ولكن انقطاع الوحي وغياب الرسول أعطاهم الحرية، خاصة وأن هدف القوى السياسية صار جذب الأعوان وتكثير الأنصار، فدخلوا في حزب الغالب، وكان له دور مهم في توجيه الأحداث!
13 - الصدفة الغريبة
بطون قريش بالإجماع كرهت أن تجمع لبني هاشم النبوة والملك ورأت في ذلك إجحافا بحق البطون، لذلك عملت لأن يختص الهاشميون بالنبوة لا يشاركهم فيها أحد، وأن تختص البطون بالملك لا يشاركها فيها هاشمي، واعتقد رجالات البطون البارزين أن من مصلحة الإسلام أن تتحد بطون قريش حوله، وأن الحكمة ومصلحة الإسلام تقتضي إرضاء البطون وإغضاب بني هاشم، فذلك أفضل وأخف ضررا من إرضاء أهل البيت إغضاب البطون!
وبالصدفة أيضا فإن المنافقين كرهوا محمدا وعادوه طوال حكمه وكفروا برسالته وأنكرت قلوبهم نبوته، وهم بالضرورة يكرهون حكم آل محمد، ويكرهون من يحب محمدا، ويحقدون على النبي وآله. ولكن المنافقين لا يطمعون بالحكم بل يطمعون بالمشاركة، ومشاركتهم لآل محمد غير واردة، ولكن مشاركتهم للبطون ممكنة، وبالتالي فإن استطاع أن يتحالفوا حتى مع الشيطان في سبيل إبعاد آل محمد عن الحكم فلن يتوانوا. لذلك فإنهم أيدوا البطون بعد أن رصدوا حركة المجتمع وطبيعة القوى السياسية المتنافسة.
ورضيت البطون بما فعل المنافقون، وهذا هو السر باختفاء كلمة النفاق والمنافقين
14 - القوتان الرئيسيتان لم تنطلقا معا
القوتان السياسيتان المتنافستان: بطون قريش، وأهل البيت النبوي، لم تنطلقا معا ولم تخطبا ود الأنصار معا. كان قادة البطون ومن والاهم يتحركون معا بحرية تامة، يتشاورون ويخططون، ويتنقلون، ويقودون الواقع ويطورونه لصالح خطتهم في كل لحظة، في الوقت الذي كان آل محمد غارقين في مصابهم الجلل، متحلقين حول الجثمان الطاهر، مشغولين بتجهيزه لمواراته في ضراحه الأقدس، لم يغادروا بيت النبي، وليس بإمكانهم أن يغادروه، فهل من الممكن عقلا أن يتركوا النبي جنازة ودون تجهيز، ويخرجوا لينازعوا الناس سلطانه!!!
هذا من جهة، ومن جهة ثانية، ولو من باب جبر الخواطر لأهل الفقيد، فمن غير الممكن عقلا ودينا أن تقطع البطون هذا الأمر في ما بينها في غياب آل محمد، فعلى الأقل لهم حق المشورة، حتى ولو كانوا من الموالي، هذا على افتراض تجاهل النصوص الشرعية التي رتبت أدق التفاصيل لعصر ما بعد النبوة، وبينت أن الهدى لا يدرك إلا بالتمسك بالثقلين، كتاب الله وعترة النبي أهل بيته، وأن الضلالة لا يمكن تجنبها إلا بالتمسك بالثقلين كتاب الله وعترة النبي أهل بيته، فكيف يمكن للبطون أن تهتدي أو تتجنب الضلالة بغياب عترة النبي وأهل بيته؟!
ومن جهة ثالثة، إن المنظومة الحقوقية الإلهية قد بينت علنا وأمام جمع يزيد على مائة ألف مسلم من هو الولي من بعد النبي، وبينت هارون موسى وهارون محمد، بل وبينت بالنص المحكم أن عليا وحسنا وحسينا كنفس النبي تماما.
ومن جهة رابعة، فإن البطون التي صدمت قيادتها خاطر النبي الشريف، وهو على فراش المرض قبل الموت فقالت بمواجهته: هجر رسول الله أو يهجر - حاشا له -
هذا هو تقدير أهل بيت النبوة للموقف آنذاك.
ثم من هو المؤهل إلهيا ليخلف النبي غير عميد أهل البيت؟!! وكيف يطبق الشرعية من لا يعرف أسرارها من مصادرها؟!!!
15 - الملك العقيم واللحظة الحاسمة
ماذا تعني الشرعية بمواجهة طلب الملك!! وماذا يعني مصاب أهل البيت الكرام أمام إصرار البطون على تعديل الترتيبات الإلهية، وتقسيمها بصيغة جديدة تحقق العدل للبطون وللهاشميين معا، فتأخذ البطون الخلافة وحدها، كما أخذ الهاشميون النبوة وحدهم!!!
إنها لحظة واحدة إذا اغتنمتها البطون فقد حققت النصر الساحق على آل محمد، وأقامت صرح العدالة! وهي لحظة انشغال أهل البيت بتجهيز النبي ومواراته في ضراحه الأقدس، فإذا استطاعت قيادة البطون أن ترتب أوراقها قبل انتهاء آل محمد من تجهيز النبي، عندئذ تواجه البطون آل محمد بقوة الواقع، وبوحدة الأمة، وتصور الآل الكرام بصورة الخارج عن الصف والمفرق لوحدة الأمة وجماعتها!!
أما إذا انتهى الآل الكرام من تجهيز النبي ودفنه قبل أن ترتب قريش أوراقها، فقد بطل التدبير وأحيط بقريش! فمن له حجة كحجة أهل البيت؟ ومن له منطق كمنطق أهل البيت؟ ومن له شرف كشرف أهل البيت؟ ومن له فخر كفخر أهل البيت؟ ومن تدعمه المنظومة الشرعية الإلهية كما تدعم أهل البيت؟ إن الدقائق والثواني من ذهب خالص! إنها خارج وحدة الزمن!!!!
16 - عين عمر بن الخطاب التي لم تنم
عمر بن الخطاب يعرف هذا حق المعرفة، ويعرف أهمية هذه اللحظات، وهو متيقن من صواب تعديل الترتيبات الإلهية (فاختارت قريش لنفسها فأصابت ووفقت) على حد قوله، لذلك لم تنم عينه وركب الهول، وواجه أحب الخلق إلى الله في سبيل هذا الصواب والتوفيق، وهو ماض قدما كالإعصار، يصنع الحدث، ويحركه، ويوجهه، بكفاءة عالية.
17 - الأهداف العليا المراد تحقيقها
الهدف الأول: من الواضح أن هدف البطون ينصب بالدرجة الأولى والأخيرة على منع آل محمد من أن يجمعوا النبوة والملك، حتى لا يجحفوا على قومهم بجحا بجحا، على حد تعبير عمر (رضي الله عنه).
الهدف الثاني: وفي سبيل تحقيق الهدف الأول يتوجب تنصيب خليفة في غياب آل محمد، ومواجهة الآل الكرام بأمر واقع، وبوضع مستقر، فإذا رفض الآل الكرام هذا الأمر الواقع، عندئذ يصطدمون بكل المستفيدين من واقعة تنصيب الخلافة، ومن جهة ثانية يكونون بمواجهة سلطة دولة فعلية، ولا طاقة للآل الكرام على المواجهة في هذه الحالة.
الهدف الثالث: يجب استقطاب الأنصار حول الفكرة وإن أمكن تنصيب الخليفة بمنطقة الأنصار، وبعد التنصيب يخرج الخليفة الجديد محاطا بمؤيديه، ويتوجهون إلى آل محمد ليتأكد الآل الكرام هو أن الأمة هي نفسها التي نصبت الخليفة، وهي بنفسها التي تحيط به وتؤيده، وليس أمام الآل الكرام من سبيل غير تأييد هذا الذي اختارته الأمة، فإذا أيد الآل الكرام من نصبته الأمة فقد أفلحوا ورزقوا العافية، وإن عارضوا
وفي حالة استمرار معارضة الآل الكرام، فيغدو من واجب السلطة الحاكمة أن تقومهم باللين، وأن تردهم إلى طريق الجماعة، فإن استعصى تقويم الآل الكرام، فلا حرج على ولي الأمر الحاكم الفعلي الغالب من أن يسحق الآل الكرام، وأن يحرق عليهم بيوتهم عند الاقتضاء، وتلك رسالة ضمنية لمن تسول له نفسه معارضة الغالب.
هكذا قدرت قيادة البطون الموقف، ورسمت أهدافها على هذا الأساس، وأخذت تتحين الفرص لترجمة هذه الأهداف.
18 - الفرصة الوحيدة
هي تنصيب خليفة النبي قبل أن يفرغ الآل الكرام من تجهيز جثمان النبي ومواراته في ضراحه الأقدس، وهكذا يتم التنصيب في غياب الآل الكرام، وتتجنب البطون مواجهة معهم غير مضمونة النتائج، لأن منطق الآل الكرام ليس كمنطق البطون، وحجة الآل الكرام ليست كحجة البطون، وهيبتهم ونفوذهم وتاريخهم ليس كهيبة البطون ونفوذها وتاريخها، وموقع الآل الكرام في المنظومة الحقوقية الإلهية ودعم النصوص لهم، ليس كموقع بطون قريش ودعم النصوص لها.
وباختصار شديد إما أن تغتنم البطون هذه الفرصة الوحيدة بالذات فتقيم ملكها، وترغم أنف خصمها، وإما أن تضيع هذه الفرصة وكل الفرص اللاحقة وإلى الأبد!
فإذا بايعت الجموع علي بن أبي طالب وهو فتى، فسيحكم طويلا، وسوف يأسرها بعلمه وعدله ورجولته ومكانته الشرعية، وبعد عمر طويل فسيموت علي ويأتي الحسن بن علي على قدر، وتكون الأوضاع مستقرة والحسن إمام بالنص، فهل يقوى ابن عمر أو ابن أبي بكر على منافسة ابن محمد وسيد شباب أهل الجنة؟!!!
وهكذا يذهب المجد من البطون، ويختص الآل الكرام بالنبوة والملك معا!!
راجع بربك سنن الدارمي مجلد 1 صفحة 125 - باب من رخص في الكتابة، وسنن أبي داود مجلد 2 صفحة 126 - باب كتابة العلم، ومسند أحمد مجلد 2 صفحة 192 و 216، ومستدرك الحاكم مجلد 1 صفحة 105 - 106، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر مجلد 1 صفحة 85!!!!
هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن القرآن وحده يكفي حسب رأي عمر، ولا داعي لقول النبي، ولا داعي لتوجيهه الشخصي، حتى وإن كان النبي موجودا.
راجع بربك مواجهة عمر للنبي نفسه في الحجرة المقدسة، وكيف قال على مسمع النبي: (حسبنا كتاب الله) ولا حاجة لنا بكتاب النبي، وكيف قال وحزبه: إن رسول الله قد هجر أو يهجر - حاشا له -.
وقد وثقنا ذلك بست صيغ من روايات البخاري ومسلم، وهما بعد كتاب الله بالصحة كما ألقي بروع الجموع!!
دعك من ذلك ولنرافق البطون في بحثها عن مكان الفرصة، بعد أن أجادت هذه البطون توقيت الفرصة!
19 - إختيار السقيفة مكانا لتنصيب الخليفة
لقد وضعت بطون قريش الخطة كاملة، ولم يبق عليها إلا اختيار مكان تنصيب الخليفة، وإعلان النظام المعدل الجديد، بالوقت المناسب الذي حددته.
20 - سعد بن عبادة وعواده
وتبين لقادة البطون أنه في الوقت الذي مات فيه رسول الله، كان سعد بن عبادة سيد الخزرج مريضا، لا يقوى على الحركة، وهو طريح الفراش، ولا خلاف بين أحد من أتباع الملة على صحة واقعة مرض سعد.
راجع على سبيل المثال تاريخ الطبري ط أوربا مجلد 1 صفحة 1843 ومجلد 2 صفحة 146 حوادث 11 ه، وتاريخ ابن الأثير مجلد 2 صفحة 125، والإمامة والسياسية لابن قتيبة مجلد 1 صفحة 5... إلخ.
ولا خلاف بين أحد من أبناء الملة بأن سعد بن عبادة كان سيد قومه، وركن الأنصار الأول، فابن عبادة وابن معاذ هما سيدا الأنصار بلا منازع، ومن الطبيعي جدا أن يتوافد وجهاء الأنصار على سعد لزيارته، والاطمئنان على صحته، ومن الطبيعي أن يطغى نبأ وفاة النبي على الأحاديث الخاصة التي كانت تجري بين سعد وعواده. وقرب بيت سعد كانت تقع سقيفة بني ساعدة.
21 - الإختيار الموفق
حادثة مرض سعد بن عبادة وتوافد وجهاء الأنصار لزيارته لم تكن خافية على عمر بن الخطاب، فقد أدرك عمر بثاقب بصيرته أن النبي ميت في مرضه لا محالة، والنبي نفسه قد أعلن ذلك لأصحابه. من هنا فإن عمر (رضي الله عنه) كان يرصد كل التجمعات بكفاءة عالية، بما فيها التجمعات التي تجري في بيت النبي نفسه، وكان يحاول أن يوجه هذه التجمعات وأن يسيطر على مجرياتها، ومواجهته للنبي في الحجرة المقدسة وقول عمر (حسبنا كتاب الله) وقوله وحزبه إن رسول الله قد هجر، أكبر دليل على رصده الناجح لكل التجمعات.
فما أن علم بوجود بعض الأنصار في بيت سعد بن عبادة حتى أدرك أن هذا تجمع، وأنه يضم مجموعة من وجهاء الأنصار الذين جاءوا لزيارة سعد بن عبادة، وأن
ولقد نجح عمر (رضي الله عنه) تماما ووفق بتقديره للموقف.
22 - عمر يرتب أعوانه
رتب عمر أعوانه بحيث يأتي قسم منهم إلى السقيفة فيبايعون ويشتركون بزفة الخليفة الجديد، وقسم آخر منهم يبقى بقرب بيت النبي، فإذا أقبل الخليفة الجديد يتحرك هذا القسم ويبايعه أمام الآل الكرام.
يقول عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) وهو يتذكر لحظات السقيفة: ما هو إلا أن رأيت أسلم فأيقنت بالنصر!!!
راجع تاريخ الطبري مجلد 2 صفحة 458 و ط أوربا مجلد 1 صفحة 1143، وفي رواية بن الأثير مجلد 2 صفحة 224 (وجاءت أسلم فبايعت) وقال الزبير بن بكار في الموفقيات برواية شرح النهج مجلد 6 صفحة 287 فقوي بهم أبو بكر.
كيف يوقن بالنصر لمجرد الرؤية؟ مما يعني أنه واثق ثقة مطلقة من تأييد أسلم!
فلما بويع أبو بكر (رضي الله عنه) أقبلت الجماعة التي بايعته تزفه زفا إلى مسجد رسول الله!!
راجع الموفقيات صفحة 578، والرياض النضرة مجلد 1 صفحة 164، وتاريخ الخميس مجلد 1 صفحة 188
23 - الفريق الثاني من أعوان عمر
عندما وصل الخليفة الجديد إلى مسجد النبي صاح عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) بالناس الجالسين حول المسجد وفيه: ما لي أراكم حلقا شتى قوموا فبايعوا أبا بكر فقد بايعته وبايعه الأنصار، فقام عثمان ومن معه من بني أمية فبايعوا، وقام سعد بن أبي وقاص ومن معه من بني زهرة فبايعوا.
راجع الإمامة والسياسة مجلد 1 صفحة 19 لابن قتيبة الدينوري.
أنت تلاحظ أنه بمجرد أن قال عمر: قوموا فبايعوا قام كثير منهم، فالمبايعة لم تكن ثمرة قول عمر، إنما كانت ثمرة تصور سابق ومعروف ومعد له.
راجع كتابنا النظام السياسي في الإسلام صفحة 127 - 129 وكتابنا نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام صفحة 287 وما فوق.
24 - رجال حول عمر (رضي الله عنه)
إن وحدة التصور هي التي وحدت بطون قريش ظاهرة النبوة، فقد وقفت كل بطون قريش ضد النبوة الهاشمية بلا استثناء، واشتركت بطون قريش بمقاطعة الهاشميين وحصارهم ثلاث سنين في شعب أبي طالب بلا استثناء، ووقفت كل بطون قريش بلا استثناء ضد الدعوة 13 عاما، واشتركت بطون قريش بلا استثناء في محاولة قتل النبي، وجيشت بطون قريش جميعا وبلا استثناء الجيوش، وحاربت النبي 8 سنوات بكل وسائل الحرب!!
ثم أحيط بهذه البطون وحصرت في جزيرة من الشرك وسط بحر من الإسلام، فاستسلمت إذ لم يعد أمامها خيار غير الاستسلام، ثم أسلمت مكرهة بعد أن أغلقت أمامها كل الأبواب ولم يبق إلا باب الإسلام، وبلغ إحساسها بالإحباط والمرارة المدى!
ولأنه يتعذر عليها أن تجمع بين الإسلام وبين الحقد على النبي، وبين الدين الجديد وبين حسدها للذي جاء به، فلذلك فقد جيرت بطون قريش كل مشاعرها السلبية
25 - البطون تتحد برئاسة عمر (رضي الله عنه)
نبوة الهاشميين قدر لم يكن هنالك مجال للفرار منه بالرغم من المقاومة الضارية لبطون قريش طوال 21 عاما فليأخذ الهاشميون النبوة وحدهم لا يشاركهم فيها أحد من البطون، طالما أن النبوة قدر لا مفر منه. فلتكن خالصة للهاشميين ولا مانع لدى البطون من ذلك، لكن بطون قريش لا يمكنها أبدا أن تقبل أحكام أو تصريحات الرسول الأخيرة، خاصة إعلانه يوم غدير خم، والتي يفهم منها بوضوح لا لبس فيه بأن الله تعالى يريد أن يجمع لآل محمد الملك مع النبوة، كما جمعهما لآل إبراهيم. لذلك لا ينبغي أن تحمل تصريحات الرسول على محمل الجد، فالرسول يتكلم في الغضب والرضا وهو بشر! كما وثقنا ذلك أكثر من مرة.
فلو حملت البطون أقوال النبي في هذا المجال على محمل الجد فإن هذا يعني جمع الملك مع النبوة لبني هاشم، وفي ذلك إجحاف بحق البطون وقسمة ليست عادلة، فليس من العدل - برأي البطون - أن يجمع الهاشميون النبوة والملك، وأن تحرم البطون منهما، والأقرب للعدل الإلهي أن يأخذ الهاشميون النبوة وحدهم لا يشاركهم فيها أحد من البطون، وأن تأخذ البطون الملك وحدها تتداوله في ما بينها لا يشاركها فيه أي هاشمي طوال التاريخ!!!
وهذا هو التوفيق والصواب بعينه، وهذه هي وسيلة منع الإجحاف الهاشمي، على حد تعبير عمر (رضي الله عنه). راجع الكامل في التاريخ لابن الأثير مجلد 2 صفحة 24 آخر سيرة عمر من حوادث سنة 23، وراجع شرح النهج لعلامة المعتزلة ابن أبي الحديد
ولتعرف الإصرار التاريخي على هذه القسمة والحرص على دوامها. راجع مروج الذهب للمسعودي مجلد 2 صفحة 253 - 254، راجع كتابنا نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام صفحة 331 وما فوق.
ولسوء الحظ أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) كان يؤمن بهذه القسمة، لأنه يحب العدل.
ونتيجة ذلك أصبحت كل البطون فريقا واحدا، وأصبح عمر بن الخطاب هو رئيس هذا الفريق، ترى البطون ما يرى عمر (رضي الله عنه)، فهم رجاله وهو قائدهم.
26 - رجال من الأنصار
استقطب عمر (رضي الله عنه) حوله مجموعة من وجهاء الأنصار، ويبدو أن أكثرهم إخلاصا لعمر هو عويم بن ساعدة، وعندما مات عويم وقف عمر على قبره وقال:
لا يستطيع أحد من أهل الأرض أن يقول أنا خير من صاحب هذا القبر. راجع الإستيعاب لابن عبد البر مجلد 3 صفحة 170 والإصابة مجلد 3 صفحة 4، وأسد الغابة مجلد 4 صفحة 158
وممن استقطب حوله من الأنصار وكان لهم دور بارز في إقامة النظام الذي حكم عصر ما بعد النبوة، أسيد بن حضير، وثابت بن قيس، وسلمة بن سالم، وعاصم بن عدي. وبلغ من وفائهم لعمر أنهم دخلوا بيت فاطمة بنت محمد عنوة، بناء على أوامر عمر، ولو شاء لأحرقوا بيت فاطمة بنت محمد على من فيه!!!
نعم إن كل رجالات بطون قريش يرون ما يرى عمر، فقد قالوا حتى بمواجهة النبي نفسه: القول ما قال عمر!! فكيف في غياب النبي؟ ومن جهة ثانية فإن شخصية عمر قد جذبت كما رأينا مجموعة من وجهاء الأنصار، فصار رأيهم لأكثر من سبب مثل رأي عمر.
27 - فريق واحد من كل الوجوه
تصرفت بطون قريش طوال تاريخها السياسي كفريق واحد، لا فرق بين بطن وبطن طالما أن هدف الجميع، واحد وهو تحقيق العدالة ومنع الهاشميين من أن يجمعوا مع النبوة الملك. ففي سقيفة بني ساعدة قال أبو بكر (رضي الله عنه) مخاطبا الحضور من الأنصار:
إنني ناصح لكم في أحد هذين الرجلين أبي عبيدة بن الجراح أو عمر، فبايعوا من شئتم، راجع الإمامة والسياسة لابن قتيبة صفحة 9، فقال عمر: معاذ الله أن يكون ذلك وأنت بين أظهرنا. راجع تاريخ الطبري مجلد 3 صفحة 198، وشرح النهج مجلد 3 صفحة 17 ومجلد 2 صفحة 103 ومجلد 1 صفحة 27
ومن الطبيعي أن موقف أبي عبيدة لا يختلف، وعندما قالت الأنصار: لا نبايع إلا عليا، رفض الثلاثة هذا العرض، وعندما كتب عثمان وصية أبي بكر قال أبو بكر: لو كتبت نفسك مكان عمر لكنت أهلا للخلافة. راجع مجلد 3 صفحة 429 من تاريخ الطبري، وصفحة 30 من سيرة عمر لابن الجوزي، وصفحة 58 مجلد 2 من تاريخ ابن خلدون.
فالفريق واحد من كل الوجوه، والأهداف واحدة، والغاية هي النجاح، بغض النظر عن شخصية القائد.
28 - في داخل السقيفة
في كتابنا نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام من صفحة 287 وما فوق، أثرنا مجموعة هائلة من الأسئلة، وأثبتنا بالعقل والنقل أن أصل اجتماع سقيفة بني ساعدة كان في الأصل والحقيقة عبارة عن جلسة عادية ضمت مريضا طريح الفراش لا يقوى على الحركة بإجماع المؤرخين، وهو سعد بن عبادة، وضمت عواده وزواره، وأن هذه الجلسة كانت عادية من جميع الوجوه، ولم تخصص أصلا لاختيار خليفة كما روجت الرواية الرسمية، لكن الذي حول هذه الجلسة إلى اجتماع،
يقول الزبير بن بكار في الموفقيات صفحة 580 (وكان عامة المهاجرين وجل الأنصار لا يشكون أن عليا هو صاحب الأمر بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). ومن المؤكد أن المهاجرين الثلاثة ومن دار في فلكهم تطرقوا إلى من سيخلف النبي، فقال الحاضرون من الأنصار: لا نبايع إلا عليا. راجع تاريخ الطبري مجلد 3 صفحة 198، وراجع شرح النهج مجلد 2 صفحة 226. أو قال بعض الأنصار: لا نبايع إلا عليا.
بينما كان فريق البطون على النقيض تماما من هذا التصور، فهو لا يريد عليا، ولو كان فريق البطون يريد عليا لما اختلف عليه اثنان من الأنصار، أنظر إلى قول بشير بن سعد أول من بايع أبا بكر كما روى أبو بكر الجوهري مجلد 6 صفحة 285 لو كان هذا الكلام سمعته منك الأنصار يا علي قبل بيعتها لأبي بكر ما اختلف عليك اثنان، ولكنهم بايعوا، راجع الإمامة والسياسة أيضا تجد هذا النص.
ووجدها فريق البطون وأعوانهم فرصة لتنصيب الخليفة وإعلان التنصيب، فالجلسة عند مريض تحولت إلى اجتماع سياسي، وأخذ أعوان الفريق يتوافدون زرافات ووحدانا، وبوصول بطن أسلم انتصر هذا الفريق! يقول عمر (رضي الله عنه) بالحرف:
ما هو إلا أن رأيت أسلم فأيقنت بالنصر. راجع تاريخ الطبري مجلد 2 صفحة 458
وقال الزبير بن بكار في الموفقيات برواية النهج مجلد 6 صفحة 287 (فقوي بهم أبو بكر) وبايع أنصار فريق البطون سيدنا أبا بكر (رضي الله عنه) ليكون أول خليفة للنبي، والحاضرون المعارضون بين مصدق ومكذب، وكأنهم في حلم!
29 - الزفة
فلما بويع أبو بكر أقبلت الجماعة التي بايعته تزفه زفا إلى مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فصعد منبر الرسول فبايعه الناس حتى أمسى وشغلوا عن دفن رسول الله حتى كانت ليلة الثلاثاء (راجع الموفقيات صفحة 578، والرياض النضرة مجلد 1 صفحة 164 وتاريخ الخميس مجلد 1 صفحة 188)
30 - النجاح الساحق والانتصار العظيم
وبتنصيب الخليفة في الغياب المطلق لآل محمد، وبإعلان التنصيب بالمبايعة، وزف الخليفة من قبل الذين بايعوه، وصعود الخليفة على منبر الرسول، وتكرار بيعة أتباعه له بهر الحاضرون فبايعوا، ومن خلال هذا كله نجحت خطة البطون نجاحا ساحقا، وانتصر عمر (رضي الله عنه) انتصارا عظيما، ومرر رسالة ضمنية لآل محمد أن خليفة النبي موجود، وأن الأمة زفته زفا وبايعته في غيابكم، وها هي الأمة تبايعه على منبر الرسول أمامكم، ففكروا 70 ألف مرة قبل أي تصرف!
إذا أردتم العافية فمعارضتكم للخليفة الجديد واعتراضكم عليه، هو من قبيل الاعتراض على إرادة الأمة والخروج على إجماعها، وبالتالي هو شق لعصا الطاعة ومفارقة للجماعة، مع ما يستتبع ذلك من عواقب وخيمة لآل محمد!!
31 - الغطاء الشرعي لتنصيب الخليفة
في الجلسة التي تحولت إلى اجتماع سياسي قال أبو بكر: نحن أولياء الرسول وعشيرته، وأحق الناس بهذا الأمر من بعده، ولا ينازعنا ذلك إلا ظالم، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء. راجع تاريخ الطبري مجلد 3، وراجع الطبقات لابن سعد مجلد 2، وراجع سيرة ابن هشام مجلد 4، والموفقيات للزبير بن بكار، وراجع الإمامة والسياسة لابن قتيبة.
عند هذه النقطة قام بشير بن سعد فقال: يا معشر الأنصار إنا والله لئن كنا أولي فضيلة في جهاد المشركين، وسابقة في هذا الدين، ما أردنا به إلا رضا ربنا وطاعة نبينا، والكدح لأنفسنا، فما ينبغي لنا أن نستطيل على الناس بذلك، ألا إن محمدا من قريش، وقومه أحق بميراثه وأولى به، وأيم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبدا، فاتقوا ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم.
عند هذه النقطة قام أبو بكر وقال: هذا عمر، وهذا أبو عبيدة، بايعوا من شئتم، فقالا: والله لا نتولى هذا الأمر عليك... إلخ. فنهض بشير بن سعد وبايع أبا بكر، وتوالى أنصار فريق البطون على المبايعة كما أسلفنا، فأعلن تنصيب الخليفة، وتم زفه كما أسلفنا.
بمعنى أن أبا بكر قد نصب خليفة، ودانت له الأنصار أو من حضر من الأنصار، بوصفه من عشيرة النبي، ومن أقرباء النبي، وعشيرة النبي وأقرباؤه هم أولى بسلطانه، ولا ينازعهم بسلطان محمد إلا ظالم، على حد تعبير أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، عندئذ سلم الأنصار بحكم الانبهار.
32 - محاولة لشق صفوف الآل الكرام وتفرقة القرابة
ربما اقترح المغيرة بن شعبة على أبي بكر وعمر أن يذهبا إلى العباس بن عبد المطلب، فيجعلا له في هذا الأمر نصيبا يكون له ولعقبه من بعده، فتكون الحجة على علي إذا مال العباس لهما. فذهبا إلى العباس وتكلم أبو بكر إلى أن قال: على رسلكم بني هاشم
33 - حجة القرابة ترتد على فريق البطون
لما تم لبطون قريش ما أراد، طلبوا من الإمام علي البيعة لهم، فقال الإمام علي: أنا أحق بهذا الأمر منكم، لا أبايعكم، وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من رسول الله، فأعطوكم المقادة، وسلموا إليكم الإمارة، وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار، فأنصفونا إن كنتم تخافون الله، واعرفوا لنا من الأمر ما عرفت الأنصار لكم، وإلا فبوءوا بالظلم وأنتم تعلمون. راجع تاريخ الطبري مجلد 2 صفحة 442
وقال ابن قتيبة في مجلد 1 صفحة 10 من الإمامة والسياسة إن الإمام عليا قال:...
أنا أحق بهذا الأمر منكم لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من رسول الله، وتأخذونه منا أهل البيت غصبا، ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم، لما كان محمد منكم، فأعطوكم المقادة وسلموا إليكم الإمارة، وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار، نحن أولى برسول الله حيا وميتا... إلخ. قال بشير ابن سعد، أول من بايع أبا بكر: لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك يا علي قبل بيعتها لأبي بكر، ما اختلف عليك اثنان (راجع الإمامة والسياسة لابن قتيبة صفحة 12)
34 - لا حاجة لآل محمد
حاول أبو بكر وعمر رضي الله عنهما أن يجذبا العباس إلى صفهما، بأن يجعلا له ولعقبه نصيبا من هذا الأمر، فتكلم أبو بكر وقال قولا لينا ذكره ابن قتيبة في صفحة 15 من الإمامة والسياسة فقال عمر: إي والله، وأخرى أنا لم نأتكم حاجة منا إليكم، ولكنا كرهنا أن يكون الطعن منكم في ما اجتمع عليه العامة، فيتفاقم الخطب بكم وبهم،
35 - جيوب المعارضين الأنصار
أدرك الأنصار أن الوضع الجديد قد استقر، وأن السلطة قد قبضت على مقاليد الأمور تماما في العاصمة، وبيد السلطة الأرزاق، وبيدها الفرص، فهي التي تضع وترفع، وتعطي وتمنع، وتؤمر وتعزل، وهي الغالبة، وبالتالي فإن مصلحة كل فرد من الأنصار أن لا يعاند هذه السلطة، وأن يعبر عن ولائه لها حتى تفسح له السلطة مجالا بالمشاركة، فانبهر الأنصار وبايعوا باستثناء سعد بن عبادة، وقد اكتشفت السلطة أن سعدا معارض عنيد، فأصدر نائب الخليفة عمر بن الخطاب أمرا بقتله بنفس السقيفة، ولكن تعذر تنفيذ الأمر في حينه!
وهذا الخبر قد وصل إلى مرحلة التواتر. راجع تاريخ الطبري، حوادث بعد وفاة الرسول، وراجع الإمامة والسياسة مجلد 1 صفحة 4 وما فوق حيث قال عمر: اقتلوه قتله الله، وقام على رأسه سعد فقال له عمر: لقد هممت أن أطأك.... فأخذ قيس بن سعد بلحية عمر وقال له: والله لو خصفت منه شعرة، ما رجعت وفيك واضحة!
وفيما بعد أصر عمر على أن يبايع سعد بن عبادة، فأبى سعد بن عبادة ذلك، فقال عمر لأبي بكر: لا تدعه حتى يبايع، كما يروي ابن قتيبة، فقال بشير بن سعد (إنه قد أبى ولج، وليس يبايع حتى يقتل، وليس بمقتول حتى يقتل ولده معه وأهل بيته وعشيرته، ولن تقتلوهم حتى تقتل الخزرج، ولن يقتل الخزرج حتى تقتل الأوس، فلا تفسدوا على أنفسكم أمرا قد استقام لكم، فاتركوه فليس تركه بضاركم، فإنما هو رجل) فتركوه وقبلوا مشورة سعد. راجع الإمامة والسياسة صفحة 10 ومات سعد ولم يبايع!
وفي رواية البلاذري أن سعد بن عبادة لم يبايع أبا بكر وخرج إلى الشام، فبعث
راجع أنساب الأشراف مجلد 1 صفحة 589، والعقد الفريد مجلد 2 صفحة 64 - 65
وفي تبصرة العوام أن الرجل كان محمد بن مسلمة الأنصاري، فرماه بسهم فقتله، وقيل إن خالد بن الوليد كان في الشام، يومذاك فأعانه على ذلك. راجع صفحة 32 من تبصرة العوام. وفي رواية ابن سعد مجلد 2 صفحة 145 من الطبقات (أن سعدا جلس يبول في نفق فاقتل فمات من ساعته) وفي رواية بن عبد ربه (رمي سعد بن عبادة بسهم فوجد دفينا في جسده) العقد الفريد مجلد 4 صفحة 259 - 260
والخلاصة: أنه بموت سعد تم تصفية آخر جيوب المعارضة في عاصمة النبي، واستقام للسلطة أمر الأنصار.
36 - تصفية جيوب المعارضة في المهاجرين
أكثرية المهاجرين من البطون يرون ما يرى عمر، والمهاجرون من الموالي انبهروا بما حدث، واقتضت مصلحتهم أن يقفوا مع القوي، والقوي هو السلطة، لذلك لم تكن هنالك مقاومة تذكر من أغلبيتهم، ما عدا خالد بن سعيد الأموي فقد كان عامل النبي على صنعاء، وعندما سمع بوفاة النبي عاد هو وشقيقاه، وتربص شهرين، وقال لعلي:
أمدد يدك أبايعك، فوالله ما في الناس أحد أولى بمقام محمد منك. راجع شرح النهج مجلد 1 صفحة 135 نقلا عن الجوهري في سقيفته، وتاريخ الطبري مجلد 2 صفحة 586
ولقد هم أبو بكر أن يوليه إمارة إحدى الجيوش المتوجهة إلى الشام، فذكره عمر بموقف خالد وتأخره عن البيعة، فعدل أبو بكر وانتهت معارضة خالد عمليا.
وأبو سفيان كان خارج المدينة عند وفاة الرسول، ولما عاد وقد اجتمعت الأكثرية الساحقة على بيعة أبي بكر، أقبل أبو سفيان وهو يقول: والله إني لأرى عجاجة لا
واقترح عمر على أبي بكر أن يترك لأبي سفيان ما بيده من الصدقات، كما روى الجوهري في كتاب السقيفة، وقد أرسله النبي ليجمع له الصدقات، فتركها له.
وليجعل له عمر مصلحة من النظام الجديد عين يزيد بن أبي سفيان قائدا لأحد الجيوش، وأرسل معه أخاه معاوية قائدا، وبموت يزيد تولى معاوية القيادة من بعده، وتسلم ولاية الشام كلها، وبقي واليا طوال عهد الخلفاء الثلاثة. وغير معاوية في ما بعد مجرى التاريخ!
وبرضى أبي سفيان صفيت جيوب المعارضة، راجع كتابنا النظام السياسي صفحة 125 وما فوق.
37 - حقيقة أوضاع عاصمة النبي بعد أسبوعين من وفاته
اختفت نهائيا كلمة النفاق، وعلى كثرة المنافقين إلا أن الله تعالى بقدرة قادر أصلح كافة المنافقين بيوم وليلة، وأصبحت بطون قريش مجتمعة، والأكثرية الساحقة من الأنصار، وما تبقى من سكان المدينة برئاسة الخليفة الجديد في جهة، والآل الكرام في جهة أخرى. بمعنى أن دولة حقيقية وسلطة فتية في جهة، والبطن الهاشمي المبارك الذي أنهكته الحروب وأتعبته المواجهة، وهدته وفاة النبي في جهة أخرى.
38 - محاولات لإقامة الحجة على السلطة
حاول الإمام أن يقيم الحجة على قيادة فريق البطون التي تحولت إلى سلطة حقيقية، وبطريقة ومنهج المنطق والشرع، فنقض حجتهم بالقرابة من النبي كما أسلفنا، لكن السلطة - أي سلطة وبطبيعتها - لا تفهم المنطق الذي يعارض وجودها، ولا تفهم الشرعية إلا في حدود دائرة هذا الوجود، ومن هنا فقد ذهبت محاولات الإمام أدراج الرياح، وأصبحت سطورا في التاريخ، بعد أن فشل المنطق وتنكس رأس الشرعية خجلا!
39 - طبيعة المواجهة مع السلطة
إن مواجهة الهاشميين وحدهم للسلطة الجديدة وبقوتهم الذاتية انتحار، وبكل الموازين العقلية، خاصة وأن السلطة بقيادة نائب الخليفة عمر (رضي الله عنه) تتأهب لسحق من يعارض كائنا من كان، وبكل الوسائل، بما فيها حرق البيوت على من فيها، ولماذا لا فهو رجل البطون الأعظم، وهو مهندس عصر ما بعد النبوة، ثم إنه لا يتصرف بصفته الشخصية، إنما يتصرف كنائب رسمي للخليفة، وكخليفة من الناحية الفعلية، ثم إن له قاعدة شعبية ساحقة! فحنى والنبي موجود رأينا من يقول: القول ما قال عمر.
بل إن هذه القاعدة تجاسرت على النبي نفسه وقالت أمامه - حاشا له - إن النبي يهجر، فما الذي يمنع هذه القاعدة من أن تقول أي شئ بعد وفاة النبي؟
والأهم من ذلك، أن عمر (رضي الله عنه) يتصرف بقناعات مطلقة غير قابلة للمناقشة، فهو يعتقد أن الإصابة والهدى والتوفيق مرهون بعدم جمع الآل الكرام للنبوة مع الملك.
والأهم من ذلك أنه مقتنع بأنه لا ينبغي أن تحمل كل أقوال الرسول على محمل الجد، لأنه بشر يتكلم في الغضب والرضا، لذلك وحتى في حياة الرسول كانوا ينهون عن كتابة أحاديث الرسول!! وقد وثقنا ذلك أكثر من مرة.
ثم إنه متيقن أن القرآن الكريم وحده يكفي، ولا حاجة لأي شئ آخر على الإطلاق، وهو وحده قيم القرآن الكريم!!
وهذا هو السر الذي دفعه لجمع كلما أمكن جمعه من أحاديث الرسول، ثم أصدر القرار بحرق هذه الأحاديث!!
وحتى عندما أراد الرسول نفسه أن يكتب وصيته التي تؤمن المسلمين ضد الضلالة، اعترض عمر على الرسول نفسه، ونجح بالحيلولة بين الرسول وبين كتابة ما أراد.
هذه هي طبيعة السلطة التي يواجهها الآل الكرام! سلطة لها قناعاتها الخاصة، وأساليبها الخاصة، المختلفة بالكامل عن قناعات وأساليب الآل الكرام.
الفصل السادس
الإمام الشرعي يطلب النصرة
1 - الإمام يطلب النصرة لمواجهة السلطة ورد السلطة على ذلك
قال اليعقوبي في مجلد 2 صفحة 105 من تاريخه، وابن أبي الحديد في مجلد 2 صفحة 4 من شرح النهج (واجتمع جماعة إلى علي بن أبي طالب يدعونه للبيعة فقال لهم: اغدوا علي محلقين الرؤوس، فلم يغد عليه إلا ثلاثة نفر).
وقال أبو بكر الجوهري في كتاب السقيفة برواية بن أبي الحديد مجلد 6 صفحة 28 من شرح النهج، وابن قتيبة الدينوري في صفحة 12 من الإمامة والسياسة: ثم إن عليا حمل فاطمة على حمار وسار بها ليلا إلى بيوت الأنصار، يسألهم النصرة، وتسألهم فاطمة الانتصار له، فكانوا يقولون: يا بنت رسول الله قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، ولو كان ابن عمك سبق إلينا أبا بكر ما عدلنا به، فقال علي: أفكنت أترك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ميتا في بيته لم أجهزه، وأخرج إلى الناس أنازعهم في سلطانه!؟
فقالت فاطمة: ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له، ولقد صنعوا ما الله حسيبهم عليه!!
2 - معاوية يشهد على صحة الواقعة ويعللها بما أراد
جاء في شرح النهج لابن أبي الحديد مجلد 2 صفحة 67 وفي وقعة صفين لنصر بن مزاحم صفحة 182 أن معاوية كتب لعلي ما يلي (وأعهدك أمس تحمل قعيدة بيتك ليلا على حمار ويداك في يدي ابنيك الحسن والحسين يوم بويع أبو بكر، فلم تدع أحدا من
قال المسعودي في مروجه مجلد 1 صفحة 414، وابن قتيبة في الإمامة والسياسة (إنه لما بويع أبو بكر في السقيفة، وتجددت له البيعة يوم الثلاثاء خرج علي فقال:
أفسدت علينا أمورنا ولم تستشر، ولم ترع لنا حقا، فقال أبو بكر: ولكني خشيت الفتنة.
3 - أعظم جاهة لنصرة الشرعية
حديث الثقلين من أصح الأحاديث، فقد رواه 35 صحابيا وأجمعت الأمة على صحته، وتناقلته بطريق التواتر، وقد أكد الرسول في هذا النص أن الهدى لا يمكن أن يدرك إلا بالتمسك بالقرآن الكريم وعترته أهل بيته، وأن الضلالة لا يمكن تجنبها إلا بالتمسك بالقرآن والعترة أهل البيت، فهذان هما الثقلان.
وقد وضح النبي أن أهل البيت هم أصحاب الكساء: فاطمة وعلي والحسن والحسين، فهم الأبناء والنساء والأنفس، كما هو ثابت بآية المباهلة، وهم على رأس قائمة المعنيين بآية المودة في القربى.
ثم إن الزهراء هي سيدة نساء العالمين قاطبة، بالنص الشرعي، والحسن والحسين هما سيدا شباب أهل الجنة في الجنة بالنص الشرعي، وعلي بن أبي طالب هو ولي الله بالنص الشرعي، وأمير المؤمنين بالنص الشرعي، وخليفة رسول الله بالنص الشرعي، ووصيه بالنص الشرعي، وسيد العرب وفارسها بالنص الشرعي، والمخول ببيان ما تختلف فيه الأمة من بعد النبي بالنص الشرعي، وهو الهادي بالنص الشرعي. ثم إن عليا وفاطمة والحسن والحسين من الذين أذهب الله عنهم الرجس بالنص الشرعي.
فأي جاهة للأنصار أعظم من هذه الجاهة، فاطمة وعلي والحسن والحسين!!
لقد جاءهم بسادة الدنيا والآخرة، وراجع الأنصار بيتا بيتا طالبا النصرة، والانتصار له وللشرعية، ولكن الأنصار أبت عليه ذلك، لسبب بسيط هو أن أبا بكر سبقه، ولو سبق أبا بكر لما عدلت به أحدا!
وكسر خاطر الجاهة الشريفة، وفشلت مساعي الآل الكرام، واكتشفوا أنهم وحدهم بمواجهة السلطة!
4 - تجميل السلطة ببيعة آل محمد
لقد صرح نائب الخليفة عند مقابلته للعباس ووجوه بني هاشم أنه لم يأت هو وأبو بكر والمغيرة بن شعبة بسبب ضعفه بقوله: وأخرى إنا لم نأتكم حاجة منا إليكم، ولكن كرهنا أن يكون الطعن منكم... إلخ. راجع الإمامة والسياسة صفحة 15
فمعنى ذلك أن مبايعة العترة الطاهرة أهل البيت وعدم مبايعتها سيان عند نائب الخليفة، فهو لا يحتاجهم كما صرح، ولكن من تمام الملك خضوع كل الرعية وطاعتها، وخضوع الآل الكرام وطاعتهم للسلطة عملية تجميلية ليست إلا، وقطع لدابر الطعن وإبراز وحدة الأمة وانصياعها للسلطة.
5 - إما المبايعة أو القتل
قال ابن قتيبة في الإمامة والسياسة مجلد 1 صفحة 11 ثم إن عليا أتي به إلى أبي بكر وهو يقول أنا عبد الله وأخو رسوله، فقيل له بايع أبا بكر فقال: أنا أحق بهذا الأمر منكم، لا أبايعكم، وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي، وتأخذونه منا أهل البيت غصبا، ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم لما كان محمد منكم، فأعطوكم المقادة، وسلموا إليكم الإمارة، وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار. نحن أولى برسول الله حيا وميتا، فأنصفونا إن كنتم تؤمنون، وإلا فبوءوا بالظلم وأنتم تعلمون. قال عمر: إنك لست متروكا حتى تبايع، فقال له علي: إحلب حلبا لك شطره، واشدد له اليوم أمره يردده عليك غدا. وعلى الصفحة 13 من الإمامة والسياسة أنهم قالوا لعلي: بايع، فقال علي:
إن لم أفعل فمه؟ قالوا: إذا والله نضرب عنقك، فقال علي: إذا تقتلون عبد الله وأخا رسوله!! فقال عمر: أما عبد الله فنعم، وأما أخو الرسول فلا!
عندما سمع الإمام ذلك لحق بقبر الرسول يصيح ويبكي وينادي (يا بن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني) سيد العرب، وولي الله، وابن عم رسول الله، وفارس الإسلام الأوحد، ووالد السبطين، وزوج البتول يبكي!! ويهدده عمر بالقتل كأنه أحد السوقة!!! ولم يمض على موت ابن عمه وجد سبطيه، ووالد زوجته إلا يوما أو بعض يوم!!!
إن العرب لم تعرف ذلك حتى قبل الإسلام!!!
العرب تتعاطف مع المصاب، وتخفف عنه!! وتحترم الحزن، وتتفاعل معه!!!
ولكن ما قيمة هذه المشاعر أمام وحدة الأمة وخضوعها وإخضاعها للسلطة، إنها أمة واحدة، لها دولة واحدة وسلطان مطاع واحد، ولا يسمح لأي كان بالخروج على هذا السلطان، أو الجهر بعدم طاعته!!
إن الله تعالى خير المشركين ستة أشهر ليسيحوا في الأرض!!!!
6 - إما المبايعة أو حرق البيت
فاطمة بنت النبي، وعلي زوجها وولي الله بالنص، وسيدا أهل الجنة في بيتهم، ولديهم زوار، تحركت سرية بقيادة عمر بن الخطاب فنادى عمر من في الدار أن اخرجوا؟ فأبوا أن يخرجوا فدعا عمر بن الخطاب بالحطب ووضعه حول البيت وقال:
والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها - أي الدار - على من فيها، فقيل له: يا أبا حفص إن فيها فاطمة!! إن فيها عليا!! وحسنا وحسينا!! كما يعلم، فقال عمر: وإن!! فخرج الزوار وبايعوا، إلا علي.