الصفحة 263
بطلها، وهو نبيها، وهو حاكمها، وهو الرجل المدعوم بالعناية الإلهية، ورجالات البطون يستمدون فخرهم وشرفهم من موالاته، فتركوا فكرة المواجهة لأنها فاشلة في هذه المرحلة، وأن طريق المجد والملك الحقيقي هي في موالاة محمد وليس في معاداته.

وإذا كانت معاداة محمد قدرا، فلتكن معاداة منظمة لا تثير حفيظة الجموع الموالية لمحمد، والتي تراه بطلها الأوحد.

14 - الخطة المثلى لمواجهة عصر ما بعد النبوة

تفتقت عقلية بطون قريش عن خطة قبلية سياسية مثلى، تجمع بين الصيغة السياسية الجاهلية وبين نظام الإسلام السياسي، وتقوم على خلط الأوراق، وإعادة ترتيبها من جديد تحت إشراف رجالات البطون المسكونة أنفسهم بمرض الصيغة السياسية الجاهلية، لذلك وضعوا مجموعة من الأوراق لمواجهة الترتيبات الإلهية لعصر ما بعد النبوة والالتفاف عليها.

15 - الورقة الأولى الخلاف العائلي

توصلت رجالات قريش إلى معادلة واقعية مفادها: أن كل البطون القريشية بما فيها البطن الهاشمي ينتمون لقريش، وبما أن محمدا من بني هاشم، وبما أن بني هاشم من قريش فمعنى ذلك أن محمدا من قريش، وأن قبيلة قريش هي عشيرته الوحيدة، والخلاف بين بطون قريش هو خلاف عائلي تماما.

فالهاشميون أولا وأخيرا هم بطن قريشي، وطالما أن محمدا من قريش، وطالما أن قريشا هم أهله وعشيرته، فهم أولى بميراثه وبسلطانه (الله أكبر من ينازعنا سلطان محمد ونحن أهله وعشيرته، إن العرب تأبى أن تولي الخلافة إلا من كانت النبوة فيهم) هذه هي عين الجملة التي استعملها عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) في سقيفة بني ساعدة. ومن هنا نشأت قاعدة أن الأئمة من قريش، لأن قريش عشيرة النبي، وتوطدت هذه القاعدة حتى نقلتها الأمة بالإجماع.


الصفحة 264

16 - الورقة الثانية حل الخلاف العائلي

الخلاف بين بطون قريش وبين بني هاشم هو خلاف عائلي، فالرسول محمد (منا ومنكم) على حد تعبير أبي بكر (رضي الله عنه) للعباس بن عبد المطلب، فالرسول من قريش والبطون كلها قريشية، والهاشميون هم أعدل الناس، وأكثرهم بعدا عن الظلم، فيجب حل الخلاف العائلي بين بني هاشم والبطون حلا عادلا. فالهاشميون اختصوا بالنبوة من دون بطون قريش، وبالنتيجة فالبطون لا تعترض إطلاقا على النبوة الهاشمية ولا تطالب بها، وتبارك بالإجماع لبني هاشم هذه النبوة، ولا ترغب تلك البطون بالإجماع بأي مشاركة في نبوة بني هاشم، وهذا حق وعدل. لكن أن البطون مثل بني هاشم ينتمون لقريش عشيرة النبي، فيجب أن ينالهم نصيب من تركة النبي، وتركة النبي تتلخص بكلمتين: النبوة والخلافة.

وحيث إن الهاشميين قد أخذوا النبوة وحدهم فيجب أن تتوزع بقية التركة وهي الخلافة على البطون، تتداولها في ما بينها وحدها، بدون مشاركة أي هاشمي.

بمعنى أن النبوة لبني هاشم على وجه التفرد والاختصاص، لا يشاركهم فيها أحد من البطون. وهي خالصة لهم. وأن الخلافة لبطون قريش تتداولها على وجه التفرد والاختصاص، لا يشاركهم فيها أحد من بني هاشم، وهي خالصة لهم.

17 - محاسن حل الخلاف العائلي

حل الخلاف بهذه الطريقة هو الحل الأمثل، لتجنب إجحاف بني هاشم، لأن جمع الهاشميين للخلافة مع النبوة يؤدي للإجحاف كما أكد ذلك عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، وهذه القسمة هي الهدى والصواب، كما أكد ذلك عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، أما الترتيبات الإلهية التي تعطي الهاشميين النبوة والخلافة فقد كرهتها قريش، وهي تؤدي لفرقة بطون قريش، كما أكد ذلك سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، وقد وثقنا ذلك في الفصول السابقة، وسنعيد التوثيق.


الصفحة 265

18 - الورقة الثالث عصب دم البطون

أرواح سادات بطون قريش التي أزهقت أثناء حرب النبي مع البطون، والتي سببت أكبر المعاناة لذوي القتلى، وتركت في قلوبهم جراحا لا تندمل، وأحقادا لا تزول، هي أرواح لم يقتلها النبي، إنما يتحمل مسؤوليتها علي بن أبي طالب، فهو الذي قتلهم فعلا بوصفه حامل رايات الرسول في كل المواقع، وبوصفه أقوى فرسان الإسلام على الإطلاق، فقد حصد سادات قريش حصدا، ومن ينسى حمزة ومن ينسى عبيد الله بن الحارث فقد قصم الثلاثة معا ظهر بني أمية، وهؤلاء الثلاثة هم من بني هاشم!

فإذا قبلت بطون قريش بزعامة بني هاشم، عندئذ يصبح الخصم وقاتل الأهل والأحبة هو الحكم والحاكم، وفي ذلك إثارة للأحقاد!

والحل الأمثل هو إبعاد الهاشميين عن مسرح الحدث السياسي، وعزلهم عزلا كاملا لغايات عصب دم البطون التي أريقت في الحروب الإيمانية، ولغايات فتح صفحة جديدة. برأي هذه البطون!!

19 - الورقة الرابعة اختراق المنظومة الحقوقية الإلهية

المشكلة الحقيقية أن مكانة أهل البيت الكرام، وقيادتهم للأمة، ومرجعيتهم موثقة وثابتة بالمنظومة الحقوقية الإلهية - القرآن الكريم والسنة، وإلغاء قيادة أهل البيت من بعد النبي ومكانتهم ومرجعيتهم ليس ميسورا، وهذا يستدعي تعديل نصوص المنظومة الحقوقية الإلهية، وهذا خارج عن طاقة البطون، خاصة القرآن الكريم!

والحل الأمثل بالنسبة لهذه البطون هو اختراق المنظومة الحقوقية الإلهية اختراقا لا يثير حفيظة!!!!

20 - اختراق القرآن الكريم

إذا كانت النصوص الشرعية التي تؤكد قيادة ومرجعية ومكانة أهل البيت الكرام واردة في القرآن الكريم، فلا يمكن اختراقها بالتبديل أو التغيير، لكن اختراق

الصفحة 266
النصوص يتم عن طريق التأويل والتفسير، وحمل النص على عدة معان، وتضييع المقصود الشرعي من خلال التأويل والتفسير والحمل، ويمكن اعتبار هذه النصوص من قبيل المدح الذي لا يكسب الممدوح حقا، ولا يرتب له على الأمة التزاما.

وعند اللزوم يمكن التشكيك بمقاصد النصوص الشرعية، أو تصور عدة مقاصد لها!

فإذا ذكر ذاكر أن الله تعالى قد أذهب الرجس عن أهل البيت وطهرهم تطهيرا، جاءك الجواب سريعا، إن أهل البيت هم نساء النبي وحدهن، ومنهم من يتبرع بالمباهلة إذا كان أهل البيت غير نساء النبي!

وإذا قيل إن النبي لا يسأل أجرا إلا المودة في القربى، قيل: كل قريش قرابة النبي، بل كل العالم أقارب النبي، وهو جد التقي ولو كان عبدا حبشيا!

وإذا قيل: هم أهل الذكر، قيل لك: إن العلماء هم أهل الذكر، وهم ورثة الأنبياء!

وباختصار فلا تجد نصا في القرآن الكريم يتعلق بأهل البيت الكرام أو ببني هاشم، إلا وقد حضرت له البطون ومن والاها عشرات التفسيرات والتأويلات لإخراجه عن معناه الخاص بأهل البيت الكرام، ولا تجد فضلا اختص به أهل البيت الكرام إلا وقد أوجدت بطون قريش لرجالاتها فضلا يعادله عن طريق التفسير والتأويل!

ومع سيطرة البطون وإشرافها على وسائل الإعلام، وهيمنتها على الدولة الإسلامية خلطت كافة الأوراق حتى إذا أخرجت يدك لم تكد تراها.

ولكن الله الذي حفظ كتابه وتعهد بحفظه، جعل برزخا بين تأويلاتهم وبين النص، فالنص القرآني محتفظ بخصوصيته المطلقة، وهو يحفز بصورة مستمرة العقل البشري للعمل والتفكير.

21 - اختراق السنة

القرآن الكريم لا يمكن فهمه فهما قائما على الجزم واليقين إلا بواسطة مبين، فعدد الصلوات وكيفيتها مثلا بينها النبي، ومن هنا فإن قول النبي وفعله وتقريره نصوص لا بد منها لفهم القرآن وبيانه بيانا قائما على الجزم واليقين، ولا غنى إطلاقا للمسلمين

الصفحة 267
عن سنة النبي بفروعها الثلاثة: القول والفعل والتقرير.

ولكن حتى يتم اختراق السنة النبوية والالتفاف على النصوص الشرعية المتعلقة بقيادة الدولة ومرجعية الأمة، وحتى تستقيم أمور الحاكم وتتوطد مرجعيته الواقعية على الأمة، رفع شعار (حسبنا كتاب الله) بمعنى أن القرآن وحده يكفي، ولا حاجة حتى لسنة النبي!!!!

والجدير بالذكر أن هذا الشعار رفع بمواجهة النبي نفسه عندما أراد أن يكتب وصيته للأمة، والذي رفع هذا في وجه النبي هو عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)!

وعندما توج أبو بكر (رضي الله عنه) رفع هذا الشعار رسميا، وتم حصر ما يمكن حصره من الأحاديث النبوية المكتوبة، وأمر أبو بكر بإحراقها! كما ذكر المتقي الهندي في كنز العمال مجلد 5 صفحة 237، وابن كثير في البداية والنهاية، والذهبي في تذكرة الحفاظ مجلد 1 صفحة 5، ومنعت رسميا رواية السنة أو كتابتها، لأن كتاب الله وحده يكفي!!

ولم يختلف الأمر عندما تولى الخلافة عمر (رضي الله عنه)، فقد خطب يوما، وطلب من الناس أن يأتوه بالكتب التي فيها أحاديث رسول الله، ولما جاء الناس بهذه الكتب أمر بإحراقها، كما ذكر ابن سعد في مجلد 5 صفحة 188 من طبقاته، والخطيب في باب تقييد العلم!

وكتب إلى الأمصار يأمرهم بمحو أي شئ من أحاديث النبي! كما ذكر ابن عبد البر في جامع بيان العلم.

وأمر بإتلاف كتب الفرس ومحوها، ومحو كتب مكتبة الإسكندرية الشهيرة. راجع تاريخ ابن خلدون مجلد 1 صفحة 32، وكشف الظنون مجلد 1 صفحة 446، وفهرست ابن النديم في صفحة 334، لأن هدف الخلفاء نجاح شعار (حسبنا كتاب الله) نجاحا تاما.

وقد فصلنا هذه الناحية تفصيلا كاملا، ووثقناها توثيقا مقبولا في الفصل الرابع من هذا الباب، فليرجع إليه من أراد التفصيل.

أما ما خرج عن دائرة المنع من السنة النبوية فيمكن تأويله رسميا تأويلا يخدم توجهات رجالات بطون قريش، فإذا روى راو قول رسول الله: تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي، روى راو آخر: تركت فيكم ما

الصفحة 268
إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا كتاب الله وسنتي، وإذا قيل: إن عليا مولى كل مؤمن ومؤمنة. قيل: إن هذا من قبيل المدح، والله تعالى مولى الجميع.

وباختصار فمن الناحية الرسمية خرجت سنة النبي عمليا من دائرة الحكم والتأثير والنبي على فراش الموت، عندما رفعوا بوجهه وبمواجهته شعار (حسبنا كتاب الله) وهذه المواجهة من الثبوت بحيث لا يجادل فيها أحد، وقد رواها أصحاب الصحاح، وتناقلتها جموع من المسلمين يمتنع عقلا اجتماعهم على الكذب، ولم ينكرها أحد.

وهذا دليل قاطع على نجاح البطون باختراق السنة النبوية بفروعها الثلاثة، وتحييد هذه السنة، وقصر الصراع على البطون من جهة، وعلى الهاشميين من جهة أخرى.

22 - الورقة الخامسة: تدمير القاعدة الاقتصادية لبني هاشم وتتبيعهم للدولة

لقد حرم الله الصدقة على أهل البيت، وخصص لهم جزءا ثابتا من موارد الدولة، وهو خمس الخمس ليضمن لهم الاستقلال الاقتصادي وعدم التبعية الاقتصادية لأحد، لأنهم قيادة الأمة، وفرض هذا الحق في آية محكمة، ولما آلت الأمور إلى بطون قريش ألغوا هذا الحق تماما، وصار أهل البيت يسألون الحاكم عطاءه كما يسأله عامة الناس، ولم تكتف البطون بذلك، إنما أوجدت قاعدة (الأنبياء لا يورثون) فحرموا أهل البيت من تركة النبي، حتى أن العطاءات والمنح التي أعطاها النبي للمسلمين أو أقطعها لغير أهل البيت بقيت على حالها، أما المنح والعطاءات التي أعطاها النبي لأهل البيت، فقد صادرتها البطون! وقصة الزهراء وفدك، خير دليل على ذلك.

وهكذا تحطم الهاشميون من الناحية الاقتصادية، وتركوا عالة على الدولة، ورهناء من الناحية الاقتصادية بمشيئة الحاكم، إن شاء وصلهم، وإن شاء قطعهم.

23 - الورقة السادسة: الغالب له صلاحيات النبي

الفائز من البطون والقابض على مقاليد الأمور، أو الحاكم الغالب هو خليفة النبي، يتمتع عرفيا بكامل الصلاحيات التي يتمتع بها النبي، يعطي ويمنع، يخصص ويعمم،

الصفحة 269
يرفع ويضع، تدين له الأمة بالطاعة، والخارج على طاعته خارج على الأمة وعلى شريعتها الإلهية، وله خصوصيات لم يتمتع بها النبي، فهو الذي يعين ولي عهده، مع أن النبي بإشاعة البطون لم يفعل ذلك! ويوصي أثناء مرضه، والنبي لم تتح له هذه الفرصة!

وسيرة الخليفة ملزمة لخلفه يمكنه أن يجتهد بأي أمر حتى ولو كان عكس سنة النبي! فإذا ساوى النبي بالعطاء يمكن للخليفة أن يفرق بالعطاء، وإذا أعطى النبي المؤلفة قلوبهم، يمكن للخليفة أن يعطي المؤلفة قلوبهم، أو يمنعهم سهمهم، مع أن هذا السهم ورد في آية محكمة!

لذلك لا ينبغي أن نتعجب إذا وجدنا من شيعة البطون من يقول: إن الخليفة أعظم من النبي، علنا وعلى مسمع من كل المسلمين!!

هذه الورقات الست هي وجوه لخطة محكمة، ساعدت على نجاح قسمة البطون القرشية، بحيث اختصت وحدها بالخلافة تتداولها في ما بينها لا يشاركها فيها هاشمي، واختص الهاشميون وبالتحديد أهل البيت بالنبوة لا يشاركهم فيها أحد من البطون، وأقامت نظاما سياسيا فريدا من نوعه أسقط الدولتين الأعظم، وكون أمة إسلامية كبيرة متميزة.

24 - الإمام علي يحلف بالله

حلف الإمام علي قائلا (والله ما تنقم منا قريش إلا أن الله اختارنا عليهم، فأدخلهم في حيزنا فكانوا كما قال الأول:

أدمت لعمري شربك المحض صابحا * وأكلك بالزبد المقشرة البجرا
ونحن وهبناك العلى ولم تكن * عليا وحطنا حولك الجرد والسمرا
المجلد الأول شرح النهج صفحة 404 - تحقيق: حسن تميم.

25 - نماذج من تفكير منظري البطون

قال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) في حديث طويل دار بينه وبين ابن عباس: يا ابن عباس أتدري ما منع قومكم منكم بعد محمد؟ قال ابن عباس: فكرهت أن أجيبه، فقلت: إن

الصفحة 270
لم أكن أدري فإن أمير المؤمنين يدري، فقال عمر:

كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة فتجحفوا على قومكم بجحا بجحا، فاختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت.

قال ابن عباس: فقلت: إن تأذن في الكلام وتمط عني الغضب تكلمت. قال عمر:

تكلم، فقلت: أما قولك يا أمير المؤمنين اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت، فلو أن قريشا اختارت لأنفسها من حيث اختار الله لها، لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود. وأما قولك: إنهم أبوا أن تكون لنا النبوة والخلافة، فإن الله عز وجل وصف قوما بالكراهة فقال (ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم).

إلى أن قال عمر لابن عباس: بلغني أنك تقول حرفوها عنا (أي الخلافة) حسدا وبغيا وظلما؟ قال ابن عباس: فقلت: أما قولك يا أمير المؤمنين ظلما فقد تبين للجاهل والحليم، وأما قولك حسدا، فإن آدم حسد ونحن ولده المحسودون. فقال عمر : هيهات، هيهات، أبت والله قلوبكم يا بني هاشم إلا حسدا لا يزول.

قال ابن عباس: فقلت: يا أمير المؤمنين لا تصف بهذا قلوب قوم أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا! راجع الكامل في التاريخ لابن الأثير مجلد 3 صفحة 24 آخر سيرة عمر من حوادث سنة 23، وراجع شرح النهج لعلامة المعتزلة ابن أبي الحديد مجلد 2، وأورده ابن أبي الحديد في أحوال عمر، وقد أخرجه الإمام أحمد بن أبي الطاهر في تاريخ بغداد بسنده عن ابن عباس، راجع كتابنا النظام السياسي في الإسلام صفحة 141 - 142

26 - نموذج آخر على طريقة منظري البطون

روى المسعودي في كتابه مروج الذهب حديثا جرى بين عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) وبين ابن عباس، فقال: ذكر عبد الله بن عباس أن عمر أرسل إليه فقال: يا بن عباس إن عامل حمص قد هلك وكان من أهل الخير، وأهل الخير قليل، وقد رجوت أن تكون

الصفحة 271
منهم وفي قلبي منك شئ، وأعياني ذلك فما رأيك في العمل؟ قال ابن عباس: لن أعمل حتى تخبرني بالذي في نفسك. قال عمر: وما تريد إلا ذلك؟ قال ابن عباس: أريده فإن يك شيئا أخاف منه على نفسي خشيت منه عليها الذي خشيت، وإن كنت بريئا من مثله علمت أني لست من أهله فقبلت عملك هنالك، فإني قلما رأيتك طلبت شيئا إلا عاجلته.

فقال عمر: يا ابن عباس إني خشيت أن يأتي علي الذي هو (يعني موته) وأنت في عملك، فتقول هلم إلينا ولا هلم إليكم دون غيركم. إني رأيت رسول الله استعمل الناس وترككم!

قال ابن عباس: والله قد رأيت من ذلك فلم تراه فعل ذلك؟ قال عمر: والله ما أدري أخلى بكم عن العمل فأهل ذلك أنتم، أو خشي أن تبايعوا بمنزلتكم منه!...

ولا بد من عتاب وقد فرغت لك من ذلك فما رأيك؟

قال ابن عباس: أرى أن لا أعمل لك. قال ولم لا؟ قلت: إن عملت لك وفي نفسك ما فيها، لم أبرح قذى في عينك. قال: فأشر علي. قلت: إني أرى أن تستعمل صحيحا منك صحيحا لك.

فأنت ترى أنه من فرط حب عمر لمصلحة المسلمين، ومن فرط كراهيته أن يجمع الهاشميون النبوة مع الخلافة، يريد حتى بعد موته أن يتأكد بأن أحدا لن يدعو لبني هاشم، وبالتالي أنهم لن يحكموا أمة محمد!!! راجع كتابنا نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام صفحة 90 وما فوق.

27 - البطون لم تكن غافلة عن غاياتها أثناء حياة النبي

جاء في سنن الدارمي مجلد 1 صفحة 125 باب من رخص في الكتابة من المقدمة، وفي سنن أبي داود - باب كتابة العلم مجلد 2 صفحة 126، وفي مسند أحمد مجلد 2 صفحة 162 و 207 و 216، وفي مستدرك الحاكم مجلد 1 صفحة 105 - 106، وابن

الصفحة 272
عبد البر في جامع بيان العلم وفضله مجلد 1 صفحة 85 قول عبد الله بن عمرو بن العاص:

كنت أكتب كل شئ سمعته من رسول الله فنهتني قريش وقالوا: تكتب كل شئ سمعته من رسول الله، ورسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا؟ فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله، فأومأ بإصبعه إلى فيه وقال (أكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق).

فمن هي قريش التي تنهى عبد الله بن عمرو عن كتابة أحاديث رسول الله؟!

فقريش تتألف من 25 بطنا كما ذكر المسعودي في مروجه مجلد 2 صفحة 291 فهل يعقل أن أفراد البطون القريشية ال‍ 25 هم الذين نهوا عبد الله بن عمرو عن كتابة أحاديث الرسول؟

إن الذين نهوا عبد الله بن عمرو عن كتابة أحاديث رسول الله هم قادة البطون الذين آمنوا بقسمة (النبوة لبني هاشم والخلافة للبطون) وهم أنفسهم الذين منعوا رواية وكتابة أحاديث رسول الله بعد موته، ولم يكتفوا بذلك، إنما حرقوا ما كان مكتوبا من تلك الأحاديث عندما تولوا قيادة الأمة، وذلك بحجة ظاهرية مفادها أن الرسول بشر، مفطور على التكلم بالغضب والرضا، ويريد قادة البطون أن يضعوا كلام الرسول تحت مجهرهم الخاص، فما قدروا أنه مقبول فلا بأس من كتابته، وما قدروا أنه غير مقبول، فلا يجوز أن يكتب! وهم أنفسهم الحكام على تقييم صحة وعدم صحة ما يقوله الرسول؟!!

28 - التشكيك بشخصية الرسول وقوله

ذكر البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات - باب قول النبي من آذيته، ومسلم في صحيحه كتاب - البر والصلة - باب من لعنه النبي وليس له أهلا، ما يلي وبالحرف (إن رسول الله كان يغضب فيلعن ويسب ويؤذي من لا يستحقها، ودعا الله أن يجعلها لمن بدرت منه إليه زكاة وطهورا)!!


الصفحة 273
بهذه البساطة يحاول قادة البطون ومن شايعهم أن يجردوا رسول الله من أعظم صفاته وهي الخلق العظيم، تلك الصفة الثابتة بآيات محكمات، وبنفس الوقت يحاول قادة البطون أن يجردوا رسول الله من أعظم لوازم رسالته، وهو أنه رسول الله لا يتقول، ولا ينطق عن الهوى!!

فأي إنسان عادي يترفع عن سب وشتم وإيذاء الناس بدون حق، فكيف بنبي!!

!

29 - ما هو القصد من هذه الإشاعة؟

الثابت أن رسول الله لعن مروان بن الحكم بن العاص، ولعن ما في صلبه، لمعصيتهم لله ورسوله، ومروان هذا وما في صلبه هم الذين قادوا دولة الإسلام ردحا طويلا من الزمن لأنهم غلبوا!

كيف يتقبل المسلم العادي أن يكون إمامه ملعونا من نبيه؟ وأن يسمع ويطيع لملعون؟ لذلك حملوا مسؤولية اللعن لرسول الله وأنه قد ارتكب بذلك معصية! فقد سب ولعن وآذى مروان بن الحكم وأبا سفيان ومعاوية وهم لا يستحقون ذلك!!!!

لذلك كفر النبي عن ذنبه وألحق هؤلاء الأبرار بدعوة خاصة، ليجعل الله لعنه لهم وسبه إياهم زكاة وطهورا لهم، وخيل للسذج أن الله قد استجاب هذه الدعوة، فزكى الله مروان وذريته وطهرهم، وزكى أبا سفيان ومعاوية وذريتهما وطهرهم! والثابت أيضا أن النبي قد لعن من تخلف عن بعث أسامة، وأبو بكر وعمر تخلفا!

30 - امتياز

وهكذا وبقدرة قادر انقلب الذين لعنهم رسول الله بمعصيتهم إلى أناس مزكين مطهرين، ورفعوا فوق منزلة أهل البيت الكرام، فأهل البيت أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، بينما مروان وذريته وأبا سفيان ومعاوية وذريتهما زكاهم الله وطهرهم تطهيرا، فامتازوا بالتزكية فوق الطهر!!!


الصفحة 274

31 - وحتى لا يكون في صدر العامة حرج

فقد روى البخاري في كتاب بدء الخلق - باب صفة إبليس وجنوده وكتاب الطب - باب هل يستخرج السحر، وباب السحر وكتاب الأدب - باب إن الله يأمر بالعدل، وكتاب الدعوات - باب تكرير الدعاء، وروى مسلم في صحيحه باب السحر ما يلي وبالحرف (إن بعض اليهود سحروا رسول الله حتى يخيل إليه أنه يفعل الشئ وما يفعله)!!!

وروى البخاري في صحيحه - باب قول الله (وصل عليهم) وكتاب الشهادات - باب شهادة الأعمى ونكاحه، وروى مسلم في صحيحه - كتاب فضائل القرآن الكريم - باب الأمر بتعهد القرآن عن عائشة، ما يلي وبالحرف (إن النبي سمع رجلا يقرأ في المسجد فقال: رحمه الله أذكرني كذا وكذا، آية أسقطتها من سورة كذا)!!

وروى البخاري في صحيحه - كتاب الذبائح - باب ما ذبح على النصب والأصنام مجلد 3 صفحة 207، وأحمد في مسنده مجلد 2 صفحة 69 و 86 ما يلي وبالحرف (إن رسول الله قبل أن ينزل عليه الوحي قدم إلى زيد بن عمرو بن نفيل - ابن عم عمر بن الخطاب - سفرة فيها لحم، فأبى أن يأكل منها، ثم قال زيد للنبي: أنا لا آكل إلا مما ذكر اسم الله عليه.

وروى مسلم في صحيحه كتاب الفضائل - باب وجوب امتثال ما قاله شرعا، دون ما ذكره من معايش الناس، وروى ابن ماجة في باب تلقيح النخل ما يلي وبالحرف (أن رسول الله مر بقوم يلقحون النخل فقال: لو لم تلقحوها لصلح، فتركوا تلقيحها فخرج سيصا، فقال: أنتم أعلم بشؤون دنياكم!!

لاحظ منهجية صحيح مسلم في إخراج هذا الحديث إذ ذكره تحت عنوان (وجوب امتثال ما قاله الرسول شرعا، دون ما ذكره من معايش الناس) أي ما يتعلق بشؤون الدنيا لا يتوجب الامتثال به!!


الصفحة 275
فرسول الله كأنه ترك أمر الناس للناس، لأن أحكامه بها ليست صحيحة! كما أشاعوا لذلك أنه خلى على الناس أمرهم!

وهكذا صوروا الرسول الكريم بمثل هذه الصور المؤذية، وشككوا به وبكل ما قاله، لغاية في نفس يعقوب، وسترى بعد قليل كما رأيت من قبل أنهم تصوروا أن الرسول لا يؤمن حتى على كتابة وصيته!!

من أجل هذا منعوا رواية وكتابة أحاديثه 95 سنة كما أثبتناه، وبعد مضي 95 سنة أباحوا الرواية والكتابة! ولولا أئمة أهل البيت الكرام لاندثرت السنة الطاهرة.

* *

الصفحة 276

الصفحة 277

الفصل الخامس
إقامة النظام البديل وتكون أركانه

لمحنا أن رجالات بطون قريش كانت تجري استعداداتها بهدوء وصمت لإقامة نظام سياسي معدل، يحكم عصر ما بعد النبوة، ويأخذ بعين الاعتبار مصالح البطون القريشية ووحدتها حول دين الإسلام، وقد استقر رأي قادة هذه البطون على أن تكون النبوة خالصة لبني هاشم ولآل محمد لا يشاركهم فيها أحد من بطون قريش، وأن الخلافة لبطون قريش تتداولها في ما بينها لا يشاركها فيها أي واحد من آل محمد، واعتقد قادة هذه البطون أن هذا التقسيم هو الصواب بعينه، والتوفيق بذاته.

واستقر قرارهم على اعتماد القرآن الكريم وحده وبالكيفية التي تتلاءم مع التقاطيع الأساسية للنظام البديل المعدل، وبالفهم الذي يراه الحاكم الغالب ومساعدوه، على اعتبار أن هذا الحاكم الغالب هو الخليفة الفعلي لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو ومساعدوه أدرى بمصلحة المسلمين!

1 - في الحجرة المقدسة

كانت أول خطوة علنية وفعلية قام بها قادة البطون للإعلان عن نواياهم وإقامة النظام البديل، في الحجرة المقدسة. ويبدو أن عمر (رضي الله عنه) ومن معه قد استعدوا استعدادا كاملا لهذا المقام، وأنهم ذهبوا جميعا لزيارة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلما دخل عمر ومن معه

الصفحة 278
الحجرة المقدسة، وجدوها غاصة بعواد النبي الذين هرعوا لزيارته في مرضه، فأراد (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يغتنم هذه الفرصة وأن يلخص الموقف نهائيا لأمته، لتتمكن من مواجهة عصر ما بعد النبوة.

2 - رسول الله يتكلم ويشرع بتلخيص الموقف

عيون من في الحجرة المباركة شاخصة نحو النبي، الآذان صاغية، وتكلم النبي بصوت مسموع فقال من حوله (هلم أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده). راجع صحيح البخاري مجلد 7 صفحة 9، وصحيح مسلم مجلد 5 صفحة 75، ومجلد 11 صفحة 95

بشرح النووي.

وفي رواية ثانية أنه قال (إئتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا) راجع صحيح البخاري مجلد 4 صفحة 31، وصحيح مسلم مجلد 2 صفحة 16، ومجلد 11 صفحة 89 - 94 بشرح النووي.

وفي رواية ثالثة أن رسول الله قال (إئتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لم تضلوا بعده).

راجع صحيح البخاري مجلد 1 صفحة 37

وفي رواية رابعة أنه (صلى الله عليه وسلم) قال (إئتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا) صحيح البخاري مجلد 5 صفحة 137، وتاريخ الطبري مجلد 1 صفحة 192 - 193

وفي رواية خامسة أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال (إئتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا).

راجع صحيح البخاري مجلد 4 صفحة 65 - 66

وفي رواية سادسة أن رسول الله قال (هلم أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده) صحيح البخاري مجلد 8 صفحة 161

3 - ما قاله الرسول

الرسول قال جملة واحدة لا ثاني لها، وهي أنه يريد أن يكتب للأمة كتابا لن تضل بعده أبدا، ما هو الخطأ في هذه الجملة؟!!!


الصفحة 279

بطون قريش تعترض

ما أن سمع عمر بن الخطاب جملة رسول الله هذه، حتى وقف محتجا: لا حاجة لنا بهذا الكتاب، (حسبنا كتاب الله) إن النبي قد غلب عليه الوجع، حسب الرواية الأولى والثالثة والسادسة، وحسب الرواية الثانية فقالوا: هجر رسول الله، وحسب الرواية الرابعة فقالوا: ما شأنه أهجر؟ استفهموه! وحسب الرواية الخامسة فقالوا: ما له أهجر؟

استفهموه.

من الذي قال إن النبي قد هجر - حاشا له -

لا أحد في الدنيا كلها يجرؤ على مواجهة رسول الله بهذه الكلمة غير عمر، ولكن إشفاقا من الرواة لم يسندوا هذا القول لعمر، ومع هذا فقد ذكر صاحب تذكرة الخواص السبط بن الجوزي في صفحة 64 من تذكرته، وأبو حامد الغزالي في صفحة 21 من كتابه سر العالمين، أن عمر بن الخطاب هو وحده الذي قال: إن النبي يهجر.

4 - وانقسمت الأمة إلى فريقين

بسبب جملة واحدة قالها رسول الله في بيته، قسم عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) الحاضرين إلى قسمين: القسم الأول وهم حزبه الذين جاءوا معه، وهم يعارضون بشدة أن يتكلم الرسول، أو أن يسمح له بكتابة أي شئ إطلاقا، وحجتهم أن المرض قد اشتد به أو غلبه الوجع أو أنه يهجر - حاشا له -

وهذا الحزب متضامن بالكامل مع عمر بن الخطاب، ويعرف ما يريده تماما، ويبدو أن بينهم وبين عمر (رضي الله عنه) اتفاقا مسبقا، لأن كلمة عمر إن المرض قد اشتد بالرسول أو غلبه الوجع، أو أنه يهجر، أو (حسبنا كتاب الله) لا تكفي وحدها لخلق قناعة فورية للدخول بمواجهة علنية مع النبي، والأقرب إلى المنطق والعقل أن هنالك إعدادا مسبقا ومحكما لهذه المواجهة، بدليل قولهم: القول ما قال عمر.


الصفحة 280
القسم الثاني: وهم بقية الحاضرين في الحجرة المباركة، فقد ذهلوا من موقف عمر ومن معه، ومن إصرارهم على الحيلولة بين النبي وبين كتابة ما أراد!! خاصة وأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يقل خطأ، وأنه يتكلم في بيته لا في بيت عمر، وأنه ما زال رسول الله ونبيه، الذي لا ينطق عن الهوى! ثم إنه ما زال رئيسا للدولة، ثم إنه على الأقل مسلم ومن حقه أن يقول ما يشاء أثناء مرضه، وأن يوصي بما يشاء!!

5 - تنازع الفريقين

تنازع الفريقان، الفريق الأول بقيادة عمر بن الخطاب، والفريق الثاني لا قائد له لأنه تصرف بعفوية تامة، وبدون إعداد مسبق أما فريق عمر فقد كان يعرف ما يريد ويمضي قدما لتحقيق كل ما يريد. وما يعنينا أن الفريقين قد تنازعوا وأكثروا اللغو والاختلاف واللغط والترديد، فعمر (رضي الله عنه) وحزبه هدفهم الحيلولة بين النبي وبين كتابة ما أراد، لأن القرآن وحده يكفي ولا حاجة لكتاب النبي ولا لوصيته، حيث إن الوجع قد غلبه، أو اشتد به المرض، أو بتعبيرهم الأصلي أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) هجر أو يهجر - حاشا له -.

أما الفريق الآخر فلم يستطع فهم ما يجري من جانب عمر وحزبه، لأن رسول الله لا ينطق عن الهوى، وهو ما زال نبيهم ورسولهم ووليهم، ولا يملك لا عمر ولا غيره أن يتأمر على المسلمين والرسول موجود، ولا أن يدعي أنه أعلم بالإسلام وبمصلحة المسلمين من الرسول نفسه!

من هنا تعمقت حدة المنازعة والاختلاف، وتعذر على النبي أن يكتب كتابه الذي أراد!!

6 - النبي يحسم المنازعة

صدم خاطر النبي الشريف من موقف عمر ومن معه، ومن قولهم أن النبي هجر أو يهجر، ومن تفريقهم بين الله وكتابه من جهة وبين رسوله من جهة أخرى، ومن قولهم إن كتاب الله يكفي ولا حاجة لكتاب رسول الله، حتى لو كان تأمينا ضد الضلالة كما

الصفحة 281
وصفه النبي، وأدرك أنه لم يعد ما يبرر كتابة هذا الكتاب في هذا المناخ، واكتفى بالنصوص السابقة.

وكما أثارت كلمة من كلامه حفيظة عمر وحزبه، فإن جملة كريمة أخرى منه حسمت الموقف فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) (قوموا عني) حسب الرواية الأولى، أو قال حسب الرواية الثانية: (دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه) وحسب الرواية الثالثة أنه قال (قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع) وحسب الرواية الرابعة أنه قال (دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه) وحسب الرواية الخامسة قال (ذروني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه) وحسب الرواية السادسة أنه قال (قوموا عني) فانتهت المنازعة، لأن فريق عمر حقق ما أراد، وحال بين الرسول وبين كتابة الكتاب الذي أراد، وما تسببوا بحالة اللغط والتنازع إلا لتحقيق ذلك.

أما الفريق الآخر فقد امتثل لأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)!!

7 - موقفان متخلفان

وأبو بكر على فراش الموت، وقد اشتد به الوجع وغلبه، حتى أنه قال لعثمان بن عفان: أكتب، ثم أغمي عليه من شدة الوجع، ومع هذا كتب في هذه الظروف ما أراد، كما يجمع الرواة بل وتجمع الأمة على ذلك!

وعمر (رضي الله عنه) لا يكف عن القول: أيها الناس إسمعوا وأطيعوا قول خليفة رسول الله، إنه يقول إني لم آلكم نصحا. كما ذكر الطبري في تاريخه ط. أوربا صفحة 2138

فلم يقل (رضي الله عنه): إن أبا بكر قد اشتد به الوجع أو أنه هجر، ولم يقل ساعتها: حسبنا كتاب الله!!!

لو قارنا موقف عمر هذا من أبي بكر، وموقفه السابق من رسول الله، لها لنا ذلك!

ولما وجدنا تفسيرا مقبولا للتوفيق بين هذين الموقفين المختلفين!!!


الصفحة 282

8 - حجر الأساس لنظام عصر ما بعد النبوة

صرح عمر بقناعاته أمام النبي نفسه وأمام كبار الصحابة الذين حضروا، فقال لمن حضر وعلى مسمع من النبي: (حسبنا كتاب الله) ودخل بمواجهة حقيقية مع النبي!

وقال على مسمع من النبي: إنه يهجر أو هجر - حاشا له - ورأى أنه لا ضرورة لأن يكتب النبي كتابه، وأنصاره ضجوا من بعده: القول ما قال عمر، وأيقنوا أن عمر سيقودهم إلى النصر، وزادت ثقة عمر بنفسه بعد أن نجح بالحيلولة بين النبي وبين كتابة ما أراد، وأصر على القيام بدور المؤسس لعصر ما بعد النبوة، وبدور المنظر لتعديل النظام الإلهي!!!

وكانت هذه المواجهة هي حجر الأساس الذي وضعه عمر للنظام الذي سيحكم عصر ما بعد النبوة!

9 - لكي نفهم عصر ما بعد النبوة

نتيجة المواجهة التي جرت أمام النبي وفي حضرته:

1 - خرج النبي عمليا من دائرة التأثير على الأحداث، فقد كانت المواجهة غير متوقعة بهذه الصورة، حسب الموازين الإيمانية.

2 - تلقت الشرعية ضربة ماحقة قصمت ظهرها، فقد أصبح النبي الكريم شيئا، والقرآن شيئا آخر، فصار بالإمكان مخالفة النبي الموجود، والإعتصام بشعار (حسبنا كتاب الله) أو بتعبير أدق: حصر الدين بالقرآن الكريم وحده، وكما يفهم ذلك المتغلب الذي يقود الأحداث!

3 - وضع حجر الأساس عمليا لعصر ما بعد النبوة الذي سيحكمه شعار (حسبنا كتاب الله) فبعد وفاة النبي جمع أبو بكر الناس وقال لهم: إنكم تحدثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشد اختلافا، فلا تحدثوا شيئا عن رسول الله، فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله! راجع تذكرة الحفاظ للذهبي بترجمة أبي بكر مجلد 1 صفحة 2 - 3


الصفحة 283
وزيادة بالاحتياط فقد أمر أبو بكر بحرق 500 حديث كان قد جمعها أصحابها!

راجع مجلد 5 صفحة 233 من كنز العمال.

كذلك فإن عمر بن الخطاب ناشد الناس أن يأتوه بأحاديث رسول الله المكتوبة، فلما أتوه بها أمر بحرقها! كما ذكر ابن سعد في طبقاته مجلد 5 صفحة 140 بترجمة محمد بن أبي بكر.

ويمكنك القول كما أثبتنا، أن السلطة منعت كتابة ورواية أحاديث رسول الله وسنته مدة 95 سنة، واستمر المنع حتى جاء عمر بن عبد العزيز فحاول جهده أن يرفع الحظر عن كتابة ورواية سنة الرسول.

ثم إنك بعد ذلك لن تعجب إذا وجدت معاوية بن أبي سفيان الذي حارب وأباه الإسلام 21 عاما بكل وسائل الحرب يرفع هذا الشعار بمواجهة علي بن أبي طالب، الذي حارب وأهله من أجل الإسلام 23 عاما! فهذا هو معاوية ورهطه يقولون لعلي:

بيننا وبينكم كتاب الله!!!

4 - بروز فكرة التغلب، واعتبارها سببا للوجاهة والمؤسسية، فمن الذي خول عمر (رضي الله عنه) أن يوجه، وأن ينظر، والرسول نفسه موجود!!

ومن الذي قال له إن رأيه هو خير من حكم رسول الله!! أو أنه أعلم بمستقبل هذه الأمة من رسول الله!! أو أنه أفهم بمصلحة الإسلام من رسول الله!!

والأهم من ذلك، فمن الذي أقامه قيما على رسول الله، ليقول أن هذا التصرف من رسول الله مناسب، وذلك غير مناسب!! ومن الذي أعطاه الصلاحية ليتولى أمر القيام بدور المؤسس لعصر ما بعد النبوة!!

إن المبرر لكل ذلك هو فكرة التغلب، فالغالب غالب حتى ولو كان عمر!!

والمغلوب مغلوب حتى ولو كان النبي نفسه!! أو كانت الشرعية بذاتها!!

وجاء العلماء في ما بعد فأقروا بالغلبة سببا لشرعية الحكم والمرجعية، راجع الأحكام السلطانية (للفرا)، والأحكام السلطانية للماوردي تجد صحة هذا السبب عندهم، ثم تصفح وقائع التاريخ تجد أن فكرة الغلبة هي التي سادت وقادت التاريخ السياسي الإسلامي!!


الصفحة 284
هل تتصور أن هنالك آية في القرآن تبيح ذلك؟!! أو أن هنالك حديثا أو سنة عن الرسول تبيح ذلك؟ لا والله لقد أصبح ذلك مباحا بالاستناد إلى قول عبد الله بن عمر بن الخطاب يوم الحرة (نحن مع من غلب).

5 - تقدم التابع على المتبوع وتأمير المفضول على الأفضل، فعمر (رضي الله عنه) تابع بكل الموازين، ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) متبوع بكل الموازين، وعمر هو المفضول بكل الموازين، والنبي هو الأفضل بكل الموازين، ومع هذا نفذ قول عمر ورأيه، وتعطل حكم النبي، وخرجت الشرعية عن دائرة الحكم من اللحظة التي حيل فيها بين الرسول وبين كتابة ما أراد.

ومن هنا وضعت قاعدة: أن بإمكان العالم أن يتكلم، وعلى الأعلم أن يسكت، ونشأت في ما بعد قاعدة: جواز حكم المفضول مع وجود الأفضل إن كانت هنالك مصلحة في ذلك، والذي يقدر هذه المصلحة عمليا هو الغالب!

ولا خلاف بين أهل السنة بالنتيجة حول هذا الموضوع، فمعاوية مفضول وابنه مفضول، ومروان بن الحكم مفضول وأولاده مفضولون، ولكن قدموا لمصلحة وهي وحدة الأمة تحت ظلال حكم الغالب المفضول، بمعنى أن الواقع قاد الشرعية ووجهها ورشدها! والأصل أن تقود الشرعية الواقع وتوجهه وترشده.

وقد حللنا في كتابنا نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام من صفحة 271 وما فوق بما أمكن من التفصيل ما جرى بين النبي وبين عمر (رضي الله عنه) في حجرة النبي المباركة، والنتائج المذهلة التي ترتبت على ما جرى.

10 - عمر يعود للحجرة المقدسة ولكن بعد وفاة النبي

توفي رسول الله منتصف نهار يوم الاثنين، وكان أبو بكر غائبا بمنطقة السنح، وكان عمر حاضرا يراقب بعين ثاقبة، ويرتب لعصر ما بعد النبوة. فجاء (رضي الله عنه) ليعرف حالة رسول الله، واستأذن ودخل الحجرة المقدسة التي شهدت مواجهته للنبي قبل يوم أو بعض يوم، فكشف الثوب عن وجه رسول الله، وتصور أن النبي في حالة غشوة،

الصفحة 285
فقال له المغيرة بن شعبة الذي جاء معه إن النبي قد مات.

11 - اجتماع عمر وأبو بكر رضي الله عنهما

خرج عمر وأخذ يقول: إن رجالا يزعمون أن رسول الله قد مات، إن رسول الله ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى! ومن قال إن رسول الله قد مات علوت رأسه بسيفي!! راجع تاريخ الطبري ط أوربا 1818، فما زال عمر يتكلم حتى أزبد شدقاه، راجع أنساب الأشراف مجلد 1 صفحة 567، والطبقات لابن سعد، وكنز العمال مجلد 2 صفحة 53

وجاء أبو بكر وعمر على هذه الحالة وتلا قوله تعالى (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل....) فقال عمر: هذا في كتاب الله؟ قال أبو بكر: نعم، فسكت عمر! الطبقات لابن سعد، والطبري مجلد 1 صفحة 1817 - 1818، وابن كثير مجلد 5 صفحة 242

وكان ابن أم مكتوم قد قرأ هذه الآية على عمر قبل مجئ أبي بكر، إلا أن عمر لم يتغير ولم يتوقف، فلما جاء أبو بكر وتلا نفس الآية سكت عمر وسكن، وتحول من حالة إلى حالة، وكأن لم يكن به شئ!

لقد اجتمع الاثنان معا، وتأكدا من أن رسول الله قد مات، وبدءا يخططان معا لمواجهة عصر ما بعد النبوة، وإقامة أركان النظام المعدل، الذي سيحكم ذلك العصر، وتصوروا معا أن العناية الإلهية قد قدرت لهما أن يسدا الفراغ الذي أحدثه موت النبي، وأن ينقذا أمة محمد من مصير مجهول تماما.

12 - القوى السياسية المتواجدة في عاصمة النبي عند موته

كانت عاصمة النبي شبكة متداخلة من القوى السياسية.

1 - القوة السياسية الأولى: وهم أهل بيت محمد خاصة، وبني هاشم عامة، وعميد هذه القوة هو علي بن أبي طالب، المعروف بأنه ولي المؤمنين، ووصي النبي،

الصفحة 286
والخليفة من بعده، وقد اشتهر بعلمه الذي لا يجارى، وفروسيته التي لا تبارى، وبمنزلة من النبي منزلة تتقاصر دونها المنازل، حتى أقر العدو والصديق أن منزلته من النبي كمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبيا. ويليه بالشرف ابناه الحسن والحسين، فهما ابنا رسول الله بالنص، وهما إمامان بالنص أيضا. ثم تتوالى دوائر الشرف الهاشمي.

2 - المهاجرون: وهم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة قبل فتح مكة، وتطلق على أبناء بطون قريش ومن والاهم. والهاشميون من المهاجرين ولكن البطون تتخذ موقفا موحدا من بني هاشم، وتنظر للهاشميين نظرة غير مريحة، لأنها مشوبة بروائح التاريخ والقبلية والعواطف الإنسانية المتناقضة.

فالبطون قد أجمعت على محاصرة بني هاشم وفشلت.

والبطون قد أجمعت على قتل النبي وفشلت.

والبطون أعلنت حربها على النبي وقاومت دعوته وفشلت.

والبطون شنت حربا مسلحة على النبي وبني هاشم وفشلت. ثم سلمت واستسلمت لأنه لا بديل عن الإسلام، ولكنها بطبائعها البشرية لن تنسى الأحبة الذين قتلهم الهاشميون خاصة عميدهم علي بن أبي طالب.

وهي لم تقبل مختارة أن يكون النبي من بني هاشم.

وهي لا ترتاح إطلاقا للمكانة التي أعطاها الإسلام لبني هاشم عامة ولأهل البيت خاصة، ولا تطيب نفسا بمكانة علي الدينية.

عمادة البطون القريشية: يبدو واضحا أن بطون قريش لا تقبل أن يكون عميدها بعد النبي من بني هاشم، ويبدو واضحا أن بطون قريش بالإجماع تكره كراهية مطلقة أن يجمع الهاشميون مع النبوة الملك، ولا خلاف بينها على هذا المبدأ، إلا قلة من البطون قد شذوا عن هذا الإجماع. ولسوء الحظ أن عمر بن الخطاب يرى أن هذه الكراهية هي عين الصواب وعين التوفيق.


الصفحة 287
ولسوء الحظ أيضا أن أبا بكر يتعاطف مع مصالح البطون، ويريد إنصافها، ويريد لها أن تجتمع حول الإسلام ولا تتفرق. وأبو بكر رجل وديع يكره المواجهة، ورجل كبير بالسن، والعرب تحترم كبر السن، لذلك فإن عمادة البطون عمليا كانت لعمر، وفخريا كانت لأبي بكر الصديق رضي الله عنهما.

ومما لا شك فيه أن البطون القريشية مجتمعة كانت أقوى القوى السياسية في عاصمة النبي.

3 - الأنصار: وهما الأوس والخزرج والبطون المؤلفة لهذين الرهطين، وقد طبعا على التنافس في ما بينهم، فلم يقبل أحد منهما رئاسة الآخر، وقد لطف الإسلام حدة التنافس وساعد على تصفية النفوس، لكنه لم يقتلع النزعات الخفية للقناعات القبلية، وأكثريتهم تحب من أحب الله ورسوله، وتتعاطف مع الإمام علي.

4 - أبو سفيان وبنو أمية: صحيح أن بني عبد شمس من البطون ولكن موقع أبي سفيان القيادي ومكانته في الجاهلية يأنفان به عن القبول بالتبعية لبني تيم قوم أبي بكر أو بني عدي قوم عمر، فهو مؤمن ومقتنع أن هذين البطنين خلقا ليقادا لا ليقودا.

وقد حاول أبو سفيان أن يتحالف مع علي ضد أبي بكر تحت شعار بني عبد مناف، ولكن عثمان كان في صف أبي بكر، فضلا عن ذلك، فإن أبا بكر وعمر قد استرضياه وتركا له ما بيده من الصدقات، وأمرا ابنه على جيش الشام، فانضم إلى تحالف البطون وتوطد أمر معاوية بعد موت أخيه، وآلت لمعاوية زعامة بطون قريش المتحالفة.

5 - المنافقون: الذين آمنوا بألسنتهم وكفرت قلوبهم وهم قطاع كبير من أبناء المجتمع اليثربي، معروفون، وآخرون غير معروفين، غالبوا النبي فغلبهم، وخادعوا الله فخدعهم، ومكروا وأحاط الله بمكرهم، وكشفهم وعراهم، وبين الوسائل التي تميزهم - ومنها كراهيتهم للنبي، وبغضهم لعلي - وقد هلل