فآية المتعة لا يصح نسخها إلا بآية وقد بينا عدم صلاحية ما استدل به من آيات على نسخها كما سبق, ولا يمكن ادعاء نسخها بالسنة, لأن السنة لا تنسخ لقرآن, ومن يقول بالنسخ يشترط التواتر, والتواتر غير متحقق في هذه المسألة.
5 - الترتيب الزمني للروايات السابقة وغيرها التي ذكرت تحريم المتعة كما يلي:
المناسبة | الشهر | السنة |
خيبر | المحرم | سنة سبع |
عمرة القضاء | ذي الحجة | سنة سبع |
يوم الفتح | رمضان | سنة ثمان |
غزوة حنين | شوال | سنة ثمان |
أوطاس | شوال (بعد حنين لعشر بقين منه) | سنة ثمان |
تبوك | رجب | سنة تسع |
حجة الوداع | ذي الحجة | سنة عشر |
نستنتج من الجدول أن المتعة أحلت وحرمت سبع مرات خلال ثلاث سنوات فقط, وهذا غريب, فما الحكمة الإلهية إن صح ذلك؟ بل إن المتعة حسب الروايات أبيحت وحرمت ثلاث مرات خلال شهر واحد, فبين حنين وفتح مكة نحو من شهر وبين أوطاس وحنين أيام..هل سمع أحدنا بمسألة شرعية مشابهة؟!
وبما أن أول تحريم ذكر للمتعة كان في خيبر في السنة السابعة للهجرة فهو يعني أن النبي(ص) ترك الصحابة الأجلاء 20 سنة يمارسون هذا النوع الذي يراه فقهاؤنا أمراً مشيناً, ونتساءل هنا لماذا يتركهم رسول الله كل هذه المدة دون أن يحرمه عليهم ما دام نكاحاً مشيناً فإن كان من باب التدرج بهم, ولكي لا ينقلهم مباشرة إلى الزواج الدائم ويلغي المؤقت وذلك لحداثة عهدهم بالجاهلية...فإن افترضنا أن هذا هو مبرر مقبول أفيعقل أن تستلزم تهيئتهم لتقبل النهي 20 سنة كاملة وهم من عاصر النبي(ص) وتمتع بصحبته وتمتع بما للصحبة من ميزات؟!.
____________
36- الأحكام ج3 ص153 / الفصل الرابع في شروط النسخ الشرعي/المسألة العاشرة الخلاف في امتناع نسخ الكتاب بالسنة المتواترة .
استغراب الشافعي من تكرار إباحة المتعة:
حيث يقول: " لا أعلم شيئا أحله الله ثم حرمه ثم أحله ثم حرمه إلا المتعة"(37).
ماذا عما نُسب إلى علي(ر)؟
ورد حديث مضمونه أن علي(ر) يخبر أن النبي(ص) نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الأنسية.
وهذا الحديث كما هو واضح يذكر فيه أن النهي عن المتعة كان يوم خيبر, والمنطقي أن يذكر علي(ر) مناسبة التحريم الوحيدة إذا كان التحريم قد حدث مرة واحدة, أو أن يذكر مناسبة التحريم الأخيرة إذا كان التحريم قد لحقه حل ثم تحريم آخر أو أخير, ثم إن أمر حل المتعة أو حرمتها لا يمكن أن يخفى على علي(ر), وهذا يعني أننا أمام احتمالين: الأول أن الرسول حرم المتعة في يوم خيبر, وكان هذا هو التحريم الوحيد, وبالتالي هو التحريم الأخير , وفي هذه الحالة تسقط كل أحاديث سبرة بن معبد التي تذكر أن الرسول(ص) أحل المتعة يوم فتح مكة أو التي يروي فيها سبرة أن ذلك كان في حجة الوداع ثم حرمها بعد ذلك إلى يوم القيامة.
أما الاحتمال الثاني: فهو أن أحاديث سبرة صحيحة وأن الرسول أحلها بعد خيبر ثم حرمها, سواء كان ذلك في يوم الفتح أو في حجة الوداع...وهنا يصبح قول علي(ر) ضعيفاً لأنه يتحدث عن تحريم لحقه حل أي نسخه حل...والأولى بعلي(ر) وهو من هو في مكانته الفقهية أن يذكر التحريم الأخير حتى يفحم ابن عباس ولا يترك له منفذاً للرد عليه بأنها أحلت بعد ذلك وكفى به رداً دامغاً من ابن عباس حينها فما معنى أن يواجه ابن عباس بتحريم قد تلاه إباحة؟.....وهذا بعض ما دعا العلماء إلى نفي أن يكون النهي عن متعة النساء قد وقع في خيبر وإليك ما ورد من تعليق على هذا الحديث المنسوب لعلي(ر) وذلك على لسان ابن حجر حيث يقول: " قال السهيلي ويتصل بهذا الحديث تنبيه على إشكال, لأن فيه النهي عن نكاح المتعة يوم خيبر وهذا شيء لا يعرفه أحد من أهل السير ورواة الأثر... فذكر بن عبد البر من طريق قاسم بن أصبغ أن الحميدي ذكر عن بن عيينة أن النهي زمن خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأما المتعة فكان في غير يوم خيبر ثم راجعت مسند الحميدي من طريق قاسم بن أصبغ عن أبي إسماعيل السلمي عنه فقال بعد سياق الحديث قال بن عيينة يعني أنه نهى عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر ولا يعني
____________
37- المغني لعبد الله بن قدامه ج7 ص572/كتاب النكاح/ عنوان نهي النبي (ص) عن متعة النساء + كشف القناع للبهوتي ج5 ص106/كتاب النكاح وخصائص النبي (ص) /فصل القسم الثاني من الشروط في النكاح + فقه السنة للسيد سابق ج2 ص 42/ زواج المتعة.
لاحظ عبارته "لتقوم به الحجة على ابن عباس" وهذا ما ذهبنا إليه.
وما يعارض هذا الحديث أيضاً هو الحديث المنسوب لعلي(ر) ونصه: " لولا أن عمر رضي الله عنه نهى عن المتعة ما زنى إلا شقي(39)" , فكيف ينسب علي النهي عن المتعة إلى عمر ثم ينسبه هناك إلى النبي(ص) فلا بد أن حديث خيبر باطل.
إذاً, أين مفتاح القضية ولم هذا التضارب كله؟...الحقيقة أن روايات أخرى يكمن فيها حل التضارب وهي أن الخليفة عمر بن الخطاب (ر) هو الذي منع ممارسة نكاح المتعة باجتهاد شخصي منه, فلعله وجد في ذلك مصلحة للمسلمين, وإليك الروايات:
الصحاح تشير إلى أن الناسخ هو عمر(ر):
إن عمراً(ر) يصرح بأن متعة الحج ومتعة النساء كانتا حلالاً على عهد رسول الله(ص) وأنه يمنع هاتين المتعتين من تلقاء نفسه, وليس لعلمه بأنهما قد نسختا وذلك بقوله الشهير: "متعتان كانتا على عهد رسول الله (ص) أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما متعة الحج ومتعة النساء"(40). انتهى.
وورد في المحلى لابن حزم(41):
____________
38- في فتح الباري شرح صحيح البخاري ج9 ص138/ باب نهي النبي(ص) عن نكاح المتعة أخيراً.
39- جامع البيان لابن جرير الطبري ج 5 ص 19 / القول في تأويل قوله تعالى (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة).
40- والمصادر التي ذكرت قريباً من لفظه (تفسير القرطبي 2/392 تفسير قوله تعالى (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي) + المبسوط للسرخسي 4/27/كتاب المناسك باب القران وصححه + الشرح الكبير لابن قدامة 7/537 /كتاب النكاح باب ما يحرم نكاحه والمحرمات بالأنساب ونكاح أهل الشرك + المحلى لابن حزم 7/107 / بيان أن المتعة عند أبي حنيفة والشافعي أفضل من الإفراد ط دار الفكر + كنز العمال 16/521 كتاب النكاح - الأفعال رقمي الحديث (45722)(45715) + أحكام القرآن للجصاص 1/352 + الفصول في الأصول للجصاص 3/205 / الباب الثامن والخمسون في الصحابي إذا روى خبراً ثم عمل بخلافه + أصول السرخسي 2/6 /فصل في الخبر يلحقه التكذيب من جهة الرواة أو من جهة غيره / الوجه الثالث تعيينه بعض محتملات الحديث + تاريخ بغداد للبغدادي 14/202 + تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر 64/71 /ذكر من اسمه يحيى / يحيى بن أكثم بن محمد... + تهذيب الكمال للمزي 31/214 + تذكرة الحفاظ للذهبي 1/366 باب ترجمة مكي بن إبراهيم وهو من رواة الحديث وقال عنه الذهبي: كان من العباد ووصفه الدارقطني بالثقة المأمون + شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1/182)
41- ج7 ص107/ كتاب الحج/ بيان أن المتعة عند أبي حنيفة والشافعي أفضل من الإفراد.
وقوله "وأضرب عليهما"يفسر تخوف بعض الصحابة (ر) من الرد عليه في اجتهاده هذا.
بل وردت مقولة عمر (ر) في صحيح مسلم, بهذا اللفظ:(42)
عن أبى نضرة قال كان ابن عباس يأمر بالمتعة وكان ابن الزبير ينهى عنها قال فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله فقال على يدي دار الحديث تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قام عمر قال إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء وان القرآن قد نزل منازله فأتموا الحج والعمرة لله كما أمركم الله وأبتوا نكاح هذه النساء فلن أوتي برجل نكح امرأة إلى اجل إلا رجمته بالحجارة * وحدثنيه زهير بن حرب حدثنا عفان حدثنا همام حدثنا قتادة بهذا الإسناد وقال في الحديث فافصلوا حجكم من عمرتكم فانه أتم لحجكم وأتم لعمرتكم.
وقد قال عمر(ر): لا أوتى برجل تزوج متعة إلا غيبته تحت الحجارة.(43)
وبعد كل هذا التهديد الصريح من سيجرؤ على مخالفة عمر(ر) من الصحابة؟
ثم تكررت الروايات التي تشير إلى أن المتعة كانت حلالاً في عهد النبي(ص) وعهد أبي بكر إلى أن رأى عمر (ر) منعها والروايات كما يلي:
- اخبرنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير قال سمعت جابر بن عبد الله يقول كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث.(44)
- عن أبي نضرة قال كنت عند جابر بن عبد الله فأتاه آتٍ فقال ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين فقال جابر فعلناهما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نهانا عنهما عمر فلم نعد لهما.(45)
- وعن عطاء قال: "سمعت جابر بن عبد الله يقول: "تمتعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ونصفا من خلافة عمر ثم نهى عنها عمر الناس".(46)
____________
42- ج4 ص38 / باب في المتعة بالحج والعمرة .
43- تفسير القرطبي ج5 ص132.
44- صحيح مسلم ج 4 ص 131 . /كتاب النكاح/باب نكاح المتعة.
45- صحيح مسلم ج4 ص131 /كتاب النكاح/باب نكاح المتعة..
46- بداية المجتهد ونهاية المقتصد.للإمام ابن رشد القرطبي ج2 ص47/ كتاب النكاح/ الباب الخامس في الأنكحة المنهي عنها بالشرع والأنكحة الفاسدة وحكمها/ المطلب الثاني نكاح المتعة.
هل نهى الخليفة (ر) عن المتعة لعلمه بأنها نسخت؟
من الروايات السابقة نستنتج ما يلي:
لا يقال أن عمراً (ر) نهى عن المتعة لعلمه بأن رسول الله نسخها, لأن هذا الكلام باطل من عدة وجوه:
النص ظاهره صريح بأن عمراً(ر) هو من ألغى نكاح المتعة, و القاعدة المشهورة في تفسير النصوص أنه لا يجوز صرف النص عن ظاهره بدون دليل يوجب صرفه إلى معنى آخر, فما القرينة التي توجب صرف هذا النص عن ظاهره؟!
إن عمراً (ر) أعلن نهيه عن المتعة كما هو واضح من النصوص عندما تولى منصب الخلافة, بل إن المتتبع للنصوص يجد أنه نهى عن المتعة بعد النصف الأول من خلافته, وهنا يطرح السؤال نفسه: "إن كان (ر) سمع نسخ المتعة من رسول الله (ص) فلم لم يبلغه للناس في عهد أبي بكر؟ لماذا كانت الروايات تقول أن الصحابة (ر) كانوا يتمتعون حتى نهاهم عمر عن ذلك في أيام خلافته؟أم هل كان جاهلاً بالنسخ - حاشاه - كل تلك الفترة ثم علم به في النصف الثاني من خلافته؟ وهل يعقل أن من كان بمنزلة عمر(ر) أن تخفى عليه مسألة النسخ؟ ونسخ ماذا؟ نسخ موضوع اجتماعي حساس كالزواج؟!!
على أنه (ر) نفسه لم يدعي النسخ, بل كلامه صريح في إسناده التحريم والنهي إلى نفسه ولو كان هناك ناسخ من الله عز وجل أو من رسوله (ص) لأسند التحريم إلى الله تعالى أو إلى الرسول, فإن ذلك أبلغ في الزجر وأولى بالذكر وأشد تأثيراً في نفوس الناس.
صرح الخليفة (ر) أن متعة الحج ومتعة النساء كانتا على عهد رسول الله وأنه هو يمنعهما, أي أن حكمهما كان واحداً على عهد النبي (ص)وأن ملابسات نهي الخليفة عنهما كانت أيضاً واحدة, وبما أنه من المعلوم أن المسلمين استمروا بالقول أن متعة الحج هي حلال إلى يوم القيامة , فتكون متعة النساء هي حلال أيضاً إلى يوم القيامة, ويثبت بذلك أن نهيه عنهما إنما كان باجتهاد شخصي منه لمصلحة رآها.
____________
47- مسند احمد بن حنبل ج3 ص325 / باب مسند جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه.
أسباب تحريم الخليفة (ر) للمتعة:
الحقيقة أن الكاتب لا يسعه حصر الدافع الذي أدى إلى تحريم هذا النكاح من قبل الخليفة, ولا مجال هنا للتكهن واستنباط الدوافع التي قد لا يكون لها وجود في الواقع, فقد سمعنا التاريخ يقول: إن عمرو بن حريث تزوج امرأة متعة فحملت وبلغ الخليفة ذلك فتأثر ومنعها.
فقد روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال " كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله (ص) وأبي بكر حتى نهى عنها عمر في شأن عمرو بن حريث".
والحقيقة أن كون عمرو بن حريث يتمتع وتحمل زوجته ليس بالحدث المثير, فالمرأة تحمل من الزواج ولابد أن هناك سببا آخر والمتتبع للحادثة يتجلى له إن الخليفة إما أن يكون يرى أن المتعة مشروطة بشرط أو شروط فتخلفت شروطها, كأن تكون مثلاً في الغزو والسفر أو رأى أنها أسيء استغلالها وانتهت إلى درجة من التساهل وعدم الالتزام بما رسم لها الشارع فحرمها بالعنوان الثانوي - كما يقولون - وهذا الرأي هو الأقرب, ويدعم ذلك قول سعيد بن المسيب: " رحم الله عمر لو لم ينه عن المتعة لاتخذها الناس دولسيا) أي ذريعة إلى الزنا مدلسة. التدليس: إخفاء العيب. والواو فيه زائدة."(النهاية لابن الأثير 2/130)..انتهى.
وإليكم هذه الرواية التي وردت في صحيح مسلم:(48)
عن أبى موسى انه كان يفتى بالمتعة فقال له رجل رويدك ببعض فتياك فانك لا تدرى ما أحدث أمير المؤمنين في النسك بعد حتى لقيه بعد فسأله فقال عمر قد علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد فعله وأصحابه ولكن كرهت أن يظلوا معرسين بهن في الأراك ثم يروحون في الحج تقطر رؤوسهم.
فهذه الرواية بغض النظر عن أنها تتكلم عن متعة الحج أم متعة النساء فإنها توضح طبيعة اجتهادات الخليفة عمر (ر), فهو يعلم أن رسول الله قد فعلها وهو اليوم ينهى عنها وهو لم يقل أن سبب ذلك علمي بأن النبي نسخها وإنما اكتفى بأنه كره ذلك. لذا أقول إن المحبة لعمر (ر) يجب ألا تعمينا عن الحق الجلي فعمر (ر) يقول بصراحة أنه ينهى عن أمور هي حلال ولكنه يرى فيها رأياً خاصاً وليس في ديننا أن نحرم الحلال لأجل من نحب وإن كان من أحسن البشر, فهذه الرواية إذاً بينت لنا طبيعة اجتهادات الخليفة(ر) وإذا أضفنا لها مقولته المشهورة التي صرح بها
____________
48- ج4 ص45-46 / باب في نسخ التحلل من الإحرام والأمر بالتمام.
عدا أنه (ر) كان معروفاً باجتهاداته المستقلة عن الصحابة (ر) في كثير من الحالات, فالظاهر أن تحريمه للمتعة كان واحداً من هذه الاجتهادات التي تميَّز بها, فمن اجتهاداته على سبيل المثال:
1 - ورد في القرآن الكريم قوله تعالى (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام)(49) وهذا تشريع لمتعة الحج ولكن عمراً(ر) في أيام خلافته قال: افصلوا بين حجكم وعمرتكم، اجعلوا الحج في أشهر واجعلوا العمرة في غير أشهر الحج، أتم لحجكم ولعمرتكم.(50)
فالنبي(ص) أحل أن تكون العمرة في نفس عام الحج, ولكن عمراً(ر) وجد مصلحة في أن يفضل الفصل بين توقيت العمرة وتوقيت الحج.
2 - ومن اجتهادات عمر(ر) حكمه بوقوع الطلاق ممن طلق زوجته ثلاثا في مجلس واحد بأنها تعتبر ثلاث طلقات فعليات حيث لا يستطيع المطلق أن يعود إلى زوجته إلى أن تنكح زوجاً غيره, مع أن الثلاث في مجلس واحد كانت تعتبر في عهد رسول الله (ص) طلقة واحدة, حيث ورد في صحيح مسلم بشرح النووي كتاب الطلاق. باب طلاق الثلاث: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ: كَانَ الطّلاَقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبِي بَكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلاَفَةِ عُمَرَ، طَلاَقُ الثّلاَثِ وَاحِدَةً، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ: إِنّ النّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ قَدْ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أنَاةٌ، فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ.انتهى. وعلق عليه الجزيري بقوله"وهذا الحديث صريح في أن المسألة ليست إجماعية " انتهى.(51)..... أقول مادام عبد الرحمن الجزيري استدل من هذا الحديث أن المسألة ليست اجماعية, فلنعترف أن المتعة أيضاً لم يتم الإجماع على تحريمها ما دام الحديثان (المتعة,الطلاق) قد رويا على لسان عمر (ر) بالأسلوب نفسه!!
3 - ومن اجتهاداته (ر) أن جمع الناس في قيام شهر رمضان وجعلهم يقتدون بإمام واحد مع أن النبي (ص) لم يفعل ذلك في حياته, حيث كان الناس يصلون متفرقين أو يصلون جماعات صغيرة متعددة, فقد ورد في صحيح البخاري: عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي
____________
49- البقرة 196 .
50- الدر المنثور للسيوطي ج1 ص218/ سورة البقرة.
51- الفقه على المذاهب الأربعة ج4 ص341 / كتاب الطلاق /مبحث تعدد الطلاق.
4 - ومنع عمر (ر) الناس من أن يطلبوا مهوراً تزيد عن 12 أوقية, فخرجت له امرأة وعارضت اجتهاده, فرجع عن رأيه, فقد:
خطب عمر (ر) فقال: ألا لا تغالوا في صدقات النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله؛ ما أصدق قط امرأة من نسائه ولا بناته فوق اثنتي عشرة أوقية. فقامت إليه امرأة فقالت: يا عمر، يعطينا الله وتحرمنا! أليس الله سبحانه وتعالى يقول: "وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا"؟ فقال عمر: أصابت امرأة وأخطأ عمر. وفي رواية فأطرق عمر ثم قال: كل الناس أفقه منك يا عمر!. وفي أخرى: امرأة أصابت ورجل أخطأ.(53)
وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن عبد الله بن مصعب قال: قال عمر: لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية، فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال. فقالت امرأة: ما ذاك لك.. قال: ولم..؟ قالت: لأن الله يقول {وآتيتم إحداهن قنطارا...}الآية. فقال عمر: امرأة أصابت ورجل أخطأ.(54)
وقال الحافظ أبو يعلى عن الشعبي عن مسروق قال: ركب عمر بن الخطاب منبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثم قال: أيها الناس ما إكثاركم في صداق النساء!! وقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه والصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم، فما دون ذلك. ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند اللّه أو كرامة لم تسبقوهم إليها. فلأعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم. قال: ثم نزل. فاعترضته امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين نهيت الناس أن يزيدوا في مهر النساء على أربعمائة درهم؟ قال: نعم، فقالت أما سمعت ما أنزل اللّه في القرآن؟ قال: وأي ذلك؟ فقالت: أما سمعت اللّه يقول: {وآتيتم إحداهن قنطاراً} الآية. قال: اللهم غفراً، كل الناس أفقه من عمر. ثم رجع فركب المنبر فقال: أيها الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا
____________
52- البخاري ج2 ص252 , كتاب صلاة التراويح.
53- الجامع لأحكام القرآن,للإمام القرطبي ج5 ص99/ سورة النساء. الآيتان: 20 - 21 .
54- الدر المنثور للسيوطي ج2 ص133 سورة النساء الآية 20 - 21.