بيننا وبينكم كتاب الله!!
وما يؤكد ذلك أن أبا بكر (رضي الله عنه) كان في الحجرة المباركة عندما رفع هذا الشعار، وكان مع فريق عمر الذي حال بين النبي وبين كتابة ما أراد تحت شعار (حسبنا كتاب الله).
3 - بمواجهة من طرح شعار: حسبنا كتاب الله
أعلن عمر بن الخطاب عن ولادة هذا الترتيب أمام النبي نفسه، وتفصيل ذلك:
أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أراد أن يلخص الموقف لأمته تلخيصا نهائيا، فقال لمن حوله - وفيهم عمر بن الخطاب -: قربوا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا.
فتصدى عمر للنبي، وقال موجها كلامه لمن حضر (حسبنا كتاب الله) أي يكفينا كتاب الله، إن النبي قد غلبه الوجع، أو اشتد به الوجع، أو هجر، أو أن النبي يهجر - حاشا له -
وفجأة انقسم الحاضرون في الحجرة المباركة إلى قسمين: قسم يؤيد عمر وهم الأغلبية، وقسم يؤيد النبي وهم الأقلية، وأكثر الفريقان لغطا واختلافا، فقال لهم النبي: قوموا عني، ما أنا فيه خير مما تدعوني إليه.
وهكذا فاز فريق عمر فوزا ساحقا، وتمكنوا من أن يحولوا بين النبي وبين كتابة ما أراد! وولد لأول مرة في تاريخ الإسلام ترتيب (حسبنا كتاب الله)، وتحول هذا الترتيب إلى قناعة سياسية آمنت بها الأكثرية الساحقة من الأمة.
وقد وثقت هذه الحادثة المؤلمة في كتابي نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام، وحتى لا يكون في صدر الباحث عن الحقيقة حرج فيمكنه مراجعة:
صحيح البخاري مجلد 7 صفحة 9 باب قول المريض قوموا عني، ومجلد 4 صفحة 21
4 - التكليف الشرعي لهذه القناعة
قول (حسبنا كتاب الله) أي يكفينا كتاب الله عن سواه، غير معقول، وغير منطقي، فكتاب الله يحتاج إلى بيان، فهو كتاب، والكتاب يحتاج إلى مبين، ومهمة النبي أن يبين هذا الكتاب، وأن يوضح المقاصد الإلهية للعامة والخاصة، ولو كان كتاب الله وحده يحل مشكلة البشرية، لما كان هنالك داع لابتعاث الرسل والأنبياء، ولكان بإمكان الله سبحانه وتعالى أن يرسل نسخا من الكتب السماوية، بطريقة ما إلى كافة المكلفين، ولكن ما صدف على الإطلاق أن أنزل كتابا إلا على عبد، وذلك ليبين للناس ما أنزل إليهم من ربهم، بيانا قائما على الجزم واليقين لا على الفرض والتخمين.
ومن هنا كان بيان النبي - أي نبي - جزء لا يتجزأ من المنظومة الحقوقية التي جاء بها هذا النبي، ويقرأ هذا البيان مع المنظومة الحقوقية الإلهية، على اعتبار أن هذا النبي أو ذاك هو الأعلم والأفهم بقواعد تلك المنظومة، وعلى اعتبار أن بيانه لتلك المنظومة هو بالضبط عين المقصود الإلهي.
فعندما تتمسك بكتاب الله وحده، وتنبذ الرسول الذي بلغك هذا الكتاب، وتدعي أن الكتاب يغنيك عن الرسول وعن بيان الرسول، فأنت تماما كواضع قطعة العملة في التداول شريطة أن لا ينظر إلا لوجه واحد منها، وأنت تماما كمن يأذن لنصف الضيف بالدخول ويحرم ذلك على نصفه الآخر، وهذا تفريق بين الله ورسوله، وتفريق بين الرسول وبين معجزته، وبين القانون وبين واضعه وبين الجهة المخولة رسميا بتفسير هذا القانون وتطبيقه.
فمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي قاد الدعوة 13 عاما وبعد أن تمخضت الدعوة عن دولة ترأس الدولة لمدة عشرة أعوام، ومن خلال الدعوة والدولة نقل الدين من الكلمة إلى الحركة، ومن النظرية إلى التطبيق.
وطالما أن الدين هو: 1 - كتاب منزل 2 - نبي مرسل، فبأي منطق نجعل الدين فقط كتابا منزلا، ونترك النبي المرسل الذي قاد الدعوة والدولة معا مدة 23 عاما؟
فلو أن أعرابيا جاء النبي وقال له: إنني أقبل كتاب الله، وألتزم بكل ما جاء في هذا الكتاب، ولكنني أكتفي به، ولا أرغب بأن آخذ منك أي شئ لأن القرآن وحده يكفيني! فمن الطبيعي أن النبي سيقول له مشفقا: يا أخا العرب يتعذر عليك أن تفهم القرآن ومقاصده الحقيقية دون بيان النبي لهذا القرآن ومقاصده.
فإذا أصر الأعرابي على ذلك، واكتفى بإيمانه المزعوم بالقرآن وحده، فإن النبي لن يقبل ذلك منه!! لأن القرآن، وبيان النبي لهذا القرآن متكاملان تماما، فالصلاة وهي
فالقول (حسبنا كتاب الله) قول غير معقول من كل الوجوه، وهو مقدمة لإيجاد ترتيب وضعي، يهدف إلى كف يد الشرع عن التدخل في رئاسة الدولة بعد النبي واستبدال الحكم الشرعي القائم على الجزم واليقين بالحكم الظني القائم على الفرض والتخمين.
5 - سبب هذه القناعة وتجذيرها بقوة الدولة
آلت رئاسة الدولة لأبي بكر (رضي الله عنه) - بالطريقة التي وضحناها في كتابنا نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام - باب القيادة السياسية في الإسلام - ومن أول المشاريع التي عملها أبو بكر (رضي الله عنه) أنه جمع الناس، كما روى الذهبي في تذكرة الحفاظ مجلد 1 صفحة 2 - 3، وقال بالحرف (إنكم تحدثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشد اختلافا، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا! فمن سألكم فقولوا:
بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه) انتهى النص حرفيا، كما أورده الذهبي!
فأبو بكر (رضي الله عنه) بوصفه أول خليفة للنبي، أو أول رئيس دولة بعد النبي يأمر أمرا واضحا بمنع تحديث أي شئ عن رسول الله! بمعنى أن الحديث عن رسول الله يؤدي إلى الاختلاف!
وغني عن البيان أن رسول الله، وحديثه هما ركن الوفاق والائتلاف، ولكن طالما أن رئيس الدولة وهو أعلى سلطة قد أمر بمنع الحديث عن رسول الله، فمن واجب الرعية أن تطيعه، فهو الآمر الحاكم.
وأمر أبي بكر (رضي الله عنه) محاولة صادقة لتثبيت قناعة (حسبنا كتاب الله) أي أن كتاب الله يكفي، بدليل قول أبي بكر في النص السابق (فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله).
6 - الخليفة الثاني يتبع نفس السياسية ويعمقها
والصديق يعاني سكرات الموت، وقد اشتد به الوجع، حتى أنه قال: إني قد وليت.... وذهب في غيبوبة من شدة الوجع، فكتب عثمان بقية الوصية (عليكم عمر) ولما أفاق (رضي الله عنه)، وسمع بما كتبه عثمان استحسنه، وقال لعثمان: لو كتبت نفسك لكنت أهلا لها. بهذا الجو الحزين استخلف أبو بكر عمر ليقود سفينة الإسلام من بعده.
وعمر (رضي الله عنه) رأس الذين حالوا بين الرسول وبين كتابة ما أراد كتابته، بحجة أن الرسول قد اشتد به الوجع، فلا يجوز أن يسمح له بكتابة وصيته، وحرصا على مصلحة المسلمين رفع شعار (حسبنا كتاب الله) وبمواجهة النبي نفسه، فمن الطبيعي جدا بعد أن آلت إليه الأمور أن يسعى وبكل قوته المعهودة لتثبيت وتجذير هذا الشعار، وتحويله إلى قناعة تؤمن بها العامة والخاصة، وجبرا عند اللزوم.
يبدو أن الأمر الذي أصدره أبو بكر (رضي الله عنه) لم يتم احترامه تماما، إذ بقي الناس يتداولون أحاديث الرسول، ويكتبون بعضها، فلما آلت الخلافة أو رئاسة الدولة إلى عمر (رضي الله عنه) ناشد الناس أن يأتوه بكل ما كتبوا من أحاديث رسول الله، فلما أتاه الناس بهذه الأحاديث.... أمر بتحريقها.
قال ابن سعد في طبقاته مجلد 5 صفحة 140 بترجمة القاسم بن محمد بن أبي بكر:
إن الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب، فأنشد الناس أن يأتوه بها، فلما أتوه بها أمر بتحريقها.
وأخرج ابن عبد البر ثلاثة أسانيد في جامع بيان العلم - باب ذكر من ذم الإكثار من الحديث دون التفهم له مجلد 2 صفحة 147 والذهبي في تذكرة الحفاظ مجلد 1 صفحة 4 - 5 ما يلي:
وروي عن قرظة بن كعب أنه قال: لما سيرنا عمر إلى العراق مشى معنا إلى صرار، ثم قال: أتدرون لم شيعتكم؟ قلنا: أردت أن تشيعنا وتكرمنا، قال: إن مع ذلك
7 - الإقامة الجبرية والحبس!
أخرج المتقي الهندي في مجلد 5 صفحة 239 الحديث رقم 4865 عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: ما مات عمر بن الخطاب حتى بعث إلى أصحاب رسول الله، فجمعهم من الآفاق: عبد الله بن حذيفة، وأبا الدرداء، وأبا ذر، وعقبة بن عامر، فقال: ما هذه الأحاديث التي أفشيتم عن رسول الله في الآفاق؟ قالوا: أتنهانا؟ قال: لا، أقيموا عندي ، والله لا تفارقوني ما عشت، فنحن أعلم نأخذ منكم، ونرد عليكم، فما فارقوه حتى مات!!
وروى الذهبي في تذكرة الحفاظ مجلد 1 صفحة 7 ترجمة عمر: أن عمر حبس ثلاثة:
ابن مسعود، وأبا الدرداء، وأبا مسعود الأنصاري، فقال: أكثرتم الحديث عن رسول الله.
ويقول ابن الأثير في تاريخه مجلد 8 صفحة 108 إن عمر كان يقول للصحابة: أقلوا الرواية عن رسول الله، إلا في ما يعمل به.
8 - المنع ليس جديدا!
حتى والرسول الكريم حيا، حاولت مشيخة قريش أن تمنع كتابة حديث رسول الله، فقد روى الدارمي في سننه مجلد 1 صفحة 125 - باب من رخص في الكتابة، من المقدمة، وفي سنن أبي داود مجلد 2 صفحة 126 - باب كتابة العلم، وفي مسند الإمام أحمد مجلد 2 صفحة 162 و 207 و 216، ومستدرك الحاكم مجلد 1 صفحة 105 - 106، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر مجلد 1 صفحة 85 أن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كنت أكتب كل شئ أسمعه من رسول الله، فنهتني قريش، وقالوا:
فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله، فأومأ بإصبعه إلى فيه وقال (أكتب فو الذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق).
والسؤال: فمن من قريش يجرؤ على نهي صحابي من أن يكتب قول نبي ورسول ورئيس دولة بنفس الوقت؟
من يجرؤ على ذلك سوى عمر وأبي بكر رضي الله عنهما.
ويبدو أنهما خشيا أن يروى عن رسول الله حديث في حق أناس قال فيهم في حال الرضا أو الغضب قولا ما ينبغي أن يقال، فحرصا منهما على مصلحة الإسلام، اعتقدا أنه ليس من الحكمة كتابة أحاديث الرسول!
هذا والرسول حي يمارس النبوة والرسالة ورئاسة الدولة!
ويبدو أنه لهذه الغاية حالوا بينه وبين كتابة وصيته، بحجة أن المرض قد اشتد به، مع أن المرض قد اشتد بهما أكثر مما اشتد برسول الله، ومع هذا كتبا وصيتيهما، ونفذت، وبقيت وصيتاهما أسس نظام الخلافة، ولم يقولا أو لم يقل أحد إن المرض قد اشتد بهما، (وحسبنا كتاب الله)!!!
ولما انتقل النبي إلى جوار ربه، وآلت رئاسة الدولة إلى أبي بكر ثم عمر (رضي الله عنه)، بذلا جهدهما بالاستغناء عن حديث رسول الله، وبالاكتفاء بكتاب الله، تجسيدا لهذا الشعار (حسبنا كتاب الله) هذا الشعار الذي تحول بفعل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما إلى قناعة ضربت جذورها لأعماق الحياة السياسية الإسلامية بعد وفاة النبي!!
9 - عثمان ينهج نهج صاحبيه
عثمان (رضي الله عنه) كان موضع ثقة أبي بكر، وموضع ثقة عمر رضي الله عنهما، انظر إلى قول أبي بكر لعثمان عندما كتب عهد عمر (والله لو كتبت نفسك لكنت أهلا لها) أي للخلافة.
راجع سيرة عمر لابن الجوزي 1 صفحة 37، وتاريخ ابن خلدون مجلد 2 صفحة 58 على سبيل المثال.
وكان موضع ثقة عمر أيضا، فقد كان أبو بكر يقاسي سكرات الموت، فقال لعثمان:
أكتب إني قد وليت... فأغمي على أبي بكر قبل أن يكمل الجملة، فأكملها عثمان من عنده حيث كتب (عليكم عمر) وعمر غائب، فمعنى ذلك أن عثمان على علم مسبق بأن عمر هو الخليفة التي سيعهد له أبو بكر.
والحقيقة أنه بعد وفاة أبي عبيدة الذي حضر اجتماع سقيفة بني ساعدة، وقع اختيار أبي بكر وعمر على عثمان ليكون الخليفة الثالث بدلا من أبي عبيدة الذي انتقل إلى رحمة الله، ومن هنا كان عثمان يدعي في إمارة عمر بالرديف، والرديف بلسان العرب الرجل الذي يأتي بعد الرجل، والعرب تقول ذلك للرجل الذي يرجونه بعد زعيمهم.
ومن يدقق في وصية عمر يكتشف بأقل جهد ممكن أنه قد عهد له بالخلافة. راجع صفحة 364 مجلد 3 من الطبقات لابن سعد، وراجع تولية عثمان في الإمامة والسياسية لابن قتيبة. فعثمان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص في شقة واحدة بالضرورة، وعلي والزبير في جانب آخر بالضرورة، وطلحة غائب، وعمر صريح جدا فقد أوصى: إذا كانوا ثلاثة ثلاثة، فاختاروا الذي في صف عبد الرحمن بن عوف.
وهذا ما لم يحدث، لأن طلحة كان غائبا، فمحكوم حكما أن يكون ثلاثة ضد اثنين، ولنفترض جدلا أن طلحة كان موجودا، فشكل مع علي ومع الزبير ثلاثة، فإن عثمان سينجح قطعا.... راجع الإمامة والسياسية صفحة 27
وبالإيجاز فإن عثمان في حياة الشيخين أبي بكر وعمر كان كظلهما، وكان من شيعتهما، ومن هنا فإنهم من مدرسة واحدة، ويبدو واضحا أن عثمان (رضي الله عنه) كان مع الفريق الذي أيد عمر بمواجهة لرسول الله عندما قال (حسبنا كتاب الله) بدليل أنه حتى بعد أن آلت الرئاسة إليه قد بقي على نفس الخط المتعلق بهذه الناحية.
فمن الواضح أن عثمان (رضي الله عنه) قد حظر حظرا كاملا رواية أي حديث عن رسول الله لم يرو في زمن صاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
وفعل الخليفة الثالث يصب في النتيجة في غاية صاحبيه، وهي أن القرآن وحده يكفي (حسبنا كتاب الله).
وجاء معاوية فاستعمل المغيرة بن شعبة على الكوفة وقال له.... ولست تاركا إيصاءك بخصلة: لا تترك شتم علي وذمه، والترحم على عثمان والاستغفار له، والعيب لأصحاب علي والإقصاء لهم، والإطراء لشيعة عثمان والإدناء لهم. فقال له المغيرة:
قد جربت وجربت، وعملت قبلك لغيرك فلم يذممني، وستبلو فتحمد أو تذم، فقال:
بل نحمد إنشاء الله! راجع تاريخ الطبري مجلد 2 صفحة 112 - 113 ومجلد 2 صفحة 28، وراجع تاريخ ابن الأثير مجلد 3 صفحة 102، وروى المدائني في كتاب الأحداث.
وقال: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة: أن برئت الذمة ممن روى شيئا من فضل أبي تراب وأهل بيته.
10 - رفع الحظر
بقي الحظر مفروضا رسميا على رواية أحاديث الرسول، وكتابتها حتى زمن عمر بن العبد العزيز، فرفع الحظر، وكتب إلى أهل المدينة: أن انظروا حديث رسول الله فاكتبوه، فإني قد خفت دروس العلم وذهاب أهله. راجع فتح الباري باب كتابة العلم مجلد 1 صفحة 218.
وقد قاومه العلماء الذين تربوا على محاصرة أحاديث رسول الله، ثم لانت عريكتهم، وأخذوا يروون أحاديث الرسول، ويكتبونها، ولكن بعد حظر رسمي على روايتها، وكتابتها استمر 95 عاما.
11 - حرية رواية وكتابة كل شئ إلا حديث رسول الله
في عهد أبي بكر، وعمر، وعثمان رضي الله عنهم، كان بإمكان أي شخص أن يروي، أو يكتب أي شئ، وفي أي موضوع، بغض النظر عن دين الراوي، أو دين المروي عنه، فيمكنه أن يروي أو يكتب الشعر الجاهلي، أو الأنساب، أو أيام العرب، أو التاريخ، أو المفاخرة، أو القصص، بل ويمكن أن يروي الأحاديث والأساطير الإسرائيلية، كما كان يفعل كعب الأحبار، وتميم الداري، ولا حرج، فهذا كله مباح، ولا لوم ولا تثريب لا على راو ولا على مروي عنه، ولا على كاتب.
أما باب التحديث عن رسول الله فقد كان مغلقا تماما، وباب كتابة حديث الرسول كان مغلقا أيضا. وذلك لتثبيت قناعة (حسبنا كتاب الله) حتى تصبح هذه القناعة عامة وشاملة وعميقة، فيتعود المسلمون على العيش بدون نبي معتمدين على القرآن وحده.
فالأسباب الحقيقية لمنع رواية حديث الرسول ومنع كتابته هي:
1 - السبب الأول: تجسيد وتعميق وترسيخ الترتيب الوضعي القائل (حسبنا كتاب الله) أي أن كتاب الله يغني عن أي شئ آخر، ويغني عن قول الرسول نفسه، لأن هذا الشعار رفع لتبرير الحيلولة بين الرسول وبين كتابة ما أراد. وفي ذلك ترويض من السلطة للرعية حتى تتعود على فراق الرسول، والاعتماد على كتاب الله وحده.
2 - إغلاق كل الأبواب بوجه الذين يعارضون السلطة، ويقولون إنهم أولى بالحكم من غيرهم، لأن رسول الله نص عليهم بأنهم قادة الأمة ومرجعيتها، فترك أبواب التحديث عن رسول مفتوحة أمر يحرج السلطة، وقد تتمكن المعارضة من إثبات حجتها وحقها بالحكم استنادا لأحاديث رسول الله، وفي ذلك زعزعة للاستقرار، وهز لكيان الدولة التي يتربص بها أعداؤها الدوائر، وبالتالي تفتيت لوحدة الأمة بذلك الظرف العصيب، فكان إغلاق باب التحديث عن رسول ضربة معلم!
3 - حماية المتعاونين مع السلطة من طعن المعارضة، فيمكن لعلماء المعارضة أن يكشفوا حقيقة بعض المؤلفة قلوبهم ممن جعلوا الولاء للسلطة ستارا للطعن بالمعارضة. فمن الثابت أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعن الحكم بن العاص، ولعن ما في صلبه، ولعن نفرا من قريش، وشاءت الظروف أن يكون مروان هو صهر عثمان وابن عمه، ورئيس وزرائه وحامل أختامه، فإذا كانت هنالك حرية بالتحديث عن رسول الله وبنقل أحاديثه، وكتابتها، فيسهل على عشرات الصحابة الكرام أن يرووا حديث اللعن هذا أمام مروان، وأمام الخليفة، وفي ذلك إحراج ما بعده إحراج للسلطة، ولمقام الخلافة، فيغدو من الأسلم إغلاق باب التحديث وكتابة الحديث عن رسول الله!
12 - أسباب أخرى لمنع رواية حديث الرسول ومنع كتابته
انتشرت إشاعة مفادها أن رسول الله لم يجمع القرآن، بل تركه مفرقا في صدور الرجال، وانتقل إلى رحمة الله والقرآن على هذه الحالة، حتى نهض الخلفاء الثلاثة بتفصيل خاص لجمع القرآن، حتى لا يضيع بقتل حفظته، وتحولت هذه الإشاعة إلى نظرية متكاملة، فصلناها في الباب الأول، ونقضناها، وقد تحولت النظرية إلى قناعة راسخة الآن!
وفي ظلال هذه الإشاعة التي تحولت إلى نظرية، ثم إلى قناعة، قيل أن القصد من منع رواية الحديث وكتابته هو أن حتى لا يختلط القرآن وهو كلام الله بالحديث وهو كلام رسول الله. وهذا السبب لا يستقيم ولا يثبت لعلتين:
1 - العلة الأولى: مع أن النبي هو أفصح العرب، إلا أن الحديث يختلف عن كلام الله، فمحمد مخلوق والله خالقه.
13 - مستثنيات من حظر رواية وكتابة أحاديث الرسول
بينا أن السلطة فرضت حظرا على رواية وكتابة أحاديث رسول الله بعد وفاته مباشرة، واستمر الحظر 95 عاما حتى زمن عمر بن عبد العزيز الذي أصدر مرسوما برفع الحظر.
إلا أن السلطة طوال مدة الحظر استثنت أمورا معينة أجازت فيها رواية حديث رسول الله وكتابته، ومن أبرز هذه الأمور:
1 - إذا عملت السلطة عملا ما استنادا إلى اجتهادها وروى راو حديثا عن رسول الله يشيد بهذا العمل، أو يضفي الشرعية عليه، فلا ترى السلطة غضاضة ولا حرجا من رواية هكذا أحاديث أو تداولها.
2 - إذا تمكن خليفة من تحقيق الغلبة والظفر، واستقامت له الأمور، وجاء راو أو رواة فرووا أحاديث في فضله، في هذه الحالة فإن السلطة ترحب بالرواة، وبما رووا، ولا ترى ما يمنع من كتابة هذه المرويات، وتداولها، بل تشجعها، وتقرب الرواة، وتغدق عطاياها عليهم.
3 - إذا سبق الكتاب على أحد أنه من أهل النار، وانتشر ذلك انتشارا واسعا، وتأكد هذا الانتشار بحيث يتعذر إنكاره، كقضية أبي لهب، تبت يدا أبي لهب وتب، فالكل يعلم أن أبا لهب من أهل النار، والشاهد على ذلك سورة من سور القرآن الكريم. أو كقضية الحكم بن العاص، وولده مروان، فالثابت ثبوتا قطعيا بالسنة المطهرة أن رسول الله قد لعن الحكم بن العاص، ولعن مروان وهو في صلبه، بحيث لا يمكن تغطية واقعة دخول أبي لهب في النار، ولا واقعة
فما هو المخرج الذي يضفي الشرعية على قرار الخليفة بتعيين مروان رئيسا لوزرائه؟
وكيف يمكن تجنب سخط العامة، وضمان الاستقرار، وضرب المعارضة، والتشكيك بسلامة موقفها، وتسليط الأضواء على سوء نيتها الطامعة بالانقضاض على السلطة، وسلب الأمر من أهله، وزعزعة وحدة المسلمين؟
فإذا جاء راو وشكك برسول الله نفسه، بما يخدم هدف السلطة، فإن رواية هذا الراوي تقبل، ولا مانع من تداولها وكتابتها وانتشارها، وهذا الراوي أو الرواة تفتح أمامهم أبواب الحياة، وينادى منادي السلطة أنهم من المقربين، وبهذه الحالة فالرواية والكتابة مباحة ولا يشملها الحظر.
جاء في صحيح البخاري كتاب الدعوات - باب قول النبي: من آذيته، وجاء في صحيح مسلم كتاب البر والصلة - باب من لعنه النبي (صلى الله عليه وسلم) وليس لها أهلا ما يلي:
(أن رسول الله كان يغضب، فيلعن، ويسب، ويؤذي من لا يستحقها، ودعا الله أن يجعلها لمن بدرت منه زكاة وطهورا).
ورويا أيضا في صحيح البخاري - كتاب بدء الخلق - باب صفة إبليس وجنوده، وكتاب الطب - باب هل يستخرج السحر، وباب السحر، وكتاب الأدب - باب أن الله يأمر بالعدل، وكتاب الدعوات، وفي صحيح مسلم - باب السحر ما يلي:
بهذه الضربة الفنية تحول مروان بن الحكم رئيس الوزراء، وتحول والده - الذي لعنه رسول الله - من ملعونين مطرودين من رحمة الله إلى رجلين زاكيين مطهرين، ولكن بعد أن ضحوا بخلق النبي (وإنك لعلى خلق عظيم) وضحوا بحلمه، لينجو مروان ووالد مروان، وقد وثقنا في كتابنا نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام حقيقة لعن النبي للحكم وما في صلبه.
نعم، مثل هذه الأحاديث لم يشملها الحظر، سواء على صعيد الرواية، أو على صعيد الكتابة، بل إن روايتها وكتابتها تقرب الرواة إلى السلطة زلفى.
وما عدا هذه الاستثناءات، فإن رواية وكتابة أحاديث رسول الله بقيت محظورة وممنوعة رسميا، حتى زمن عمر بن عبد العزيز.
وغني عن البيان أن عهد علي عهد تنفست فيه الشرعية، ورعى بنفسه حملة كتابة ورواية أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
14 - الفراغ الحقوقي ومحاولات سده
يستحيل استحالة مطلقة فهم القرآن الكريم، والمقاصد الإلهية من آياته فهما قائما على الجزم واليقين دون بيان النبي لهذا القرآن، فبيان النبي ضرورة من ضرورات فهم القرآن، وعندما رفعت السلطة شعار (حسبنا كتاب الله) وقررت منع رواية وتداول وكتابة أحاديث رسول الله فإنها بعملها هذا أوجدت فراغا حقوقيا مدمرا، ترك بصماته على مختلف قطاعات الحياة، واستدعى البحث عن بديل لمل ء هذا الفراغ، فابتدع العمل بالرأي وسمي أولا بالتأويل، ثم سمي نهائيا بالاجتهاد، وامتلأت الساحة الإسلامية بالقواعد الحقوقية القائمة على الظن والتخمين، والناتجة عن العمل بالرأي بمختلف صوره، فالمنظومة الحقوقية الإلهية التي أنزلت على محمد، والتي كانت تتميز بأنها بيان لكل شئ، فإن كل حكم من أحكامها قائم على الجزم واليقين، ونتيجة منع
صحيح أن هنالك ضمانة إلهية بحفظ القرآن من التحريف والتبديل والتغيير، لكنه عطل عن أداء دوره الكامل في غياب البيان النبوي الموثوق لآياته وأحكامه.
التأويل والاجتهاد: السلطة التاريخية هي التي ابتدعت مصطلح التأويل بمعناه الواقعي، وهي التي ابتدعت الاجتهاد بمعناه الذي استقر نهائيا عليه، وأعوان السلطة هم الذين وضعوا قواعده وأحكامه، ثم ربطوه بالمنظومة الحقوقية الإلهية، أو على حد تعبيرهم ربطوه (بروح ومقاصد هذه المنظومة) فليس في الدنيا أمر من الأمور إلا وله حكم في الاجتهاد والتأويل، فإذا تبين أن الحاكم عمل عملا يخالف ويختلف مع عمل رسول الله نفسه قالوا: إن الحاكم مجتهد، والرسول الكريم نفسه مجتهد، ولا يلزم المجتهد باتباع رأي المجتهد الآخر. راجع شرح نهج البلاغة مجلد 4 صفحة 178 مطبعة مصطفى البابي بمصر سنة 1399 ه، وراجع شرح النهج مجلد 2 صفحة 153 ومجلد 2 صفحة 180، وراجع شرح التجريد للقوشجي صفحة 408، وقد بينا الحكم الشرعي في الاجتهاد، وأثبتنا نصوص بعض المقالات التي كتبناها ردا على وزير الأوقاف الأردني، فليرجع إليها من شاء في الباب الأول من هذا البحث.
وضع الأحاديث: ونتيجة الإحساس بالفراغ، قام بعض الصالحين من المسلمين بوضع أحاديث على رسول الله اختلقوها، وجعلوها حسبة لله بزعمهم! فإذا سألهم سائل كيف تكذبون على رسول الله؟ قالوا: نحن نكذب له لا عليه، كما روى ذلك مسلم، ونقله عنه محمود أبو ريه في كتابه الرائع أضواء على السنة المحمدية صفحة 138 ونقل عن ابن حجر قوله (وقد اغتر قوم من الجهلة، فوضعوا أحاديث الترغيب والترهيب، وقالوا: نحن لم نكذب على النبي، بل فعلنا ذلك لتأييد شريعته) راجع صفحة 138 من المرجع السابق، ونقل أبو ريه قال: قال عبد الله النهاوندي قلت لغلام أحمد: من أين لك هذه الأحاديث التي تحدث بها في الرقائق؟ فقال: وضعناها لنرقق
وكان أحمد بن محمد الفقيه المروزي من أصلب أهل زمانه في السنة، وأكثرهم مدافعة عنها، ويحقر كل من خالفها، وكان مع ذلك يضع الحديث ويقلبه!
وأخرج البخاري في التاريخ الأوسط عن عمر بن صبيح أنه قال: أنا وضعت خطبة النبي، وأخرج الحاكم في المدخل بسنده إلى أبي عمار المروزي أنه قيل لأبي عصمة: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة، وليس عند أصحاب عكرمة هذا؟ فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي ابن إسحاق، فوضعت هذه الأحاديث حسبة! راجع أضواء على السنة المحمدية صفحة 138 - 139.
واغتنم أعداء الدين هذا الفراغ، وأخذوا يضعون الأحاديث المكذوبة ليهدموا الدين، ولم تكن شيعة الحكام في عزلة من هذا، فكل شيعة من هذه الشيع كانت تضع من الأحاديث ما تحتاجه لتثبيت أوضاعها، أو لدحر أعدائها. ويمكن لمن أراد الوقوف على تفاصيل الوضع أن يقرأ أضواء على السنة المحمدية للسيد محمود أبو ريه، وخاصة الصفحات 118 وما فوق.
15 - أبو هريرة يمهد المناخ للوضع
قال الشيخ أبو ريه: أخرج الطحاوي في المشكل عن أبي هريرة مرفوعا عن النبي أنه قال: إذا حدثتم عني حديثا تعرفونه، ولا تنكرونه فصدقوا به قلته أم لم أقله!
فإني أقول ما يعرف ولا ينكر، وإذا حدثتم عني حديثا تنكرونه، ولا تعرفونه فكذبوا به، فإني لا أقول ما ينكر ولا يعرف!
ويشبه هذا الحديث حديثا آخر رواه أحمد أن رسول الله قال: إذا سمعتم الحديث عني، تعرفه قلوبكم، وتلين له أبشاركم، وترون أنه منكم قريب، فأنا أولاكم به،
وقال خالد بن يزيد، سمعت محمد بن سعيد الدمشقي يقول: إذا كان كلام حسن لم أر بأسا من أن أجعل له إسنادا!
قال الحافظ ابن حجر: هذه والله قاصمة الظهر للمحتجين بالرسل، إذ بدعة الخوارج كانت في مبدأ الإسلام والصحابة متوافرون، ثم في عصر التابعين فمن بعدهم، وهؤلاء استحسنوا أمرا جعلوه حديثا، فربما سمع الرجل الشئ فحدث به الذي يحتج بالمنقطعات، فيحتج به مع كون أصله ما ذكرت! راجع أضواء على السنة المحمدية صفحة 137
16 - لولا شعار، (حسبنا كتاب الله)
لولا شعار (حسبنا كتاب الله) وإيمان دولة الخلافة الأولى بضرورة ترسيخ وتعميق هذا الشعار، وما اقتضاه ذلك من المنع الرسمي لرواية وكتابة أحاديث رسول الله، ومن فرض الحصار التام على الرواية والكتابة، حتى بلغ الأمر حدا أن طلب من الناس أن يأتوا الخليفة بالأحاديث المكتوبة والمروية عن رسول الله، فلما جاء الناس بتلك الأحاديث وجمعت، أمر الخليفة بحرقها! وكفى بذلك تنفيرا من كتابة تلك الأحاديث وروايتها، راجع طبقات ابن سعد مجلد 5 صفحة 140 بترجمة القاسم بن محمد بن أبي بكر تجد واقعة التحريق، وراجع تذكرة الحفاظ للذهبي بترجمة أبي بكر مجلد 1 صفحة 2 - 3 تجد واقعة الربط بين منع كتابة الحديث وروايته وبين شعار (حسبنا كتاب الله) وراجع تذكرة الحفاظ للذهبي مجلد 1 صفحة 4 - 5، وراجع جامع بيان العلم - باب ذم الإكثار من الحديث مجلد 2 صفحة 147، وراجع الحديث رقم 4865 من الكنز.
لولا هذا الشعار لأحصيت أحاديث رسول الله، وكتبت، فحفظت من الزيادة والنقصان والتبديل والتغيير بعد وفاة الرسول مباشرة، ولما حرم الناس من بيان النبي
ولكن كيف تسمح قريش بكتابة أحاديث رسول الله بعد وفاته، وهي التي كانت تعارض كتابة تلك الأحاديث حالة حياته (صلى الله عليه وآله وسلم). راجع سنن الدارمي مجلد 1 صفحة 125 باب من رخص في الكتابة من المقدمة، وراجع سنن أبي داود مجلد 2 صفحة 126 باب كتابة العلم، وراجع مسند أحمد مجلد 2 صفحة 62 و 207 و 216، وراجع مستدرك الحاكم مجلد 1 صفحة 105 - 106، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر مجلد 1 صفحة 85. تجد أن قريشا حال حياة النبي كانت تحرض على عدم كتابة أحاديث رسول الله، بل وتمنعها بدعوى أنه بشر يتكلم في الرضا والغضب، وتريد قريش أن تتأكد أن كلام الرسول مناسب أو غير مناسب، وهل صدر في الرضا أم في الغضب!
ونتيجة قرار الحظر الذي فرضته السلطة، والذي استمر 95 عاما ضاع حديث رسول الله تحت الأنقاض، وبعد 95 عاما بدأت السلطة تبحث عن حديث الرسول بين الأنقاض، فذهب الناس في ذلك طرائق قددا!
وبعد ذلك قل أن تجد حديثا واحدا لرسول الله مرويا بلفظه ومعناه، وقل أن تجد حديثا دون أن تجد نقيضا له.
وليس هذا فحسب بل إن السلطة طاردت الذين كتبوا بخط أيديهم وبإملاء رسول الله، وشككت بهم ونفرت الناس منهم، واتهمتهم بالكذب، وأمرت بلعنهم على المنابر، وهدمت دور الذين يحبونهم، وأسقطت أسماءهم من ديوان العطاء! كما ذكر ابن أبي الحديد نقلا عن المدائني في كتابه الأحداث، وكما وثقنا سابقا.
وهكذا بدلت السلطة نعمة الله بالرأي، فجرت هذه الأمة إلى مزالق الدمار تحت شعار (حسبنا كتاب الله)
الباب الثالث
تخريب المنظومة الحقوقية الإلهية وإبطال مفعولها بعد وفاة النبي
الفصل الأول: المنظومة الحقوقية الإلهية في عهد النبوة الأرشد
الفصل الثاني: تخريب النظام السياسي الإسلامي
الفصل الثالث: تعديل وإلغاء الترتيبات الإلهية
الفصل الرابع: نشأة النظام البديل
الفصل الخامس: إقامة النظام البديل وتكون أركانه
الفصل السادس: الإمام الشرعي يطلب النصرة
الفصل السابع: الآثار السياسية لانتصار النظام البديل
الأثر الأول: إقصاء الرسول عن التأثير على الأحداث
الأثر الثاني: عزل أهل بيت النبوة الكرام
الأثر الثالث: تقديس الخليفة الغالب
الفصل الثامن: تفكيك النظام الإلهي وتعطيل مسيرته المباركة
الفصل التاسع: فك الارتباط بين المنظومة الإلهية وبين أهل البيت
الفصل العاشر: رد فعل القوة المتغلبة
الفصل الأول
المنظومة الحقوقية الإلهية في عهد النبوة الأرشد
1 - تبرير دراسة هذا الفصل
لكي نحكم على موقف العهود اللاحقة بعهد النبوة من المنظومة الحقوقية الإلهية، ولكي نعرف حجم التخريب والتدمير الذي ألحقته تلك العهود بالمنظومة الحقوقية الإلهية، لا بد من دراسة سريعة لحالة المنظومة الحقوقية الإلهية في عهد النبوة المحمدية الأرشد، لأن عهده (صلى الله عليه وآله وسلم) هو المثال الأرفع، وهو عهد الكمال المطلق، ففي عهده بدأت، وفي عهده اكتملت وطبقت تطبيقا كاملا ودقيقا، وتم نقلها من النص إلى التطبيق، ومن الكلمة إلى الحركة، سواء على صعيد الدعوة، أو على صعيد الدولة، أو على صعيد المرحلة التي توسطت تحول الدعوة إلى دولة.
وبدراسة عهده المبارك واستيعابه يحصل الباحث على الميزان الحق الذي يزن به كل عهد من العهود اللاحقة بعهد النبوة، وعلى المقياس القويم الذي يقيس به تلك العهود قربا وبعدا، إصلاحا وخرابا.
2 - جناحا المنظومة الحقوقية في عهد النبوة الأرشد
في عهده المبارك (صلى الله عليه وآله وسلم) حصرت المنظومة الحقوقية الإلهية باثنين لا ثالث لهما هما بمثابة جناحي طير السعد وهما:
1 - قرآن كريم منزل من عند الله.
2 - بيان الرسول لهذا القرآن.
وغني عن البيان أن بيان الرسول لهذا القرآن يأخذ شكل: القول أو شكل الفعل أو شكل التقرير على وجه الحصر، ومهما كان شكل هذا البيان النبوي فهو جزء لا يتجزأ من المنظومة الحقوقية الإلهية، وهو بمثابة جناحها الأيسر، والقرآن الكريم هو جناحها الأيمن، ويتعذر على الطائر أن يطير إلا بجناحيه.
3 - يقينية المنظومة الحقوقية الإلهية
القرآن الكريم هو كلام الله الذي أوحاه إلى نبيه لفظا ومعنى، تلك حقيقة إيمانية مطلقة قائمة على الجزم واليقين، وهي أساس العقيدة الأول. والنبي الأعظم هو رسول الله المكلف ببيان القرآن بيانا قائما على الجزم واليقين، بحيث يكون هو نفس المقصود الإلهي حسب أحوال المكلفين وقدرة الواقع على التحمل والحركة، وتلك حقيقة مطلقة وهي أساس العقيدة الثاني.
والرسول الكريم بالضرورة هو أفهم خلق الله بهذا القرآن، وأعلمهم به، وأكثرهم قدرة على بيانه، وهو معد ومهيأ إلهيا ليكون الأفهم والأعلم بالقرآن، والأقدر على بيانه، وهو الأفضل لقيادة المؤمنين بالله تعالى على هدى هذا القرآن، وترشيد حركة المجتمع على هداه، تلك حقيقة ثالثة قائمة على الجزم واليقين، وهي أيضا الأسس الثالث للعقيدة.
وقد فصلت هذه الحقائق في كتابي نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام، فليرجع إليه من أراد التفصيل.
4 - الوحدة العضوية بين القرآن والبيان
كما أنه لا غنى للطير عن أحد جناحيه، كذلك لا غنى للمنظومة الحقوقية الإلهية عن أحد جناحيها، فلا غنى للقرآن عن النبي لأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) هو المبين لهذا القرآن، ولا غنى
وباستعراضنا لتاريخ الهدايات الإلهية لم نجد أن الله تعالى قد أرسل رسالة بدون رسول، أو أنزل كتابا إلا على عبد، وهذا يؤكد أن النبوة فن واختصاص بأمور البيان، تماما كاختصاص الطبيب بالطب والمهندس بالهندسة... إلخ. وتلك أمور لم يغفلها المشرع الوضعي على قصوره، فما من منظومة حقوقية سائدة، إلا وخصص لها فرد أو جهاز يتولى بيانها للمكلفين.
5 - الجزم واليقين والظن والتخمين
قد يقول قائل إن القرآن الكريم قد نزل بلسان عربي مبين، وأن بإمكان أي قارئ للعربية أن يفهم القرآن، وأن يستوعب الكثير من معانيه، هذا صحيح ولكن الآية الواحدة مشحونة بالمعاني والمفاهيم والمقاصد، وليس المطلوب أي معنى، أو أي فهم، أو أي مقصد، إنما المطلوب عين المعنى والمفهوم والمقصد الذي عناه الله تعالى بهذه الآية، وخصصه بالذات ليحكم هذه الحادثة، أو تلك، في هذا الزمن، أو ذلك.
ففهم أي شخص للنص القرآني هو فهم قائم على الظن والتخمين، فهو يتصور حسب مبلغه من العلم أن هذا الفهم هو المطلوب وهو الحاكم لتلك الحادثة، ولكنه لا يجزم أن هذا هو المقصود الإلهي، وإذا جزم فلا برهان على جزمه.
أما فهم الرسول أو المكلف إلهيا ليقوم مقامه، فهو فهم قائم على الجزم واليقين بأن هذا المعنى أو ذلك هو عين المقصود الإلهي المخصص لحكم هذه الحادثة، أو تلك، في هذا الزمن، أو ذاك.
والدليل القاطع على صحة الجزم واليقين أن الله اختاره وهيأه وكلفه بالبيان مباشرة، ثم اختار من بعده الإمام، وهو مكلف بأن يكون مرجع الأمة الأوحد في زمانه، والكاشف الأوحد عن المقاصد الإلهية الواردة في أحكام المنظومة الحقوقية الإلهية.
6 - مخاطر الظن والتخمين
يستقيم أمر العباد ما دام المرجع الذي يبين أحكام المنظومة الحقوقية الإلهية بيانا قائما على الجزم واليقين موجودا، ومتاحة أمامه الفرصة لممارسة مهام البيان والقيادة معا، فإذا حيل بين هذا المرجع وبين ممارسة مهامه في البيان والقيادة، فإن حبل المنظومة الحقوقية الإلهية يهتز، ويتعذر عليها أن تقوم بدورها على الوجه الأكمل، لسبب بسيط أنها لا تستطيع أن تحلق بجناح واحد، ولأن استبعاد الإمام المختص ببيان الأحكام بيانا قائما على الجزم واليقين، يعني كسر جناح المنظومة الحقوقية الإلهية، وإجبارها على التحليق بجناح واحد.
عملية استبعاد الإمام المختص إلهيا ببيان الأحكام جريمة، وعملية تعطيل الشريعة الإلهية جريمة أيضا، فإذا جمعوا الجريمتين معا فإن سعيهم سيكشف، ولا يمكن الدفاع عنه، فاستبعاد الإمام المختص إلهيا عملية يمكن تغطيتها بالقول بأن المصلحة اقتضت ذلك، والمصلحة العامة كلمة مطاطة، ويمكن تمريرها على العامة، وقوة الغالب قادرة على قمع الخاصة، أما تعطيل الشريعة فعملية مكشوفة تماما.
ولمعالجة هذه الحالة صار الغالب هو المرجع، وهو المختص ببيان الأحكام، وبما أن الحاكم الغالب غير مؤهل، فإنه يجمع حوله طائفة من العلماء، ويخولهم صلاحية بيان الأحكام، فيخرج كل واحد منهم برأي وفهم، ومعنى، ومقصد، فيختار الحاكم الغالب، الفهم، والمعنى، والمقصد الذي يريد، ويتوغل أصحاب الأفهام في صفوف العامة، ويزعم كل صاحب فهم أن فهمه هو الأصوب، ويستقطب كل صاحب فهم طائفة، ثم تتحول الطوائف إلى أحزاب وشيع، كل حزب بما لديهم فرحون، وتتفرق الأمة داخليا، وتشتت، ويذهب ريحها، وتتحول إلى حقل تجارب لعنعنات الأحزاب، ومكر قادتها، وتخرج طائعة من يسر الجزم واليقين إلى عسر الفرض والتخمين، ومن سعة اليقين إلى ضيق الشك، وتتعطل عمليا أحكام المنظومة الحقوقية الإلهية، وتتصور
7 - الإلحاق والتقول
قلنا إن المنظومة الحقوقية الإلهية جناحا طير واحد، أحد جناحيه القرآن الكريم، وجناحه الآخر بيان النبي لهذا القرآن، بأشكاله الثلاثة: القول، والفعل، والتقرير.
وقبل أن ينتقل النبي إلى جوار ربه أعلن للملأ الجهة المخولة بالبيان، وهم عترته أهل بيته، وبالتحديد الأئمة المعصومون من هذه العترة، فعميد أهل البيت المهيأ إلهيا هو المخول بالبيان، والقيادة السياسية معا.
وبسبب نظام التغلب أقصيت عمادة البيت الطاهر رسميا عن الحكم، والمرجعية، والبيان، وأسندت هذه المهام إلى الغالب ومن والاه، فألحقوا العرف، والإجماع، والقياس، والمصالح المرسلة، بالمنظومة الحقوقية الإلهية، وتقولوا على الله، بأنها جزء من منظومته، مع أن هذه المنظومة إذا أقرت عرفا من الأعراف بعد تهذيبه، فإن العرف لا يستمد شرعيته من ذاته، بل يستمد الشرعية والانتماء من المنظومة الحقوقية الإلهية، والإجماع بجوهره عندهم هو إيجاد حكم لحادثة لا حكم لها، وغير وارد أن يكون الإجماع ضد حكم، فكيف نوفق بين هذه التصورات وبين التأكيدات الإلهية بأن الله تعالى قد نزل القرآن تبيانا لكل شئ؟ (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ) آية 89 النمل (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) آية 44 النمل (وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه) آية 64 النمل، بل كيف نوفق بين هذه التصورات، وبين الإعلان عن كمال الدين، وتمام النعمة الإلهية؟ (اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي) آية 3 المائدة.
السبب في هذه الإلحاقات والتقولات يكمن في إصرار الحاكم الغالب في كل زمان
على استبعاد الإمام المخول إلهيا بالبيان، القائم على الجزم واليقين، وإصرار هذا الغالب