الصفحة 19
النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب. قال أبو يعلى: وأظنه قال: فمن طابت نفسه فليفعل. إسناده جيد قوي.(55)

5 - ونهى الله عز وجل عن التجسس فقال (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم)(56) لكن الخليفة (ر) رأى في أيام خلافته أن بالتجسس نفعٌ للأمة وصلاحٌ للدولة، فكان يعس ليلاً، ويتجسس فقد ورد في الدر المنثور لجلال الدين السيوطي:(57)

عن ثور الكندي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يعس بالمدينة من الليل فسمع صوت رجل في بيت يتغنى فتسور عليه فوجد عنده امرأة وعنده خمر فقال يا عدو الله أظننت أن الله يسترك وأنت على معصيته فقال وأنت يا أمير المؤمنين لا تعجل على أن أكون عصيت الله واحدة فقد عصيت الله في ثلاث قال الله (ولا تجسسوا) وقد تجسست وقال (وأتوا البيوت من أبوابها) وقد تسورت علي ودخلت علي بغير إذن وقال الله لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها قال عمر رضي الله عنه فهل عندك من خير إن عفوت عنك قال نعم فعفا عنه وخرج وتركه.

6 - كما هو مشهور فإن من لا يجد الماء فإنه يتيمم, لكن عمراً(ر) لم يكن يرى ذلك حسب اجتهاده: فعن سعيد بن عبد الرحمن بن ابزى عن ابيه ان رجلا اتى عمر فقال انى اجنبت فلم أجد ماء فقال لا تصل فقال عمار اما تذكر يا امير المؤمنين إذ أنا وانت في سرية فأجنبنا فلم نجد ماء فأما انت فلم تصل واما انا فتمعكت في التراب وصليت فقال النبي صلى الله عليه وسلم انما كان يكفيك أن تضرب بيديك الارض ثم تنفخ ثم تمسح بهما وجهك وكفيك فقال عمر اتق الله يا عمار قال إن شئت لم أحدث به.(58)

إذاً تبين لنا أن للخليفة اجتهادات متنوعة مشهورة وهذا ينفي استغرابنا من أن يكون هو من نهى عن المتعة, لأنه (ر) كان له اجتهادات كثيرة من هذا القبيل.

____________

55- تفسير ابن كثير/ ج1 ص478 سورة النساء. وورد نحوه في كشف الخفاء للإمام العجلوني حرف الهمزة. حرف الهمزة مع اللام ألف.

56- الحجرات 12 .

57- ج6 ص93 / تفسير سورة الحجرات.

58- صحيح مسلم ج1 ص193/ كتاب الحيض/ باب التيمم.


الصفحة 20

رأي علمائنا الأفاضل في نكاح المتعة:

إذاً, بعد أن وجدنا تعارضاً في الروايات فمنها ما يشير إلى إباحة المتعة ومنها من يشير إلى تحريمها, قلنا أن التضارب يؤدي إلى التساقط وقلنا أن الآية لا يصح نسخها بالحديث بناء على قول الشافعي وغيره,وحللنا المسألة بأن كشفنا عن الروايات التي تؤكد صراحة أن تحريم المتعة إنما كان باجتهاد شخصي من خليفة المسلمين يومئذ عمر(ر), والآن نأتي إلى رأي علمائنا الأفاضل في حل هذا التعارض, يقول الشيخ الجزيري: "...أما ما روي من أن ابن عباس قال: أنه جائز فالصحيح أنه قال ذلك قبل أن يبلغه نسخه". انتهى.(59)

إذاً فالشيخ الجزيري يرى حل التعارض بين روايات الإباحة وروايات التحريم, هو أن من روى الإباحة لم يكن قد وصله النسخ بعد, أما من روى تحريمها, فذلك لأنه قد سمع بنسخها, وهو حل جميل منطقي في ظاهره ولكن بعد التدقيق في الروايات نجد أن هذا الحل لا يصلح أبداً كما سيأتي بيانه.

أما الدكتور وهبة الزحيلي فقد عبر عن رأيه بقوله: "...كل هذا يدل على نسخ إباحة المتعة , ولعل ابن عباس ومن وافقه من الصحابة والتابعين لم يبلغه الدليل الناسخ. فإذا ثبت النسخ وجب المصير إليه , أو يقال أن: إباحة المتعة كانت في مرتبة العفو التي لم يتعلق بها الحكم كالخمر قبل تحريمها ثم ورد النص القاطع بالتحريم ". انتهى.(60)

وكما هو واضح فإن الدكتور يقترح حلين لتعارض آراء الصحابة: الأول يشترك فيه مع الشيخ الجزيري ومع الكثير من العلماء وهو أن من أفتى من الصحابة بأن المتعة حلال كان بسبب عدم وصول النسخ إليه, بينما وصل النسخ لغيره من الصحابة فأفتوا بالتحريم. والحل الثاني الذي ارتآه فضيلته هو أن المتعة كانت موجودة قبل الإسلام كالخمر ولم يرد نص يحرمها في البداية, فكان معفواً عنها حتى ورد نص يحرمها فيما بعد.

واقتراح الدكتور أكثر من حل لقضية التعارض بين الصحابة يوضح لنا كم هي مربكة هذه المسألة بالنسبة لعلمائنا الأفاضل, فالذي يكون لديه رؤية واضحة لقضية ما فإنه يحكم فيها حكماً واحداً لا أكثر.

وفيما يلي بيان كيف أن قضية عدم وصول النسخ ليست منطقية وأن قضية أن المتعة كان معفواً عنها هي الأخرى غير واقعية:

____________

59- الفقه على المذاهب الأربعة / ج4 ص91 / النكاح المؤقت أو نكاح المتعة.

60- موسوعة الفقه الإسلامي وأدلته ص6557.


الصفحة 21

هل حقاً لم يصل نبأ نسخ المتعة لابن عباس ومن وافقه بالتحليل؟

إن هذا الكلام كان من الممكن اعتباره منطقياً لو أن ابن عباس مثلاً سأله فلان عن حكم المتعة فأجابه بأنها حلال دون أن يحتك ابن عباس بالذين يفتون بتحريمها كعبد الله بن الزبير مثلاً, أي لو وصلتنا الروايات فقط أمثال هذه الرواية: " عن عمار مولى الشريد قال سألت ابن عباس عن المتعة أسفاح هي أم نكاح فقال ابن عباس لا سفاح ولا نكاح قلت فما هي قال المتعة كما قال الله تعالى قلت له هل لها من عدة قال نعم عدتها حيضة قلت هل يتوارثان قال لا."

فهذه الرواية وأمثالها تعرض رأي ابن عباس بأن المتعة حلال ولا تذكر أن ابن عباس التقى بمن يفتي بحرمة المتعة, فلو كانت الروايات التي وصلتنا هي كلها من هذا القبيل لكان تفسير التعارض بعدم وصول النسخ لابن عباس تفسيراً منطقياً ولكن عندما تصلنا روايات تؤكد على أن من يفتي بأن المتعة حلال قد التقى بمن يفتي بتحريمها وسمع منه ومع ذلك لم يقبل منه ذلك, فماذا يكون موقفنا منها؟! لقد وردت روايات صحيحة تؤكد أن من أفتى بالتحليل قد سمع قول من يفتي بالتحريم ومع ذلك ثبت على قوله بالتحليل, فإن كان من يفتي بالتحريم ينقل خبر نسخ ومع ذلك لم يقبل منه الذي سمع نقله ذلك فإن هذا يعني أنه يكذبه فيما ينقل عن رسول الله (ص) - والعياذ بالله -

والرواية الأولى هي:

"قال ابن شهاب أخبرني عروة بن الزبير أن عبد الله بن الزبير قام بمكة فقال إن ناساً أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم يفتون بالمتعة يعرض برجل فناداه فقال انك لجلف جاف فلعمري لقد كانت المتعة تُفعل على عهد إمام المتقين (يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم) فقال له ابن الزبير فجرب بنفسك فوالله لئن فعلتها لأرجمنك بأحجارك".(61)

قال النووي: يعرض برجل , يعني يعرض بابن عباس.

إذاً, هذه الرواية تقول بأن ابن الزبير (ر) قام يخطب في الناس ويصف من يفتي بالمتعة بأنه أعمى القلب وهو يقصد ابن عباس (ر) فما كان من ابن عباس إلا أن رد عليه واصفاً إياه بأنه جلف جاف إذاً, هو لا يشاركه الرأي بأن من يفتي بالمتعة بأنه أعمى القلب, بل أكد على أن المتعة كانت تفعل على عهد النبي(ص), فما كان من ابن الزبير (ر) إلا أن هدده بأنه إن فعلها فسيقتله رجماً تماماً كحد الزاني المحصن. فهذه الرواية تثبت أن ابن عباس سمع قول من يفتي بتحريم المتعة ومع ذلك ظل ثابتاً على رأيه فكيف يمكننا القول أنه لم يحدث أن التقى بمن وصله

____________

61- صحيح مسلم ج4 ص133/ كتاب النكاح / باب نكاح المتعة ..


الصفحة 22
النسخ فينقل له ذلك؟!!ويتبين للمدقق أن ابن عباس كان في هذه الفترة قد أصيب بالعمى كما تدل الرواية والمعروف أن ابن عباس أصيب بالعمى في أواخر حياته ومن تتبع روايات أخرى تحكي الحادثة ذاتها لكن بتفصيل أكثر يتبين أن هذه الحادثة قد حصلت عندما كان ابن الزبير (ر) قد تولى رئاسة مكة والمدينة أي أن هذه الحادثة قد حصلت بعد وفاة عمر (ر), بل وفاة عثمان وعلي أيضاً, أي أن ابن عباس ظل مصراً على رأيه كل هذه الفترة, فهل يعقل أنه لم يسمع النسخ لا من النبي ولا من خلفائه الأربعة كل هذه المدة وهي تزيد عن ثلاثين سنة إن أحصينا السنوات التي فصلت بين هذه الحادثة وبين وفاة النبي (ص)؟!!

من هذا يتبين أن ابن عباس وصله خبر من يفتي بالتحريم بل والتقى به وسمع منه بنفسه ولكنه أصر على رأيه بل كان رده عنيفاً وليس رداً عادياً وذلك يضعنا أمام احتمالين: إما أن ابن الزبير(ر) ينقل إلى ابن عباس خبر نسخ آية المتعة وإما أنه مقتنع أن عمراً (ر) هو من حرمها وهو مقتنع بصواب اجتهاد عمر(ر).

فإذا كان ابن الزبير(ر) ينقل إلى ابن عباس خبر نسخ آية المتعة فهذا يعني أن ابن الزبير(ر) كان حاضراً يوم خطب النبي (ص) في الناس معلناً نسخه لها وبالتالي فالمطلوب منه وممن حضر الخطبة التي تم فيها النسخ أن ينقلوا هذا الخبر إلى الناس كي يحذروهم من أن يمارسوا المتعة بعد اليوم وهي قد صارت حراماً, وكما هو معلوم عند العلماء فإن الصحابة كلهم معصومون عن الكذب على رسول الله (ص), وبالتالي فإن ابن عباس (ر) ليس أمامه إلا أن يشكر ابن الزبير على أنه أوصل له خبر النسخ ومن ثم يتوقف ابن عباس عن الإفتاء بأن المتعة حلال ويقدِّر لابن الزبير من كل قلبه أنه أنقذه من الاستمرار على ما كان عليه, ولكن هل هذا هو ما حصل؟!

إن الرواية تدلنا كيف لم يعبأ ابن عباس بقول ابن الزبير أبداً, بل وتبادل معه عنيف الرد وهذا يعني: إما أن ابن عباس(ر) يعتبر ابن الزبير (ر) كاذباً - والعياذ بالله - فلذلك لم يصدقه فيما ينقله عن رسول الله (ص) من خبر النسخ وهذا تفسير يستهجنه العلماء!!

ويبقى التفسير المنطقي والمنسجم مع سياق الروايات هو أن ابن الزبير أصلاً لا ينقل لابن عباس خبر النسخ وهو لا يؤمن بوجود نسخ أصلاً, وإنما هو مقتنع بسداد رأي عمر(ر) عندما نهى عن المتعة, وهو يحاول أن يحمل ابن عباس على الإيمان برأي عمر(ر) ولكن ابن عباس لم يقتنع باجتهاد عمر(ر), فلكلٍ رأيه واجتهاده, وهذا التفسير أسلم من أن نتهم ابن الزبير بالكذب على رسول الله والعياذ بالله!.....وطبعاً لا ينتظر القارئ أن نقدم له نصاً حرفياً لابن الزبير وهو يقول لا بن عباس مثلاً"أنا أنقل إليك خبر نسخ الآية"..أو"أنا ألزمك بأن تلتزم باجتهاد عمر (ر)"...فهذه الرواية تدل على أنه قد سبقها حوار أو أكثر بينهما من قبل فليس من المعقول أن يبدأ ابن الزبير

الصفحة 23
كلامه مباشرة بالكلام القاسي الشديد لابن عباس المعروف بأنه حبر الأمة إلا أن يكون ذلك تتمة لحوار طويل قد جرى بينهما قبل ذلك, أما أن يكون ابن الزبير (ر) قد افتتح حواره مع ابن عباس (ر) بهذه القسوة والعنف فهذا لا يليق بأخلاق ابن الزبير قريب أم المؤمنين عائشة (ر) والمشهور بأنه حواري رسول الله(ص).

أما الرواية الثانية فهي: "عن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه قال نزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينزل قرآن يحرمه ولم ينه عنها حتى مات قال رجل برأيه ما شاء قال محمد يقال انه عمر".(62)

وفي فتح الباري لشرح البخاري يقرر ابن حجر أن عمر هو المقصود بقوله (قال رجل برأيه ما شاء)(63).

إذاً, هذه الرواية الصحيحة يؤكد فيها الصحابي الجليل عمران بن حصين أن المتعة كان تشريعها بآية قرآنية - وهذا يتضمن إمكان نسخها بآية فقط - ثم يؤكد عمران بأنها كانت تمارس في عهد النبي (ص), بل وينفي نفياً جازماً أن تكون المتعة قد نُسخت بآية أو حديث, ثم يرد على من يقول بحرمتها بأن كلام من يحرمها مهما حاول تحريمها فإنه لن يغير من حقيقتها, وهي أنها حلال, وهو يشير بذلك إلى عمر(ر) كما هو واضح.

ومن هذا نستنتج أن عمران وصله قول من يقول بالتحريم ومع ذلك أصر على رأيه بالتحليل, وهنا نجد أنفسنا أمام احتمالين: إما أن يكون عمر(ر) ينقل خبر النسخ للناس عندئذ فلا يملك الناس بما فيهم عمران إلا أن يصدقوه وينتهوا فوراً عن المتعة وإلا فإنهم يكونوا يتهمونه بالكذب فيما ينقله عن رسول الله - والعياذ بالله - وهذا التفسير مستبعد تماماً, وإما أن من لم يمتثل لقول عمر (ر) وأصر على مخالفته, إنما فعل ذلك لمعرفته أن عمراً لا ينقل خبر النسخ أصلاً, لعدم وجود ناسخ, وإنما هو رأي ارتآه ووجد عمران ومن وافقه أنهم غير ملزمين باجتهاد عمر (ر) فإن كان مجتهداً فهم مجتهدون أيضاً, وهذا هو التفسير الذي يليق بمجتمع الصحابة (ر).

وهذه الرواية مع أن بعض طرقها جاءت تحت باب متعة الحج, وحتى لو أن جميع طرقها رويت تحت هذا الباب, فإن تصنيف الأحاديث تحت أبواب معينة هو اجتهاد من الإمام البخاري ولا يعني أن عمران قطعاً يقصد متعة الحج وليس متعة النساء, وحتى لو سلمنا أنه يقصد متعة الحج بالتحديد إلا أنها تعكس أن النهي عن متعة الحج كان باجتهاد شخصي من عمر(ر).

____________

62- صحيح البخاري ج5 ص158 / كتاب تفسير القرآن.

63- ج8 ص 139 / باب فمن تمتع بالعمرة إلى الحج.


الصفحة 24
والرواية التي ذكرناها سابقاً واضحة في أن مصدر تحريم المتعتين هو واحد: "متعتان كانتا على عهد رسول الله (ص) أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما متعة الحج ومتعة النساء" فإما أن يكون تحريم عمر لهاتين المتعتين لنسخ وصله وهذا الاحتمال قلنا باستحالته, لأنه لو كان كذلك وعمر(ر) موضع ثقة لما كان يقدر أي صحابي أن يخالفه لأن مخالفته تعني تكذيبه فيما ينقل عن رسول الله(ص) من خبر النسخ, وبقي أن يكون تحريمه للمتعتين إنما هو باجتهاد شخصي منه, ولذلك ظهر من عارضه بعد سماعه لتحريمه لهما, وقد ثبت أن متعة الحج كان تحريمها باجتهاد شخصي ولأنها اليوم معلوم تحليلها, وبما أن الرواية الأخيرة واضحة في أن مصدر تحريم المتعتين واحد وهو عمر (ر) فثبت أن كليهما كان تحريمهما باجتهاد شخصي منه, وبالتالي ثبت حلية كل منهما.

الرواية الثالثة وقد وردت بعدة ألفاظ, وبعضها عن ابن عباس وبعضها عن علي(ر) وهذه بعض ألفاظها وطرقها:

1 - واشتهر عن ابن عباس تحليلها، وتبع ابن عباس على القول بها أصحابه من أهل مكة وأهل اليمن، ورووا أن ابن عباس كان يحتج لذلك بقوله تعالى {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم} وفي حرف عنه إلى أجل مسمى، وروى عنه أنه قال: ما كانت المتعة إلا رحمة من الله عز وجل رحم بها أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولولا نهي عمر عنها ما اضطر إلى الزنا إلا شقي.(64)

2 - وروى عطاء عن ابن عباس قال: ما كانت المتعة إلا رحمة من الله تعالى رحم بها عباده ولولا نهي عمر عنها ما زنى إلا شقي.(65)

3 - ثنا شعبة، عن الحكم، قال: سألته عن هذه الآية: * (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم) * إلى هذا الموضع: * (فما استمتعتم به منهن) * أمنسوخة هي؟ قال: لا. قال الحكم: قال علي رضي الله عنه: لولا أن عمر رضي الله عنه نهى عن المتعة ما زنى إلا شقي.(66)

____________

64- بداية المجتهد ونهاية المقتصد ج2 ص47 / كتاب النكاح الباب الخامس في الأنكحة المنهي عنها بالشرع والأنكحة الفاسدة وحكمها / الثاني نكاح المتعة.

65- الجامع لأحكام القرآن ج5 ص130 سورة النساء/ قوله تعالى (والمحصنات من النساء..).

66- جامع البيان لابن جرير الطبري ج5 ص19/ قوله تعالى (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة).


الصفحة 25
4 - وأخرج عبد الرزاق وأبو داود في ناسخه وابن جرير عن الحكم أنه سئل عن هذه الآية أمنسوخة؟ قال: لا. وقال علي: لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنا إلا شقي.(67)

5 - قال عطاء: وسمعت ابن عباس يقول: يرحم الله عمر, ما كانت المتعة إلا رخصة من الله عز وجل, رحم بها أمة محمد صلى الله عليه وسلم, فلولا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنا إلا شقي.(68)

6 - وأخبرني من أصدق أن علياً قال بالكوفة: لولا ما سبق من رأي عمر بن الخطاب - أو قال: من رأي ابن الخطاب - لأمرت بالمتعة, ثم ما زنا إلا شقي.(69)

7 - عن ابن عباس قال ما كانت المتعة إلا رحمة رحم الله بها هذه الأمة ولولا نهي عمر بن الخطاب عنها ما زنى إلا شقي.(70)

8 - عن علي قال: لولا ما سبق من رأي عمر بن الخطاب لأمرت بالمتعة ثم ما زنى إلا شقي.(71)

9 - عن ابن جريج قال أخبرني عطاء قال سمعت ابن عباس يقول رحم الله عمر ما كانت المتعة إلا رحمة من الله تعالى رحم الله بها أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولولا نهيه لما احتاج إلى الزنا إلا شفا.(72)

10 - عن ابن عباس رضي الله عنهما ما كانت المتعة إلا رحمة رحم الله بها أمة محمد لولا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنا إلا شفى(73).

11 - وفي حديث ابن عباس (ما كانت المتعة إلا رحمة رحم الله بها أمة محمد صلى الله عليه وسلم لولا نهيه عنها ما احتاج إلى الزناء إلا شفى) أي إلا قليل من الناس.(74)

12 - قال عطاء سمعت ابن عباس يقول ما كانت المتعة إلا رحمة رحم الله بها أمة محمد, صلى الله عليه وسلم, فلولا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنا أحد إلا شفى والله لكأني أسمع قوله إلا شفى, عطاء القائل....الحديث قال الأزهري وهذا حديث صحيح.(75)

____________

67- الدر المنثور للسيوطي ج2 ص140 سورة النساء الآية 24.

68- المصنف - عبد الرزاق الصنعاني ج7 ص497/ الحديث رقم 14021.

69- المصنف - عبد الرزاق الصنعاني ج7 ص500 / الحديث رقم 14029.

70- شرح معاني الآثار للإمام أحمد بن محمد بن سلامة الحنفي ج3 ص26 .

71- كنز العمال للمتقي الهندي ج 16 ص 522 /رقم الحديث (45728).

72- أحكام القرآن للجصاص ج2 ص 186 .

73- الفايق في غريب الحديث للزمخشري ج2 ص 210 / باب حرف الشين مع الفاء / شفا: قليل .

74- النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ج2 ص488 / باب حرف الشين مع الفاء /.

75- لسان العرب لابن منظور ج8 ص330 / حرف العين فصل الميم.


الصفحة 26
وهذه الروايات أيضاً تؤكد ما يلي:

أن علياً وابن عباس (ر) وصلهما خبر من يقول بالتحريم وهو عمر(ر), وهذا يبطل قول من علل إفتاء ابن عباس بحلية المتعة بأنه لم يصله خبر نسخها.

وأن علياً وابن عباس (ر) لم يوافقا عمراً(ر) على اجتهاده, بل اتفقا على أن المتعة هي رحمة من الله يتحصن بها الشاب عن الزنا وبنهي عمر(ر) عنها صار يُخشى على الشباب من الزنا.

وفي الروايتان الثالثة والرابعة يؤكد الحكم أن آية متعة النساء لم تُنسخ.

دعوى رجوع ابن عباس عن المتعة:

وادعى بعض العلماء أن ابن عباس نفسه قد عاد عن فتواه في أواخر حياته, وهذا الادعاء لا يقبله المنطق السليم للأسباب التالية:

لأنه يفترض أن ابن عباس إنما أفتى بالتحليل لسببين: إما أن الناقل لخبر النسخ لم يلتقِ به ولم يخبره بالنسخ, وإما أن يكون الموضوع عبارة عن اجتهاد شخصي من الذي حرم المتعة ونهى عنها وأن ابن عباس لم يقتنع بهذا الاجتهاد!

فبالنسبة للنسخ وضحنا أنه لم يكن هناك نسخ أصلاً والقائل بوجود ناسخ يتهم الصحابة بتكذيب بعضهم بعضاً - من حيث لا يدري - خاصة بعد أن ثبت التقاء الفريقين ببعضهم وسمع كل منهما ما في جعبة الثاني حول هذه المسألة, وأنه لو كان نسخاً لكان على من يقول بالتحليل أن يشكر من ينقل له خبر النسخ بكل أدب وتقدير, لأنه أنقذه من خطر الإفتاء بما هو محرم وله علاقة بالأعراض, وقد أثبتنا أن هذا لم يحدث...فكيف يعود ابن عباس في آخر حياته, وما الجديد الذي حصل في آخر حياته إذا كان قد سمع قول من قال بالنسخ ولم يتبعه منذ البداية, أفهل كان يظن أن عمراً وابن الزبير (ر) كاذبان ثم صدَّقهما في آخر حياته والعياذ بالله!

إذاً, إن تحريم نكاح المتعة كان باجتهاد شخصي من عمر(ر), فهل كان ابن عباس غير مقتنع باجتهاد عمر(ر) ثم اقتنع باجتهاده في آخر حياته, فإن كان كذلك فنحن غير ملزمين بأن نقلد ابن عباس في قناعته الجديدة, لأن القرآن والسنة بين أيدينا ولنا فيهما غنى عن ذلك, بالإضافة إلى أنه إن كان ابن عباس قد اتفق مع عمر بصواب النهي عن المتعة بالرغم من أنها كانت حلالاً في عهد رسول الله (ص) وقد توفي رسول الله دون أن ينسخها فإن اجتهادهما هذا يعني أنه محصور في حالات خاصة محدودة كأن يكون النهي عنها لظرف كانت تمر به الأمة في عهد عمر(ر), أما أن يكون اجتهادهما يؤدي إلى تحريم المتعة بشكل قاطع ونهائي فنحن نجلُّهما عن الوقوف في وجه النبي (ص) وتحريمهما لما أحل الله ورسوله (ص) قال تعالى(يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا

الصفحة 27
طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)(76) فليس من المعقول أن يحرما ما أحل الله وهم يعلمان ذلك خاصة أن هذه الآية رويت في معرض الحديث عن متعة النساء وكأنها موجهة خصيصاً للذين يحرمون متعة النساء, إذ تقول الرواية:

عن قيس قال قال عبد الله كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لنا شيء فقلنا ألا نستخصي فنهانا عن ذلك ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب ثم قرأ علينا(يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين).(77)

هذه الآية يرد عليها احتمالان:

إما أن عبد الله ساقها لأنه يعلم أن في زمانه من يقول بتحريم المتعة, فحذرهم من تحريم الحلال بهذه الآية الكريمة مما يدل على وصول قول محرميها إليه وعدم اعتنائه بقولهم.

أو أن النبي (ص) هو الذي تلاها لعلمه بأنه سيكون هناك من يحرمها في يوم من الأيام فحذرهم بها, وإلا فكان كافياً أن يجيب الصحابة الذين يسألون عن الاستخصاء بأن لهم في المتعة غنى عن ذلك, أما أن يتلو آية تنهى من يحرم الطيبات عن فعله فليس له معنى إن كان موجهاً من النبي إلى الصحابة في عهده لأنه لم يذكر في الرواية أن أحداً منهم قال بتحريمها والنبي بين أظهرهم يعلن حلِّيتها إلا أن نقول أنها كانت حلالاً ثم حرمها الله وهم سألوا النبي عن الاستخصاء لعلمهم بذلك, فما كان من النبي إلا أن أعلن مجدداً تحليله إياها ثم وحسب القائلين بالنسخ يكون قد حرمها بعد ذلك مرة أخرى, فهل يقول بهذا عاقل, وهل يحل الله شيئاً ثم يحرمه ثم يحله ثم يحرمه وما الحكمة في ذلك؟ وبما أن الله لا يفعل شيئاً عبثاً فلا بد أن هذا التحليل المتكرر والتحريم المتكرر إنما يكون بناء على ظروف المجتمع المتغيرة فلم لا نفعل الشيء ذاته اليوم ومجتمعنا يمر بتطورات كثيرة وخطيرة؟!

إذاً, لم يبقَ من تفسير إلا أن من تلا الآية قد وجهها كرد على من قال أو سيقول بتحريم المتعة.

وظهر لدينا أن رجوع ابن عباس أو عدم رجوعه لا يغير في القضية شيئاً ما دام الأمر اجتهاداً خاصاً بظروف معينة استثنائية خرجت عن أصل الحكم.

هذا كله إذا سلمنا جدلاً بأن ابن عباس قد عاد فعلاً عن فتواه, أما الواقع فإن ابن حزم يؤكد ثباته على فتواه إلى مماته وذلك بقوله: ".. وقد ثبت على تحليلها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من السلف رضي الله عنهم منهم من الصحابة رضي الله عنهم أسماء بنت أبى بكر

____________

76- المائدة 87.

77- صحيح البخاري ج6 ص 119 / كتاب النكاح + مسلم ج4 ص130 /كتاب النكاح/باب نكاح المتعة.


الصفحة 28
الصديق. وجابر بن عبد الله. وابن مسعود. وابن عباس: ومعاوية بن أبى سفيان، وعمرو بن حريث. وأبو سعيد الخدري. وسلمة. ومعبد أبناء أمية بن خلف، ورواه جابر بن عبد الله عن جميع الصحابة مدة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومدة أبى بكر. وعمر إلى قرب آخر خلافة عمر، واختلف في إباحتها عن ابن الزبير. وعن علي فيها توقف. وعن عمر بن الخطاب انه إنما أنكرها إذا لم يشهد عليها عدلان فقط وأباحها بشهادة عدلين، ومن التابعين طاوس. وعطاء. وسعيد بن جبير. وسائر فقهاء مكة أعزها الله، وقد تقصينا الآثار المذكورة في كتابنا الموسوم بالإيصال، وصح تحريمها عن ابن عمر. وعن ابن أبى عمرة الانصاري، واختلف فيها عن علي. وعمر. وابن عباس. وابن الزبير، وممن قال بتحريمها وفسخ عقدها من المتأخرين أبو حنيفة. ومالك. والشافعي. وأبو سليمان، وقال زفر: يصح العقد ويبطل الشرط ". انتهى.(78)

من كلام ابن حزم نستنتج ما يلي:

ابن حزم يعلم أن هناك اختلافاً في الرواية عن ابن عباس لكنه بعد تحقيقه تبين له بأنه قد ثبت على فتواه بالتحليل لقوله"وقد ثبت على تحليلها..".

ليس ابن عباس وحده فقط من قال بالتحليل, بل هناك الكثير من الصحابة والتابعين, بل وجميع فقهاء مكة قالوا أيضاً بالتحليل, فإن ثبت رجوع ابن عباس عن فتواه - افتراضاً - فلم يثبت عن هؤلاء رجوعهم.

فقد قال بالمتعة الفقيه ابن جريج, وقال ابن المنذر: "جاء عن الأوائل الرخصة فيها"(79), بل نقل السرخسي جوازها عن الإمام مالك وذلك بقوله"وهذا باطل عندنا جائز عند مالك بن أنس"(80) وإن اتهام إمام مثل السرخسي بالكذب أو التهاون في أمانة النقل ليس أمراً هيناً.

نقل ابن حزم عن عمر (ر) أنه لم ينكر المتعة من حيث هي أنها نكاح إلى أجل, وإنما اشترط حضور الشاهدين العدلين, وهذا الخبر هو الأقرب إلى المنطق فتكون المتعة في رأي عمر (ر) حلالٌ بدون إذن ولي, وحلالٌ إذا اشترط في العقد زمن معين كأن يتزوج الرجل المرأة إلى مدة شهر إلا أنه يرى وجوب وجود شاهدين كي لا يدعي أي اثنين أنهما متزوجان ويكونان في الواقع يزنيان! وهذا يدعم استنتاجنا أن عمراً (ر) لا يمكنه أن يحرم شيئاً أحله الله وإنما استحسن أن يقيد

____________

78- المحلى ج9 ص519/ باب لا يجوز نكاح المتعة وتفسيره وأقوال العلماء في ذلك/ ط دارالفكر.

79- مجموع النووي 16/254 / باب ولا يجوز نكاح المتعة ولا يحوز المحلل.

80- المبسوط / المجلد الثالث/ 5ج ص152/ باب نكاح المتعة.


الصفحة 29
المسألة بشرط وجد فيه منفعة للأمة. وبهذا يثبت أن المتعة حلال وأن عمراً لم يحرمها تحريماً مطلقاً وإنما هو اجتهاد منه قابل للأخذ والرد.

وأورد ابن حجر مايلي:

"قال ابن بطال روى أهل مكة واليمن عن ابن عباس إباحة المتعة وروي عنه الرجوع بأسانيد ضعيفة وإجازة المتعة عنه أصح.......قال ابن عبد البر أصحاب ابن عباس من أهل مكة واليمن على إباحتها".(81)

كما ورد تأكيد ذلك على لسان الألباني:

(حكي عن ابن عباس: "الرجوع عن قوله بجواز المتعة"). حيث علق الشيخ الألباني على هذه المقولة بقوله"ضعيف أخرجه الترمذي والبيهقي"....ثم يعرض الروايتين اللتين وردتا عند البيهقي والترمذي ويعود فيعلق بقوله: "..فإسناده ضعيف, وهو شاذ مخالف لما تقدم من علة إباحتها"..(82)

ونقل الشيخ الألباني ما يلي:

"وعن نافع عن ابن عمر: "سئل عن المتعة؟ فقال: حرام,فقيل له: إن ابن عباس يفتي بها, فقال: فهلا سرموم بها في زمان عمر". أخرجه ابن أبي شيبة (7/44) بإسناد صحيح على شرط الشيخين". انتهى.(83)

أقول وهذا دليل على بقاء ابن عباس على قوله بحلية المتعة حتى بعد وفاة عمر (ر), فلا يعقل ألا يصله النسخ طوال تلك المدة.

ثم لخص الشيخ الألباني المسألة بقوله: "وجملة القول أن ابن عباس رضي الله عنه روي عنه في المتعة ثلاثة أقوال: الأول الإباحة مطلقاً. الثاني الإباحة عند الضرورة. والآخر التحريم مطلقاً, وهذا مما لم يثبت عنه صراحة بخلاف القولين الأولين, فهما ثابتان عنه.والله أعلم."(84)

أقول فمن الواضح أن الشيخ الألباني ينفي ثبوت رجوع ابن عباس عن تحليله للمتعة.

____________

81- فتح الباري ج9 ص142 / باب نهي النبي (ص) عن نكاح المتعة أخيراً.

82- إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل - تأليف محمد ناصر الدين الألباني ج6 ص316 / باب حرم رسول الله (ص) متعة النساء يوم الفتح/ رقم الحديث 1903.

83- المصدر السابق ج6 ص318.

84- المصدر السابق ج6 ص319.