتناول العلاج ليتعافى من مرضه! فما على الطبيب إلا أن يشخص المرض، ويصف العلاج.

فقد شخص النبي علة المجتمعات الجاهلية، وأكد أن العلة تكمن في الترتيبات الوضعية، ووصف العلاج وهو إلغاء الترتيبات الوضعية وإحلال الترتيبات الإلهية محلها.

ثم لخص الترتيبات الإلهية بكلمتين: كتاب الله كقانون نافذ، وعترته كقيادة سياسية، ومرجعية معا، فإذا تخلف أحد هذين الركنين انهارت تماما الترتيبات الإلهية، ودخلت الأمة المسلمة في ليل مظلم طويل. وبعد أن أحيطت الأمة علما بذلك، أسلم روحه الطاهرة لله، وترك الدنيا.


الصفحة 182

4 - الإعتراض وإيجاد ترتيبات بديلة تحولت إلى قناعات دينية خاصة

من المعروف أن أهل البيت الكرام هم من بني هاشم، والرسول محمد من بني هاشم أيضا، فمعنى ذلك أن القيادة السياسية والمرجعية ستبقى لمحمد ولآل محمد، وقد أثارت هذه الترتيبات حفيظة البعض واعتبروها إجحافا بحق بقية بطون قريش، واعتقدوا أن من العدل والحكمة أن تعدل هذه الترتيبات الإلهية تعديلا جذريا، فطالما أن النبوة كانت في بني هاشم، فما الداعي لإعطاء الهاشميين القيادة والمرجعية من بعد النبي؟ وما الداعي لحصر النبوة والخلافة والفخر والشرف والرئاسة، في محمد وفي آل محمد، وحرمان بقية بطون قريش من هذا كله؟

تستطيع قريش أن تستوعب نبوة محمد، وقيادته مع أنه من بني هاشم! أما قيادة آل محمد من بعده، والقول بأنها ترتيب إلهي، فهذا أمر لا تقبله رجالات قريش، ولا يمكن أن تصدق بأنه ترتيب إلهي، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، لأن هذا على حد تعبير عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) إجحاف، والله يكره الإجحاف.

5 - الحل الذي ارتضته رجالات قريش

بزعامة عمر بن الخطاب وأبي بكر رضي الله عنهما، اقتنعت قريش بأن الحل الأمثل والترتيب الأصوب هو أن تكون النبوة في بني هاشم، وقد كانت، وأن تكون الخلافة في بطون قريش تتداولها من بعد وفاة النبي، ولا حرج من أن تؤول الخلافة لأي مسلم شريطة أن لا يكون من بني هاشم لأن النبوة وحدها كفتهم، ولم يشركوا معهم فيها أحدا! فلذلك لا ينبغي إطلاقا أن يشرك الهاشميون في الخلافة أبدا.

وقد وثقت هذا الأمر الخطير في كتابي نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام - باب المرجعية.

وليس معنى ذلك أن رجالات قريش تشك بنبوة النبي، فهو نبي، أولا تتيقن بأن القرآن من عند الله، فالقرآن من عند الله، لكنها تعتقد أن ترتيب القيادة السياسية من بعد النبي هو من عند محمد كبشر، وبما أنه غير معصوم، وبما أن هذا الترتيب

الصفحة 183
مجحف بحق بطون قريش، وبما أن العناية الإلهية ساقت رجالات قريش لحماية الإسلام والمسلمين، فإنهم أجروا تعديلات على ترتيبات النبي لتكون متفقة مع الحق والعدل ومصلحة البطون ومصلحة المسلمين.

ويعني إجراء تعديلات على ترتيبات النبي بالضرورة: إيجاد ترتيبات بديلة.

هذه الترتيبات الوضعية تحولت إلى قناعات ترسخت بفعل العادة، والغلبة، والتكرار، وأصبحت لها قوة القناعات الدينية، ولكن من نوع خاص.

وساعد على ذلك أن حزب أهل السنة هو الذي حكم طوال التاريخ السياسي الإسلامي، ففرض هذه القناعات في بادئ الأمر، ثم أخذ الناس يكررونها وينسجون على منوالها، ثم أصبحت عادة، ثم أصبحت دينا حقيقيا آمن به العامة، ونبذوا كلما يتعارض معه، وصبوا جام غضبهم وسخطهم وحقدهم على من يعارض هذه العادات، وتأولوا الدين بكافة أحكامه ليتفق مع هذه العادات التي تحولت إلى قناعات، وأعملوا خيالاتهم وأوهامهم حتى اختلط بالحق الباطل، وبالحقيقة الوهم، فظهرا معا، وتعذر ظهور الحق والحقيقة على غير هذه الشاكلة، وكان ذلك ثمرة تطور استمر 1200 عام حتى وصل إلى صورته الراهنة.

وإيضاحا للحق والحقيقة سنتناول هذه العادات التي تحولت إلى قناعات واحدا بعد الآخر، ونترك الحكم على هذه القناعات ومحاولات نقضها للذين يحترمون العقل البشري، لأن من يدقق النظر، ويترك التقليد الأعمى سيكتشف أن هذه العادات التي تحولت إلى قناعات هي وحدها التي فرقت كلمة المسلمين، وعطلت الدور التاريخي لدينهم، وحرمت البشرية من الانتفاع بهذا الدين الحنيف، أو إن شئت فقل: إنها هي التي جذرت الخلاف والاختلاف، وجعلتهما لازمتين من لوازم وجود هذه الأمة.

ويحمي هذا القناعات حزب ورث اسمه وقناعات بالوارثة، وسجن نفسه ضمن هذه القناعات، وهو غير متعجل على تبديلها أو تحويلها أو تعديلها، بالرغم من مرور 1400 عام على وجودها، ونقصد بهذا الحزب حزبنا نحن أهل السنة.

* *

الصفحة 184

الصفحة 185

الفصل الرابع
تحول الترتيبات الوضعية إلى قناعات

1 - محاولة جعل هذه الترتيبات من صميم الدين

تم إيجاد مجموعة من الترتيبات الوضعية، وبفضل العادة، والتكرار، وبالضغوط التي مارستها سلطة دولة الخلافة التاريخية، تحولت هذه الترتيبات الوضعية إلى قناعات سياسية رشدت حركة المجتمع الإسلامي رسميا طوال فترة التاريخ السياسي الإسلامي، من بعد وفاة النبي حتى سقوط آخر سلاطين بني عثمان، وما زالت الأكثرية الساحقة من المسلمين تنظر إلى هذه القناعات وكأنها من صميم الدين، مع أنها في حقيقتها وجوهرها مجرد ترتيبات وضعية، كان القصد من إيجادها إضفاء الشرعية على مشروع تعديل الترتيبات الإلهية. وسنتناول هذه القناعات واحدة بعد الأخرى.

2 - القناعة الأولى: حسبنا كتاب الله

بمعنى أن القرآن الكريم وحده يكفي، ولا حاجة لأي شئ آخر من أي كان، حتى ولو كان النبي نفسه، فالقرآن الكريم يغني عن أي شئ!

وأول مسلم على الإطلاق رفع شعار (حسبنا كتاب الله) هو عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، فهو الذي أوجد هذا الترتيب الوضعي ورعاه، وحوله إلى قناعة سياسية، تركت طابعها على الحياة السياسية من بعد وفاة النبي، وما زالت للآن.