كل شئ رتبته العناية الإلهية، الدين مكتمل، والنعمة تامة، لم العجلة يا سيدي يا بن الخطاب؟ قف بجانب الجثمان الطاهر، وقدم معذرة أي معذرة، قل بملء فيك:
استغفر لي يا نبي الله، ها هو الكتف، كلنا آذان صاغية، أكتب لنا الكتاب الذي أردت، الكتاب الذي لن نضل بعده أبدا!!
لم العجلة!!! نودع حبيبنا ونبينا ومولانا، ثم نجلس سوية ومعنا الثقلان كتاب الله وعترة نبيه، ولقد سبقت كلمة الله للذين آمنوا أنهم لن يضلوا إن تمسكوا بالثقلين!!!
كل شئ حزين وساكن، لقد ركع الألم كل مسلم، وجمدت كل حركة، إلا ابن الخطاب (رضي الله عنه)، فقد حمل حزنه، واتبعه من والاه، وبدأوا بوضع الترتيبات الجديدة لعهد ما بعد النبوة.
14 - الإشاعة التي تحولت إلى قناعة
في لحظات الألم الماحق تكثر الشائعات، وتروج التقولات، وقد أشيع أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ترك أمته ولا راعي لها من بعده، وترك دينه، وترك كتاب الله دون مبين، ثم توسعت الإشاعة في ما بعد، فزعمت أن رسول الله لم يجمع حتى القرآن وتركه متفرقا في صدور الرجال!!
وأمام سرعة انتشار شائعة أن رسول الله ترك أمته بغير راع، نهد عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) وقاد زمام المبادرة، وقام بدور الهيئة التأسيسية لترتيب عهد ما بعد النبوة، حتى يتدارك إشاعة أن رسول الله ترك أمته بغير راع في هذا الظرف الدقيق، فكان همه منصبا بالدرجة الأولى والأخيرة على تنصيب الراعي الذي يرعى الأمة بعد موت النبي، ومع أن القول بأن رسول الله ترك أمته بدون راع، وترك القرآن بدون جمع وبدون مبين، هذا القول مجرد إشاعة، إلا أنه تحول بفعل وسائل إعلام الدولة إلى قناعة آمنت بها عامة الشعب، وحملت بخيلها ورجلها على من يقول بغيرها.
15 - إثبات الإشاعة التي تحولت إلى قناعة
أخرج ابن قتيبة الدينوري في الإمامة والسياسية مجلد 1 صفحة 15 قول أبي بكر (رضي الله عنه) (إن الله بعث محمدا نبيا وللمؤمنين وليا، فمن الله تعالى بمقامه بين أظهرنا حتى اختار له الله ما عنده، فخلى على الناس أمرهم ليختاروا لأنفسهم في مصلحتهم متفقين لا مختلفين، فاختاروني وليا ولأمورهم راعيا... إلخ.
فأبو بكر يؤكد أن الرسول خلى على الناس أمرهم، أي ترك أمته من بعده بغير راع، وترك لهم حرية اختيار هذا الراعي في ما بعد.
أخرج أبو نعيم في حلية الأولياء مجلد 1 صفحة 44، ومسلم في صحيحه، والبخاري في صحيحه، والبيهقي في سننه مجلد 8 صفحة 149، وابن الجوزي في سيرة عمر، أن ابن عمر قال لأبيه عمر: إن الناس يتحدثون أنك غير مستخلف، ولو كان لك راعي إبل أو راعي غنم ثم جاء وترك رعيته رأيت أن قد فرط. ورعية الناس أشد من رعية الإبل والغنم!! ماذا تقول لله عز وجل إذا لقيته ولم تستخلف على عباده؟
قال ابن عمر: فأصابته كآبة، ثم نكس رأسه طويلا، ثم رفع رأسه وقال - أي عمر -:
وأي ذلك أفعل فقد سن لي، إن لم أستخلف فإن رسول الله لم يستخلف، وإن أستخلف فقد استخلف أبو بكر.
وأخرج أبو زرعة في كتاب العلل عن ابن عمر كما في الرياض النظرة مجلد 2 صفحة 74، أن ابن عمر قال: لما طعن عمر قلت: يا أمير المؤمنين لو أجهدت نفسك وأمرت عليهم رجلا... إلخ. فقال عمر: والذي نفسي بيده لأردنها للذي دفعها إلي أول مرة.
روى ابن قتيبة في الإمامة والسياسة صفحة 22: إن عمر لما أحس بالموت قال لابنه عبد الله: إذهب إلى عائشة واقرئها السلام، واستأذنها أن أقبر في بيتها مع رسول الله ومع أبي بكر، فأتاها عبد الله، فأعلمها، فقالت: حبا وكرامة، ثم قالت: يا بني أبلغ عمر سلامي، وقل له: لا تدع أمة محمد بلا راع، استخلف عليهم، ولا تدعهم
وروى المسعودي في مروج الذهب مجلد 2 صفحة 253، أن عبد الله بن عمر دخل على عمر بن الخطاب وهو يجود بأنفاسه فقال: يا أمير المؤمنين استخلف على أمة محمد، فإنه لو جاءك راعي إبلك أو غنمك وترك إبله أو غنمه لا راعي لها للمته وقلت له:
كيف تركتك أمانتك ضائعة؟ فكيف يا أمير المؤمنين بأمة محمد؟ فأجابه عمر: إن أدع فقد ودع من هو خير مني، وإن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني.
جاء في تاريخ الطبري مجلد 4 صفحة 53، وفي العقد الفريد مجلد 2 صفحة 254 أن أبا بكر قال في مرضه الذي توفي منه: وددت أني سألت رسول الله لمن هذا الأمر فلا ينازعه أحد؟ ووددت أني كنت سألته هل للأنصار في هذا الأمر نصيب؟
وأخرج البلاذري في أنساب الأشراف مجلد 5 صفحة 16 عن ابن عباس قال: قال عمر: لا أدري ما أصنع بأمة محمد - وذلك قبل أن يطعن - فقلت ولم تهتم وأنت تجد من تستخلفه؟... إلخ.
16 - تكييف إشاعة أن النبي ترك أمته ولم يستخلف
راجت إشاعة أن النبي قد مات ولم يستخلف، إنما خلى على الناس أمرهم، ومع الأيام وبفضل وسائل الإعلام التي كانت تحت سيطرة السلطة الغالبة طوال التاريخ، تحولت هذه الإشاعة إلى قناعة آمنت بها الأكثرية الساحقة من الأمة.
وقد رأينا أن ابن عمر بن الخطاب وصف هذه الإشاعة - أي ترك الأمة دون راع - بأنها تضييع للأمانة، وأنها تفريط، وأنها محل لوم يترفع عن الوقوع بها راعي الإبل أو راعي الغنم على حد تعبيره، وأن ترك الأمة بدون راع يعني تركها هملا على حد تعبير أم المؤمنين عائشة، وبالتالي فإن هذا الترك يؤدي للفتنة، كما توقعت أم المؤمنين.
تلك هي خلاصة التكييفات التي خلعها ابن عمر وخلعتها أم المؤمنين على فكرة ترك عمر لأمة محمد دون أن يستخلف عليها من بعده. فهل يعقل أن يكون راعي
وهل يعقل أن يكون ابن عمر وأم المؤمنين أكثر رأفة ورحمة من النبي بأمته؟
ثم إن فكرة موت النبي دون أن يبين لأمته من يخلفه من بعده، أو يبين على الأقل الطريقة لتعيين خليفته من بعده، فكرة تتعارض تماما مع كمال الدين وتمام النعمة، وتتعارض مع العقل، ومع طبيعة الدين الإسلامي، ومع قدرة المجتمع الإسلامي الذي لم يمض على تكوينه أكثر من عشر سنوات، وهي فكرة ليست عملية وليست معقولة.
ثم إن الفكرة منافية تماما لما تعارف عليه البشر طوال التاريخ، فرئيس الدولة هو مركز التدبير والتخطيط في الأمة، وهو رمز وحدتها، فإذا اختفى مركز التدبير والتخطيط، ولم يتوفر المركز البديل فورا، فإن عقد الأمة سينفرط، وسيركب كل واحد رأسه، وتسير كل جماعة مع هواها.
وقد ترفع الشارع الوضعي عن السقوط بمثل هذا الفخ، فلا يوجد في الدساتير المعاصرة، ولا حتى في الأنظمة السياسية البائدة، ما يؤيد فكرة أن يموت الرئيس دون بيان شخص من يخلفه، حتى أن التجمعات القبلية أو الأسرية تستهجن مثل هذا العمل وتستغربه، ولها أعراف تنظمه، بحيث تكون النقلة طبيعية بين شيخ القبيلة السابق واللاحق.
فدستور الدولة أو رئيسها عادة هو الذي يعين سلفا الشخص الذي يتولى الرئاسة في حالة خلو منصب الرئيس لأي سبب، أو عند اللزوم يصف هذا الشخص، سواء أكان شخصا طبيعيا كولي عهده، أو شخصا اعتباريا كمجلس أو هيئة تتكون من عدة أشخاص، لتقوم بإدارة دفة الدولة وتصريف أمورها ريثما ينسب أو يعين رئيس جديد.
تلك حقيقة لا يملك عاقل أن يجادل بها، لأن البديل الآخر هو الشر، وتعريض وحدة الأمة للخطر، ووضع مستقبل الدولة في مهب الريح.
والأهم من ذلك أن المنظومة الحقوقية الإلهية منظومة سماوية، وقد بينت كل شئ، أجمله القرآن أو فصله وبينه الرسول وطبقه، وخلو الدين من هذا الأمر الرئيسي والخطير
هذا أمر غير وارد قطعا تدحضه النصوص الشرعية القاطعة، وتكذبه!! راجع كتابنا النظام السياسي في الإسلام صفحة 35 وما فوق.
وفي الشرائع الوضعية لا علم لي أن دستورا مكتوبا أو عرفيا لم ينص على من يتولى السلطات في حالة غياب رئيس الدولة أو موته، ولا علم لي على الإطلاق أن رئيسا قد مات دون أن يكون معروفا من سيخلفه!! راجع صفحة 42 من كتابنا النظام السياسي، وراجع باب القيادة السياسية من كتابنا نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام.
17 - إذا كانت إشاعة الترك صحيحة فهي سنة
إذا كانت إشاعة أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ترك أمته بدون راع، وترك القرآن الذي أنزل الله عليه دون جمع ودون مبين، أو بتعبير آخر (إذا كان الرسول قد خلى على الناس أمرهم) كما يقال فمعنى ذلك أن فعل الرسول هذا سنة فعلية واجبة الاتباع، لماذا؟ لأن الرسول قدوة بالنص الشرعي، ولأن طاعته هي طاعة الله، ومعصيته هي معصية الله، ولأنه من جهة أخرى هو الأعلم إطلاقا والأفهم بالمقاصد الإلهية من تنزيل الرسالة!
18 - من هو الذي اتبع هذه السنة الفعلية؟
لو استعرضنا التاريخ السياسي الإسلامي لعهد ما بعد النبوة، ومن اليوم الذي تولى فيه أبو بكر (رضي الله عنه) ولاية المسلمين إلى اليوم الذي سقط فيه آخر سلاطين بني عثمان، لم نجد على الإطلاق أن أي واحد من الخلفاء قد اتبع هذه السنة فترك الأمة بدون راع أو خلى على الناس أمرهم!
بمعنى أن سنة الترك والتخلية هذه لم يتبعها أحد على الإطلاق، وأن الأمة قد أجمعت طوعا وكرها على تجاهل سنة الترك هذه أو التخلية - كما يسمونها - إن كانت هذه الإشاعة صحيحة، وإن كان الترك أو التخلية سنة.
19 - الحاكم الوحيد الذي ترك أمته ولا راعي لها من بعده
باستعراض ادعاءات القوم التي تجمع على أن رسول الله ترك أمته دون أن يعين لها راعيا من بعده، وترك دينه دون أن يحدد من هو المخول بالبيان من بعده، وباستعراض وقائع التاريخ السياسي الإسلامي لعهد ما بعد النبوة، بدءا من خلافه أبي بكر وحتى سقوط آخر سلاطين بني عثمان، لم نجد على الإطلاق أن خليفة من الخلفاء أو حاكما من حكام الأمة قد مات دون أن يعين خليفته من بعده، بمعنى أن كل خليفة كان يعين قبل موته الحاكم الذي سيحكم الأمة بعده، والوحيد الذي لم يعين - حسب ادعاءات القوم - هو رسول الله!!
20 - إثبات هذه الواقعة
1 - أول خليفة لرسول الله كان أبو بكر، قبل أن تدنو منيته دعا عثمان فقال له:
أكتب بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين، أما بعد: ثم أغمي عليه، فكتب عثمان: إني أستخلف عليكم عمر بن الخطاب، ولم آلكم خيرا، ثم أفاق أبو بكر، فقال: إقرأ علي، فقرأ عليه، فكبر أبو بكر وقال: أراك خفت أن يختلف الناس. راجع تاريخ الطبري ط أوربا مجلد 1
لما احتضر أبو بكر (رضي الله عنه) دعا عمر فقال: إني مستخلفك على أصحاب رسول الله يا عمر، وكتب إلى أمراء الأجناد: وليت عليكم ولم آل نفسي ولا المسلمين إلا خيرا. راجع تيسير الوصول مجلد 2 صفحة 48 للحافظ ابن الربيع.
وقال مرة لعبد الرحمن بن عوف معاتبا: إني وليت أموركم خيركم في نفسي، فكلكم ورم أنفه أن يكون له الأمر من دونه. إقرأ ذلك في تاريخ الطبري مجلد 4 صفحة 52، والعقد الفريد مجلد 2 صفحة 254. بمعنى أن أول خليفة بعد النبي لم يمت حتى استخلف، ولم يؤمن بسنة الترك أو التخلية.
2 - لما طعن عمر بن الخطاب دعا ستة كما يروي البلاذري في مجلد 5 صفحة 16 من أنساب الأشراف، ثم دعا صهيبا، فقال: صل بالناس ثلاثا، فليخل هؤلاء النفر في بيت، فإذا اجتمعوا على رجل منهم فمن خالفهم فاضربوا عنقه.
وروى في صفحة 19 أن عمر أمر أصحاب الشورى أن يتشاوروا في أمرهم ثلاثا، فإذا اجتمع اثنان على رجل واثنان على رجل رجعوا في الشورى، فإذا اجتمع أربعة على واحد وأبا واحد، كانوا مع الأربعة، وإن كانوا ثلاثة وثلاثة كان مع الثلاثة الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف. راجع العقد الفريد مجلد 3 صفحة 74 لابن عبد ربه، وراجع طبقات ابن سعد مجلد 3
ويلاحظ أن طلحة كان غائبا في الطائف عند ماله.
ويلاحظ أنه حسب الترتيبات العمرية فإن عثمان هو الفائز، وهو المعين من قبل عمر فعلا، فعثمان هو أول من بايع أبا بكر من زعماء المهاجرين خارج السقيفة، كما ذكر ابن قتيبة في الإمامة والسياسية، وهو أول من شق إجماع بني عبد مناف وبايع أبا بكر، ومن هنا ارتفعت أسهمه عند أبي بكر وعمر، وكان الناس يسمونه في عهد عمر بالرديف - والرديف بلسان العرب هو الرجل الذي بعد الرجل، والعرب تقول ذلك
بمعنى أن عمر (رضي الله عنه) رتب الأمور بحيث يكون الخليفة من بعده هو عثمان بن عفان، وهو يعلم أن عثمان هو الذي سيكون الخليفة من بعده.
وما يؤكد ذلك ما رواه المتقي الهندي في كنز العمال مجلد 3 صفحة 160 أن عمر قال:
بايعوا لمن يبايع له عبد الرحمن بن عوف، فمن أبى فاضربوا عنقه. ومن الواضح أن عبد الرحمن سيختار عثمان، لأن هذه رغبة الخليفة وتوصيته، أنظر إلى قول أبي بكر لعثمان عندما كتب العهد لعمر: والله لو كتبت نفسك لكنت أهلا لها.
وجاء في طبقات بن سعد - طبعة أوربا مجلد 5 صفحة 30 - 31 بترجمة سعيد بن العاص ما خلاصته: أن سعيدا طلب من عمر أرضا ليوسع داره، فذهب معه عمر فزاده، قال سعيد: فقلت: زدني يا أمير المؤمنين، فقال عمر: حسبك، فسيلي الأمر من بعدي من يصل رحمك، ويقضي حاجتك: فآلت الأمور إلى عثمان فوصلني، وقضى حاجتي، وأشركني في أمانته.
بمعنى أن عمر بن الخطاب لم يخل على الناس أمرهم، ولم يترك أمة محمد هملا لا راعي لها من بعده، بل عين عمليا عثمان، لأنه يخشى الفتنة، ويكره أن يترك أمة محمد لا راعي لها، فرضي الله عن عمر.
21 - عثمان بن عفان
قتل عثمان (رحمه الله)، ولو أمد الله في عمره لاستخلف مروان بن الحكم، أو معاوية بن أبي سفيان، أو عبد الله بن سرح، أو غيرهم من وزرائه الناصحين له. ولو أسعفه العمر ما ترك أمة محمد بعده هملا لا راعي لها، على حد تعبير أم المؤمنين.
22 - علي بن أبي طالب
آلت الأمور إلى الإمام بعد مقتل عثمان وبايعه أهل المدينة، وجاءته البيعة من جميع الولايات باستثناء ولاية الشام التي رفضت بيعته تبعا لرفض واليها معاوية.
وقد قتل (عليه السلام) وأوصى بالخلافة من بعده إلى ابنه الحسن، ثم تخلى الناس عن الحسن، وهزمت الشرعية، وانتصرت القوة، بمعنى أن الإمام عليا لم يترك أمة رسول الله بلا راع.
23 - معاوية بن أبي سفيان والدولة الأموية
ومعاوية في عنفوان صحته استخلف من بعده ابنه يزيد بن معاوية، وهكذا كل ملوك بني أمية... فما من ملك من ملوكهم إلا وقد عين الخليفة الذي سيحكم الأمة من بعده، لأنه من غير المعقول أن يترك الحاكم أمته هملا ولا راعي لها من بعده. واستمرت هذه السنة حتى زال الملك الأموي.
بمعنى أن الأمويين خالفوا سنة الترك والتخلية المزعومة.
24 - ملك بني العباس
تمكن العباسيون من هزيمة الأمويين وإنهاء ملكهم، وشيدوا على أنقاض الملك الأموي ملكا خاصا ببني العباس ومن شايعهم. ولم يصدف أن مات من بني العباس ملك - وكانت له فرصة للوصية - إلا بعد أن قام بتحديد الملك الذي يأتي من بعده، بل عين أكثرهم وليا للعهد من أول أيام ملكه، وكان يقال: ولي العهد فلان، وولي عهد فلان، واستمرت الأمور على هذه القاعدة حتى سقط ملك بني العباس.
بمعنى أن العباسيين أيضا خالفوا سنة الترك والتخلية المزعومة.
25 - ملك بني عثمان
تمكن العثمانيون من فرض سيطرتهم على العالم الإسلامي، وأقاموا لهم ملكا عظيما على أنقاض ملك بني العباس، ولم يشذ العثمانيون عن قاعدة الاستخلاف، فكل سلطان من سلاطينهم كان يعين قبل موته السلطان الذي يليه، واستمر الأمر على هذه الحال حتى سقط آخر سلاطين بني عثمان، وتهاوى نظام الخلافة، وزالت دولة الخلافة التاريخية. فقد خالفوا سنة الترك والتخلية أيضا.
26 - في محراب التقليد وغفوة العقل
بالرغم من هذه الوقائع التاريخية والحقائق العقلية، فما زال الذين سجنوا أنفسهم في محراب التقليد يرددون - دون إعمال للعقل - إشاعة أن رسول الله ترك أمته دون راع لها من بعده، وأنه لم يستخلف، ولم يبين للناس من يكون الخليفة من بعده!
ويتمادى بهم التقليد، فيرددون إشاعة أخرى مفادها: أن رسول الله ترك القرآن الكريم نفسه دون جمع، فجمعه الخلفاء من بعده!!
وقد عمموا هاتين الشائعتين، وأجمعوا على صحة وقوعهما!!
لست أدري ما هي فائدتهم عندما يجردون رسول الله من فضل جمع القرآن، ويعطون هذا الفضل للخلفاء؟ فهل الخلفاء أحب إليهم من رسول الله؟ إن هذا لشئ عجاب!!!
27 - توضيح وتساؤل
بمعنى أن كل خليفة - وطوال عهد ما بعد النبوة بدءا من خلافة أبي بكر (رضي الله عنه) وحتى سقوط آخر سلاطين بني عثمان - كان يعهد لمن يليه، ويبين الخليفة من بعده، وذلك لغايات نبيلة ومعقولة تدل على بعد نظر، ومن أبرز هذه الغايات:
1 - حتى لا تترك أمة محمد هملا ولا راعي لها، وحتى لا يؤدي الترك إلى الفتنة، كما ذكرت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. راجع الإمامة والسياسة صفحة 22
3 - حتى يسد الخليفة باب الاختلاف من بعده، على حد تعبير أبي بكر (رضي الله عنه)، كما ذكر الطبري في تاريخه، وابن الجوزي في سيرة عمر، وابن خلدون في تاريخه.
4 - من باب الرأفة والرحمة بأمة محمد، حتى لا يتفرقوا من بعد الخليفة، فيختلفوا ويصيروا شيعا بسبب الخلافة.
هذه الأسباب التي استندت إليها كل الخلفاء أسباب وجيهة، ومعقولة جدا ومن كل الوجوه، وشرعية، لكن غابت عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، كيف لحظها كل الخلفاء بالإجماع فاستخلفوا لتجنب محاذيرها ولم يلحظها الرسول؟!!!
الرسول رسول وهو قمة الوعي البشري، ومدعوم إلهيا، والخلفاء ليسوا رسلا ومع هذا وصلوا دونه إلى هذه النتائج الباهرة؟!
إن هذا لشئ عجاب!! وهو على الأقل يشكك بصحة إشاعة أن رسول الله لم يستخلف، أو خلى على الناس أمرهم حسب صيغة الشائعة!!
28 - ابن خلدون يخترع سندا جديدا ومبررا للاستخلاف
في مقدمة ابن خلدون صفحة 177 قال (رحمه الله): إن الإمام (الخليفة) ينظر للناس في حال حياته، وتبع ذلك أن ينظر لهم بعد وفاته، ويقيم لهم من يتولى أمرهم.
29 - معاوية بن أبي سفيان يبتدع سندا جديدا ومبررا لم يسبق إليه
سألت أم المؤمنين عائشة معاوية عن سبب تعيينه لابنه يزيد خليفة من بعده؟
فأجابها معاوية: إن أمر يزيد قضاء من القضاء، وليس للعباد الخيرة من أمرهم.
راجع مجلد 1 صفحة 167 من الإمامة والسياسية لابن قتيبة. وهذا ما أجاب به معاوية عبد الله بن عمر عندما استفسر منه عن سبب استخلافه لابنه يزيد فقال معاوية: إني أحذرك أن تشق عصا المسلمين، وتسعى في تفريق ملتهم، وأن تسفك دماءهم، وإن
30 - امتيازات الخليفة وامتيازات النبي
أجمعوا أن النبي قد مات وترك أمته ولا راعي لها، وأجمعوا أنه ما من خليفة إلا وقد بين للناس من يخلفه، لأن الخليفة مخول من الناس أن ينظر لهم بعد وفاته كما كان ينظر لهم حال حياته - على حد تنظير ابن خلدون - بينما كان الرسول ينظر للناس حال حياته، ولكنه منع من أن ينظر لهم بعد وفاته، بمعنى أن الخليفة كان يتمتع بامتيازات تفوق امتيازات النبي!!!
31 - الإعلان رسميا بأن الخليفة أعظم من النبي
وقد فصلنا ذلك في الفصل السابع من الباب الأول، وبينا أن مقام الخليفة تعاظم حتى بلغ عند شيعة الخلفاء مرتبة لم يبلغها النبي نفسه! فقد بارك مروان بن محمد للوليد بن يزيد خلافة الله علي عباده. راجع تاريخ ابن كثير مجلد 10 صفحة 7 - 8، ووصف الحجاج عبد الملك بأنه خليفة الله وصفيه، كما جاء في سنن أبي داود مجلد 4 صفحة 210، وروى أبو داود في سننه مجلد 4 صفحة 209 الحديث 4642، والمسعودي في مروجه مجلد 3 صفحة 147، وابن عبد ربه في العقد الفريد مجلد 5 صفحة 52، قول الحجاج في خطبة له: رسول أحدكم في حاجته أكرم عليه أم خليفته في أهله؟!!
وفي العقد الفريد مجلد 5 صفحة 51 أنه كتب إلى عبد الملك يعظم أمر الخلافة ويزعم أن السماوات والأرض ما قامتا إلا بها، وأن الخليفة أفضل من الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين.... إلخ.!!!
ثم تلطفوا وأنزلوا من قدر الخليفة فجعلوه مساويا للنبي، فقال الحجاج في خطبة له، كما في سنن أبي داود، والعقد الفريد: إن مثل عثمان عند الله كمثل عيسى... إلخ.
راجع مجلد 4 صفحة 209 من سنن أبي داود، والعقد الفريد مجلد 5 صفحة 51، فمن
حوادث سنة 89، وتاريخ ابن الأثير مجلد 1 صفحة 205، وابن كثير مجلد 9 صفحة 76
وأمر الوليد بن عبد الملك خالد بن عبد الله فحفر بئرا فقال خالد في خطبته على منبر مكة المكرمة: أيها الناس أيها أعظم خليفة الرجل على أهله أم رسوله إليهم، والله لا تعلمون فضل الخلفاء، ألا إن إبراهيم خليل الرحمن استسقى فسقاه الله ملحا أجاجا، واستسقاه الخليفة فسقاه الله عذبا فراتا... إلخ!!
وخطب الحجاج يوما على منبر الكوفة، فذكر الذين يزورون قبر رسول الله فقال:
تبا لهم يطوفون بأعواد ورمة بالية!! هلا طافوا بقصر أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، ألا يعلمون أن خليفة الرجل خير من رسوله!!...
32 - دور الأمة في تعيين الخليفة
الخليفة الغالب القائم هو الذي يعين من يخلفه، لأنه مخول من الناس بذلك، كما يرى ابن خلدون في مقدمته صفحة 177، فما هي حقيقة قول ابن خلدون هذا؟
عمليا لا علاقة للأمة بما يفعله الخليفة، لأن فعل الخليفة قضاء - على حد تعبير معاوية - وليس للعباد الخيرة من أمرهم!
ملك مستتب، ودولة تفرض سلطانها على رعاياها، والكل يتظاهر بالطاعة أو مطيع فعلا، فإذا شعر الخليفة بدنو أجله، أو تبين له أنه لا ولي لعهده، يدعو كبراء دولته إلى وليمة أو جلسة، ويعلن أمامهم أنه قد قرر اختيار فلان وليا لعهده وخليفة من بعده، ويتقبل الكبراء هذا الإعلان ويباركونه، لأنه صادر من الخليفة الغالب الذي دانت له مقاليد الأمور.
ويعلن الكبراء هذا المرسوم على الأمة، ودور الأمة مقتصر على القبول والمبايعة، ومن يعارض هذا القرار فإنما يعارض سلطان الدولة المستقر، وأي فرد له القدرة على معارضة سلطان الدولة؟!!
أنظر إلى قول معاوية لابن عمر عندما استوضح عن تعيين معاوية لابنه يزيد خليفة من بعد معاوية: إنني أحذرك أن تشق عصا المسلمين، وتسعى في تفريق ملتهم، وأن تسفك دماءهم.
هذا الكلام يوجهه معاوية لابن عمر المعروف بكراهيته لأمير المؤمنين علي وموالاته لمعاوية، يوجهه لابن الخليفة، عمر الذي عين معاوية واليا على الشام، فكيف بالشخص العادي الذي يعارض؟
ومن هو أعظم من ولي الله علي؟ فقد هدد بالقتل إن لم يبايع!!
ومن هي أعظم من فاطمة الزهراء؟ فقد هددت بحرق بيتها ولطمت، وأجهضت!!
فالبديل الأسلم بالنسبة للأمة هو قبول قرار الخليفة الغالب، فقراره قضاء، ولا خيرة للعباد من أمرهم، فالخليفة هو الذي يعين، ودور الأمة هو مبايعة من يعينه هذا الخليفة الغالب!!!
33 - الخليفة يعين خليفته
قال قاضي القضاة الماوردي في الأحكام السلطانية صفحة 6 وما فوق وأبو يعلى (الفرا) في الأحكام السلطانية صفحة 7 - 11: الإمامة تنعقد من وجهين بعهد الإمام من قبل... إلى أن يقول: وأما انعقاد الإمامة بعهد من قبله فهو ما انعقد الإجماع على جوازه، ووقع الاتفاق على صحته، لأمرين عمل المسلمون بهما ولم يناكروهما وهما:
أن أبا بكر (رض) عهد بها إلى عمر، فأثبت المسلمون إمامته بعهده، والثاني أن عمر عهد بها إلى أهل الشورى... إلى قوله لم يتوقف على رضا الصحابة، ولأن الإمام أحق بها. الأحكام السلطانية 6 - 7
وقال ابن العربي في شرحه سنن الترمذي مجلد 13 صفحة 229: لا يلزم في عقد البيعة للإمام أن تكون من جميع الأنام بل يكفي لعقد ذلك اثنان أو واحد!!
وقال القرطبي في تفسير (إني جاعلك في الأرض خليفة) فإن عقدها واحد من أهل الحل والعقد فذلك ثابت ويلزم الغير فعله، وذلك خلافا لبعض الناس حيث قال: لا تنعقد إلا بجماعة، ودليلنا أن عمر عقد البيعة لأبي بكر... إلخ.
قال الإمام أبو المعالي: متى انعقدت له الإمامة بعقد واحد فقد لزمت، ولا يجوز خلعه... وإذا انعقدت الإمامة باتفاق أهل الحل والعقد أو بواحد، وجب على الناس كافة مبايعته!
وقال عضد الدين الإيجي في المواقف - المقصد الثالث: إنها تثبت بالنص من الرسول، ومن الإمام السابق بالإجماع... دليلنا ثبوت إمامة أبي بكر... وقال: إذا ثبت حصول الإمامة بالاختيار والبيعة، فإن ذلك لا يفتقر إلى الإجماع، إذ لم يقم عليه دليل من العقل أو السمع، بل الواحد والاثنان من أهل الحل والعقد كاف.... كعقد عمر لأبي بكر، وعقد عبد الرحمن بن عوف لعثمان. راجع المواقف في علم الكلام مجلد 8 صفحة 251 - 253
34 - الخلافة تثبت بالقهر والغلبة
وقال قاضي القضاة الماوردي: إن الخلافة تثبت بالقهر والغلبة، ولا تفتقر إلى العقد، من غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماما، برا كان أو فاجرا، فهو أمير المؤمنين!!!
تكون الجمعة مع من غلب، والدليل على ذلك أن عبد الله بن عمر بن الخطاب قال يوم الحرة، نحن مع من غلب. راجع الأحكام السلطانية صفحة 7 - 8
ومن الطبيعي أن هذا الغالب يتمتع بحق تعيين خليفته من بعده، لأنه ينظر للناس حال حياته، وتبع ذلك أن ينظر لهم بعد وفاته، ويقيم لهم من يتولى أمورهم، كما بين ذلك ابن خلدون في مقدمته صفحة 177
وقد قام تاريخ الخلافة على هذا الأساس، فإذا أخذنا بعين الاعتبار شائعة أن رسول الله ترك أمته ولا راعي لها، أو خلى على الناس أمرهم، نجد أن فعل الخلفاء هو السند الشرعي الوحيد في هذه الناحية، وسند الإجماع ما هو إلا للتقوية، فمن يجرؤ على مخالفة الغالب؟ وهل يتحقق الإجماع بالإكراه؟!!
إن الحقيقة الثابتة هو أن الخليفة القائم هو وحده المختص بتعيين الذي يليه، وأنه لا بديل أمام الأمة، فإما الموافقة أو الفتنة، والموافقة أسلم!
وأنت تلاحظ أن هذه القواعد وضعية من جميع الوجوه، بمعنى أن الحكام قد وضعوها ولا علاقة للشرع بها. لأن التشريع منحصر بالله وبرسوله. ولا يملك أي كان أن يشترك مع الله والرسول بهذه المهمة!
الفصل الرابع
نشأة النظام البديل
1 - مميزات النظام السياسي الإسلامي
لا يختلف اثنان بأن نظام دولة النبي هو النظام السياسي الإسلامي الأمثل والمثال، وما يميزه عن غيره من الأنظمة هو:
1 - أن رئيس الدولة معين من الله تعالى، وأنه هو وحده المخول ببيان المنظومة الحقوقية، بيانا قائما على الجزم واليقين.
2 - أن التشريع في هذه الدولة اختصاص إلهي، بمعنى أن كافة القوانين النافذة في الدولة هي من صنع الله.
3 - أن مهمة النبي ومن آمن معه هي إقناع الناس بقبول القيادة المعينة من الله، وبقبول القوانين التي سنها الله، والتعاون لتطبيق شرع الله تعالى، بدون زيادة ولا نقصان.
2 - النجاح الساحق
نجح النبي بتكوين شعب الدولة، وبإقناعه بقبول الشرع الإلهي والقيادة الإلهية للدولة، وتم نزول الشرع كله، وأعلن الله تعالى كمال الدين وتمام النعمة الإلهية، وتكونت الدولة الإسلامية المثلى، وقادها النبي عشر سنين، وألقت بسلطانها على كامل شبه الجزيرة العربية، ووحدتها ولأول مرة في تاريخ العرب وبلادهم.
وتزاحم الحاضرون بعد هذا الإعلان، وقدموا التهاني لعلي بن أبي طالب، وكان على رأس المهنئيين عمر بن الخطاب، وأبو بكر رضي الله عنهما، حيث قدموا له التهنئة بولايته على المؤمنين من بعد النبي، عندئذ نزل قوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي).
ومن قبل هذا الموقف المشهود سماه النبي خليفة، وأعلنه خليفة من بعده، وسماه أمير المؤمنين وأعلنه أمير المؤمنين، وسماه سيد العرب وأعلنه سيدا للعرب، وسماه إماما وأعلنه إماما للمجتمع المؤمن.
3 - الترتيبات الإلهية
إعلان خلافة علي، وإمارته للمؤمنين، وإمامته للمسلمين، وولايته عليهم، وسيادته على العرب، لم تكن رأيا شخصيا من النبي، إنما هي ترتيبات إلهية لقيادة موكب الإيمان بعد موت النبي. فعلي بما وهبه الله من ملكات خاصة، وبما زقه النبي من علم خاص، هو المؤهل الوحيد لبيان المنظومة الحقوقية بيانا قائما على الجزم واليقين، فقد تربى في كنف النبي، وعاش وإياه تحت سقف واحد طوال حياة النبي، وصاحبه قبل النبوة وبعدها، وتزوج البتول الطاهرة ورزق منها الحسن والحسين وهما ذرية النبي، وهو ابن عبد مناف المكنى بأبي طالب، الذي حمى النبي وحمى دعوته، وربى النبي واحتضن دينه الحنيف، وهو فوق كل ذلك فارس الإسلام الأوحد، فكل شجاعة
كل هذه الإمكانيات ما هي إلا من قبيل الإعدادات الإلهية لمرحلة ما بعد النبوة.
وقد وثقت كل ذلك في باب القيادة السياسية من كتابنا نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام، فليرجع إليها من أراد الوقوف على الأدلة.
4 - الإجمال والتفصيل
بنفس الموقف وبنفس المكان دل رسول الله الأمة على: ما إن تمسكت به لن تضل، كتاب الله وعترته أهل بيته، وبين للحاضرين أن العزيز الحميد أنبأه: بأنهما لن يفترقا ، فالهداية لا تدرك إلا بالاثنين معا، والضلالة لا يمكن تجنبها إلا بالتمسك بالاثنين معا، وبالإجماع فإن علي بن أبي طالب هو عميد أهل البيت، ولا خلاف بين أحد من أهل الملة بأن هذا الحديث الذي يسمى حديث الثقلين، من أصح الآثار، وأثبت السنن المحمدية، وأنه ضارب الجذور بمعناه بنفوس المسلمين، فالصلاة لا تصح دون أن تصلي على النبي وآله، ويتكرر التذكير بذلك خمس أوقات في اليوم فرضا مقضيا.
5 - البساطة والأحكام
الأمة مقتنعة بصواب الترتيبات الإلهية، فعندما ينتقل النبي إلى الرفيق الأعلى تشيعه الأمة مجتمعة بما يليق بجنابه المقدس، ثم تلتفت إلى إمام أهل البيت، فتقدم له التعزية، وتبايعه خليفة للنبي، وإماما للمسلمين، وأميرا للمؤمنين، ومبينا للدين، فتستقيم الأمور ولا يختلف اثنان عليه، فهو عميد أهل البيت، وابن عم النبي وزوج ابنته وهو الفارس الأوحد، وهو رباني هذه الأمة.
وهو بما أوتي من علم، قادر أن يتابع مسيرتي الدعوة والدولة من بعد النبي، فيحل ركن مقام ركن، ويحل الهادي محل النبي، ويقود الأمة إلى شاطئ الأمان، ويفتح أمام الجنس البشري أبواب الأمل والعدالة، ويستقر النظام، ويأخذ طابعا مؤسسيا
6 - ترك الترتيبات الإلهية وإيجاد ترتيبات وضعية
لم ترق الترتيبات الإلهية لبطون قريش، وكيفتها على أنها ترتيبات مجحفة، لم تأخذ بعين الاعتبار حقوق بطون قريش، وتؤدي بالنتيجة إلى الإجحاف. والسبب بهذا التكييف أن تلك البطون مسكونة بالصيغة السياسية الجاهلية التي سادت مكة المكرمة قبل شروق شمس الإسلام، تلك الصيغة القائمة أصلا على اقتسام مناصب الشرف السياسية، بحيث يختص كل بطن بمنصب من هذه المناصب، وبالكيفية التي تم الاتفاق عليها في حينه، وهي كيفية لا غالب فيها ولا مغلوب. ومع الأيام استقرت هذه الكيفية في الأذهان والقلوب، وأصبحت جزءا لا يتجزأ من المعتقدات السياسية الجاهلية، بل إنها تحولت إلى قناعة مطلقة مستقرة تماما في العقل الباطني لبطون قريش، ومن هنا فلا ينبغي أن تعجب إذا قلنا أن هذه القناعة هي التي تفسر عناد بطون قريش بمقاومتها للدعوة المحمدية طوال 13 سنة، وهي وحدها التي تقف وراء حروب بطون قريش العدوانية ضد الإسلام ونبي الإسلام، ولم تستسلم تلك البطون إلا بعد 21 عاما من المقاومة الضارية لدعوة الإسلام ولدولة الإسلام، وبعد أن استفرغت جهدها بالكيد، وأحيط بها، وحوصرت في جزيرة من الشرك، وأغلقت بوجهها كل الأبواب، ولم يبق أمام هذه البطون إلا بابان: باب الدخول بالإسلام، أو باب الموت، فاختارت الدخول في الإسلام.
7 - تعليل موقف رواد الترتيبات الوضعية
منذ اللحظة الأولى التي بزغت فيها شمس الهداية الإلهية، وقفت بطون قريش وقفة رجل واحد ضد نبوة ورسالة محمد بن عبد الله، لا حبا بالأصنام، فليس في الأصنام ما يحب، ولا كراهية بتعاليم الإسلام، لأنه ليس في هذه التعاليم ما تنفر منه الفطرة البشرية، أو يعافه العقل السليم، ولكنها كرهت كرها شديدا أن تكون النبوة في بني
8 - المطلب الأساسي، ورفضه، وعاقبة الرفض
اجتمعت بطون قريش وطلبت من الهاشميين أن يسلموها محمدا لتقتله، أو يخلوا بين هذه البطون وبين محمد حتى تقتله، لأن ما يقوله محمد يمس مصالح هذه البطون الحيوية، كان هذا مطلب قريش عندما فشلت وسائلها الأخرى، وعندما أدركت تصميم النبي على مواصلة الدعوة الإسلامية!
ولأن الهاشميين تاج العرب، وخير بطن بالنص الشرعي، رفضوا بإباء وكبرياء هذا المطلب، وأعلنوا أنهم مع محمد، ولن يسمحوا لأحد من هذه البطون أن يمس شعرة واحدة منه.
عندئذ أجمعت البطون على حصر الهاشميين في شعب أبي طالب، وحاصرتهم ثلاث سنين، وضاقت الدنيا بما رحبت على الهاشميين، حتى اضطروا أن يأكلوا ورق الشجر من الجوع، واضطر أطفالهم أن يمصوا الرمال من العطش، ولكنهم لم يستسلموا!
وفشل الحصار، واستمرت الدعوة رغم مقاومة هذه البطون الضارية، ثم أجمعت تلك البطون على أن تشترك بقتل النبي، وأن يرميه رجالها بقوس واحدة، حتى لا يقوى الهاشميون على المطالبة بدمه، فيضيع بين تلك البطون!
وعندما حزمت أمرها ترك النبي مكة وهاجر إلى المدينة، ونجاه الله من شر تلك البطون ومكرها.
9 - الهاشميون تجاوزوا الحدود بميزان البطون
10 - موقف البطون بعد انتصار النبوة
كل الأبواب قد أغلقت أمام بطون قريش إلا باب الإسلام، وكل وسائلها بالكيد والحرب قد تحطمت، ولم يبق إلا الموت أو الدخول في دين الله، فاختارت الدخول في دين الله، ولكن وهي مسكونة بقناعة الصيغة السياسية الجاهلية، ومقتنعة بأن اختيار النبي من بني هاشم وحدهم فيه إجحاف على البطون الأخرى، ولكن لا حيلة لهذه البطون بمقاومة النبوة الهاشمية أو إلغائها، كأن هذه النبوة قدر، فسلمت تلك البطون بنبوة محمد ورسالته، وأقبلت لتتفهم الدين الجديد وهي تحمل حسدا لبني هاشم، وحقدا عليهم، لأنهم قتلوا الأحبة، وعلى الأخص علي بن أبي طالب! وما فعلته هند بحمزة دليل قاطع على عمق هذا الحقد!!
وقد انصب هدف هذه البطون بالدرجة الأولى على تحجيم الدور الهاشمي، وإيجاد صيغة جديدة للتعايش مع الهاشميين في ظلال الدين الجديد.
هذا تفكير الأغلبية الساحقة من منتسبي بطون قريش.
وباختصار، فالذين أسلموا من بطون قريش أسلموا ونفوسهم مسكونة بهذه القناعة، ولئن استطاع الإسلام أن يوهن أركانها في نفوسهم، إلا أنهم لم يمكنوه من أن
لقد كانت هذه التصورات تنمو في قلوب بعض المسلمين في الخفاء، وتتربص الفرص للتعبير العلني والتواجد الواقعي كتوجه سياسي.
11 - خطة بطون قريش لمواجهة عصر ما بعد النبوة
1 - بطون قريش تحلل الواقع في أواخر عهد النبوة، وتكتشف أن الإسلام قد انتشر انتشارا واسعا، وأن العرب قد توحدوا في ظلال دولة لأول مرة في التاريخ، وأن الجزيرة العربية قد دانت تماما لدولة النبي، وأن النبي قد بدأ يعد العدة ليواجه المسلمون عصر ما بعد النبوة، وكل الدلائل تشير بأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) سيسلم قيادة هذا العصر لابن عمه، وزوج ابنته، وفارس الإسلام الأعظم، علي بن أبي طالب، فها هو يعلنه وليا للمؤمنين مجتمعين في غدير خم، ويعلنه وليا لكل مؤمن ومؤمنة، وها هو النبي يعلنه أميرا للمؤمنين، وخليفة من بعده، ويتوجه بتاج الولاية والإمامة والخلافة أمام جمع يزيد على ماءة ألف، ولم يكتف النبي بذلك بل أعلن ابنه الحسن إماما، وأعلن ابنه الحسين إماما، وأعلن أنهما ابناه، وأنهما سيدا شباب أهل الجنة، وريحانتاه من هذه الأمة، وأن الله جعل نسل كل نبي من صلبه وجعل نسل وذرية محمد من صلب علي.
ومن المثير للانتباه حسب تحليل هذه البطون أن آية المباهلة الواردة في القرآن الكريم، وتطبيقها العملي أمام الصحابة، حصرت الأبناء والنساء والأنفس بمحمد وعلي وفاطمة وحسن وحسين فقط، وتلك إشارة ضوء صارخة تعكس نوايا النبي، وتعكس توجه الترتيبات الإلهية.
والأخطر من ذلك إعلان النبي أن من والاهم فقد والى الله، ومن عاداهم فقد عادى الله!
والأشد خطورة من الجميع أن النبي قد أعلن بأن الصدقات لا تجوز على آل محمد، وأن لهم حقا معلوما في موارد الدولة، وهو خمس الخمس.
ثم إن القرآن طلب من النبي أن يعلن بأنه لا يسأل الناس أجرا على هدايته لهم وإنقاذهم، إلا المودة في القربى... إلخ.
والأنكى من الجميع أن الصلاة عليهم جزء من الصلاة المفروضة!
12 - الكارثة
أدركت بطون قريش ما يرمي له محمد، وفهمت توجه الترتيبات الإلهية، وأنه صار بحكم المؤكد أن قيادة عصر ما بعد النبوة ستكون في بني هاشم، وبالتحديد في علي الذي قتل الأحبة والسادات، ومن بعد علي ستكون في بنيه، فمن يتقدم عليهم وهم أبناء الرسول، ومن يحاربهم وهم ناصية بني هاشم، ومن يرفض الانقياد لهم وهم أبناء النبي، وإذا تحققت هذه النوايا والتوجهات، فمعنى ذلك أن الهاشميين قد أخذوا النبوة، وأخذوا الخلافة معا، أو جمعوا ما بين النبوة والخلافة، وبين الدين والملك معا، وهذا يعني أنهم قد أخذوا الشرف كله، واختصوا بالفخر كله، وحرموا منهما بطون قريش، وتلك والله كارثة برأيهم، الموت خير من مواجهتها أو العيش في ظلالها!!!!
13 - وسائل مواجهة الكارثة
أي مواجهة بين بطون قريش وبين محمد مكتوب عليها الفشل الذريع، فقد هزمها
على صعيد الدولة مجتمعة، واستقطب حوله العرب، ودانت له الجزيرة، فالمواجهة بين
البطون وبين محمد بهذه المرحلة كارثة محققة للبطون، فمحمد هو حبيب الجماهير، وهو