الصفحة 68

الصفحة 69

الفصل الثالث
وسقطت ورقة التوت!


الصفحة 70

الصفحة 71

كلمة البدء

سنحاول ضبط النفس في معركة (إعادة تحليل التاريخ) لنخبة القراءات ذات البعد الاستعراضي. وذات التطلع الايديولوجي. نريد أن نحلل فقط. ونركب في عمق الحدث لا خارجه. أي لا نركب من أجل نتيجة خارجة عن إطار الحدث! لنجعل صورتها الحقيقية واضحة للعيان. أنا هنا أتناول المسألة (الشيعية) من وجهة نظر تاريخية، وليس من وجهة نظر مذهبية، أي ما هي المسألة وما خلفيات نشوئها من خلال الحدث وصورتها الحقيقية. والتحليل والتركيب، وهما عمليتان مزدوجتان، ليستا سوى إجراء منهجي للكشف عن الحدث، مجردا عن الأوهام التي تعلقت به. إذا، نحن لا نقوم بعملية تركيبية على التاريخ الإسلامي، وهي العملية التي تطغى على أغلب مؤرخي هذا التاريخ، وإنما نريد أن نحلل. والعملية التحليلية، ليس سوى تفكيك للمركب التاريخي الموضوعي، من أجل الوصول إلى أجزائه البسيطة، التي ساهمت في تكوينه. ولهذا سنبدأ بشبهة الأطروحة (السبئية) المفتراة، على (الشيعة) وعلى تهمة الأصل الغنوصي والثنوي الفارسي للتشيع. كما ذهب غفير من المؤرخين القدماء ونقل عنهم بعض المعاصرين، من ذوي النظر الموروث!.

هل أصل الشيعة سبئية، وغنوص، وزرادشتية إيرانية؟.

أظن أن الذين قالوا بذلك، كانوا (بهلوانيين) أكثر مما هم مؤرخون ففي عصر استخدام العقل والمعايير العلمية، الطرحات الغنوصية والسبئية! تدل على

الصفحة 72
ركاكة عقل وفجاجة فكر! وربما جهل أغلبهم (التاريخ) مستقلا عن (المذهبية). أو مستقلا عن المدرسة الأموية، ولعله جهل الغنوص والزرادشتية معا!.

يحاول الكثير من المؤرخين إبراز (السبئية) كمفتاح لفهم الظاهرة (الشيعية) وذلك لأنها أقرب المفاهيم إلى المؤرخ (البهلواني) حيث لا تكلفه عناء البحث فيكتفي بالقشور، ويستنكفي عن الغوص في الأعماق.

وقصة السبئية، إن رجلا يهوديا من صنعاء باليمن، أمه حبشية، لذلك سمي بابن السوداء كان قد أظهر إسلامه في عهد عثمان. وخاض عملية نشر الأفكار الهدامة، مستعينا بمفاهيم يهودية. وكان أحد مصادر القلاقل، والفرقة في زمن عثمان. وعلى هذا المنوال، حبك مؤرخون كثر أساطيرهم يقول:

الجابري (1).

وإن جميع من له إلمام بأحداث القرن الهجري الأول يعرف كيف، أن مصادرنا التاريخية، أو بعضها على الأقل المصادر السنية عموما تجعل (الفتنة) زمن عثمان، من تدبير شخص اسمه عبد الله بن سبأ) ثم قال أيضا: وقد أطلقت مصادرنا التاريخية على حركة المعارضة لمعاوية اسم (السبئية) نسبة إلى عبد الله بن سبأ هذا (2) ويبدو أن الجابري الذي دخل التراث من (خشمه) لم يستطع التحرر من التقليد الموروث. فهو لم يجتهد من وراء تلك الموروثات التاريخية الجاهزة. مع أنه في مقدمة العقل السياسي العربي حاول جهده ليقنع القارئ، بأنه سيعتمد أرقى ما أنتجت العلوم الإنسانية من مناهج في سبر المعرفة. بل وأين هي علمويته واركيولوجيته، التي اعتمدهما لقراءة التراث. وهل (ميشل فوكو) على (اورباويته) وماركس على (ماديته) وباشلار على (قطائعه) يستطيع أن يقرأ التاريخ من زاوية (السنة) فقط كذلك تلتقي النظرة التقليدية بالنظرة

____________

(1) العقل السياسي العربي (ص 207).

(2) نفس المصدر (ص 207) أقول وعلى هذا يكون علي (ع) وأبو ذر (رض) السبئية الأول.

الصفحة 73
(الحداثوية) في الموقف ضد الشيعة في التاريخ! والجابري يعبر عن هذا التقليد الموروث ب‍ (مصادرنا المصادر السنية عموما!! والإلمام الذي عرضه كمقدمة لطرحته (البهلوانية) هو الالمام المبتور عن جميع من له إلمام بأحداث القرن الهجري الأول (فهذا الالمام الذي يتحدث عنه (الجابري) هو لإلمام واحدي يناقض مفهوم (الالمام) الموضوعي!.

نقول للجابري إنك تدعونا إلى الالمام. ولن يحصل هذا إلا ضمن المصادر السنية، أي المصادر المعادية للشيعة وهذا انحراف موضوعي يكشف عن النزوة المذهبية الجامحة.

ولذلك لا يستحي أن يتقدم بتساؤل تحليلي: (كيف نفسر الطابع الغنوصي الهرمسي الذي طغى على (التشيع مند وقت مبكر) (3)؟.

فهو يفسر، حقائق جاهزة، ويبحث لها عن المسوغات العلموية الايديولوجية من دون التفكير في طرح السؤال خلف هذه الحقائق، ومناقشتها في ذاتها، وإلى أي حد هي موضوعية! فالبناء منذ البداية مذهبي خلافا لما ادعاه من حياد وهذا هو البؤس التاريخي كما يحترفه (حداثيو) السنة (4).

ولم أكن أعلم أن الجابري إلى هذا المستوى من البساطة في تقبل الحقائق التاريخية. هل هو فعلا مخلص في طرحته. أم أنه يستغل الفراغ المعرفي في بيئة يحدد المذهب وعيها التاريخي. يقول بأن السبئية هم أول من أطلق على علي بن أبي طالب، لقب (الوصي)!.

سوف نبين للجابري، أنه يرمي الكلام على عواهنه، وبأنه لا يحسن قراءة التاريخ. فهو لم يأت بجديد بقدر ما ارتبط بمصادر أهل السنة والجماعة. مع أنه تفلسف في أكثر من قضية في التاريخ الإسلامي. فهذا إن دل على شئ فإنما يدل

____________

(3) نفس المصدر 213.

(4) مشكلة التراث وأزمة المنهج، د. الجابري نموذجا: هاني إدريس (البصائر، العدد 8) صيف (1413 ه‍ - 1992 م).

الصفحة 74
على العجز والكسل في التماس الحقيقة التاريخية، عن طريق الجهد والجهاد (العلمي)!. والذين استلهم منهم الجابري وغيره من المعاصرين (قذيفة) السبئية هم مؤرخو السنة فقط.

ذكر ابن كثير في البداية والنهاية: (وذكر سيف بن عمر أن سبب تألب الأحزاب على عثمان أن رجلا يقال له: عبد الله بن سبأ كان يهوديا فأظهر الإسلام وصار إلى مصر فأوحى إلى طائفة من الناس كلاما اخترعه من عند نفسه) (5).

إنني لا أزال أتتبع حقيقة السبئية، حتى وجدتها أبأس (تلفيقة) في تاريخ الإسلام. بحيث سرعان ما تلاشى تماسكها، وتداعى صرحها التلفيقي. لينتهي إلى مصدر مجهول، كمجهولية (بن سبأ) نفسه. والذين ربطوا بين التشيع والسبئية، ليسوا إلا مستهلكين، لبضاعة أموية عتيقة.

يقول د. إبراهيم بيضون: والسبئية، أسطورة كانت أم حقيقة، فهي على هامش التشيع ومتناقضة في الصميم مع الفكر الشيعي، بخلفيته السياسية البحتة (6).

لقد أجاد المؤرخون السنة، تقنية التصوير التاريخي التركيبي حينما جعلوا من (عبد الله بن سبأ) صورة تبلغ حد الأسطورة. بحيث جعلوا منه شخصية قادرة على النفوذ في اللاشعور الإسلامي. لإعادة تشكيله. وجعلوا منه مرجعا لأفكار كانت هي المرتكز الأساسي للمعارضة، التي تزعمها كبار الصحابة، ضد عثمان!.

ولما كانت معارضة عثمان، ذات مسلك جماهيري. تقدمه رجال من كبار الصحابة، حاول المؤرخون السنة، التلفيق على عادتهم والتهجم على أحد أكابر الصحابة، وهو أبو ذر الغفاري واعتبروا عبد الله بن سبأ، هو ملهم، أفكار أبي ذر (رض) وهو الذي حرضه على معاوية بالشام وبالتالي على خلافة عثمان.

____________

(5) البداية والنهاية ابن كثير (ج 7 ص 167).

(6) الدولة الأموية والمعارضة الطبعة الثانية (1405 ه‍ 1985 م) بيروت الحمراء (ص 45).

الصفحة 75
وهم يردون بذلك القول بأن أبا ذر (رض) لم يكن على بينه من دينه. وكان يحتاج إلى رجل يهودي، حديث الإسلام، ليعلمه أحكام الدين. وليلقنه شعارات قرآنية كقوله تعالى: (وبشر الذين يكنزون الذهب والفضة).

وأبو ذر (رض) المعروف بتشدده في الدين إلى درجة الرفض المطلق لآراء الخلفاء، لم يكن كما صوره أولئك الذين كانوا يريدون تبرير كل الأحداث التي وقعت في عصر عثمان واختزالها، بنوع من التعسف، في حركة موسادية، لعبد الله بن سبأ. يقول د. طه حسين:

(ومن أغرب ما يروى من أمر عبد الله بن سبأ هذا أنه هو الذي لقن أبا ذر نقد معاوية فيما كان يقول من أن المال هو مال الله وعلمه أن الصواب أن يقول إنه مال المسلمين. ومن هذا التلقين إلى أن يقال أنه الذي لقن أبا ذر مذهبه كله في نقد الأمراء والأغنياء وتبشير الكانزين للذهب والفضة بمكاو من نار، وما أعرف إسراف يشبه هذا الاسراف) (7).

ثم يستطرد قائلا:

(فما كان أبو ذر في حاجة إلى طارئ محدث في الإسلام ليعلمه أن للفقراء على الأغنياء حقوقا. وأن الله يبشر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بعذاب أليم، لم يكن أبو ذر بحاجة إلى هذا الطارئ ليعلمه هذه الحقائق الأولية من حقائق الإسلام. وأبو ذر سبق الأنصار جميعا وسبق كثيرا جدا من المهاجرين إلى الإسلام. وهو قد صحب النبي فأطال صحبته، وحفظ القرآن فأحسن حفظه، وروى السنة فأتقن روايتها. وعرف من الحلال والحرام ما عرف غيره من أصحاب النبي الذين لزموه فأحسنوا لزومه) (8).

ولكي يتبين لنا ما إذا كان أبو ذر الغفاري (رض) في حاجة إلى من يعلمه

____________

(7) إسلاميات طه حسين الطبعة الأولى شباط (فبراير) (1967 م) (ص: 761) منشورات دار الأدب بيروت!).

(8) نفس المصدر (ص 791).

الصفحة 76
الدين من أهل الكتاب المندسين. ما جاء في الرواية: إن أبا ذر قال ذات يوم لعثمان بعد رجوعه من الشام إلى المدينة: لا ينبغي لمن أدى الزكاة أن يكتفي بذلك حتى يعطي السائل ويطعم الجائع وينفق من حاله في سبيل الله. وكان كعب الأحبار حاضرا هذا الحديث، فقال: من أدى الفريضة فحسبه فغضب أبو ذر، وقال لكعب: يا ابن اليهودية ما أنت وهذا. أتعلمنا ديننا! ثم وجأه بمحجنة) (9).

يقول د. طه حسين، معلقا على هذه الرواية: فأعجب لرجل من أصحاب النبي ينكر على كعب أن يجادل في الدين، ثم يتلقى الدين نفسه عن عبد الله بن سبأ) (10). ثم قال:

(وما أكثر ما شنع خصوم الشيعة على الشيعة) (11).

وهكذا تقتضي السياسة، أن يتحول أبو ذر الغفاري (رض) إلى رجل مراهق، مشاغب، يتحرك بالوشاية. يقول الطبري:

(إن ابن السوداء لقي أبا ذر فأوعز إليه بذلك، وإن ابن السوداء هذا أتى أبا الدرداء، وعبادة بن الصامت فلم يسمعا لقوله، وأخذه عبادة إلى معاوية وقال له: هذا والله الذي بعث إليك أبا ذر).

وقد ذكرت روايات ابن سبأ في غير مكان من تراث أهل السنة والجماعة. فقد ذكره ابن خلدون في مقدمته، وابن الأثير في تأريخه وأبو الفداء في مختصره.

إننا لم نعثر على تفاصيل شافية في هذا الباب، تخلو من التناقض أو نقص في الإسناد. إذ أن خبر (ابن سبأ) لم يجر في كتب التاريخ الكبرى مجرى المتواترات.

بل وإن كثيرا من كتب التاريخ المهمة التي ذكرت أحداث هذه الحقبة، لم تشر إليه يقول طه حسين (12).

____________

(9) راجع مروج الذهب، لابن مسعود.

(10 - 11) نفس المصدر.

(12) نفس المصدر (ص 760).

الصفحة 77
ويخيل إلي إن الذين يكبرون من أمر ابن سبأ إلى هذا الحد يسرفون على أنفسهم وعلى التاريخ إسرافا شديدا. وأول ما نلاحظه إنا لا نجد لابن سبأ ذكرا في المصادر المهمة التي قصت أمر الخلاف على عثمان، فلم يذكره ابن سعد حين قص ما كان من خلافة عثمان وانتقاض الناس عليه. ولم يذكره البلاذري في (الأنساب) وهو فيما أرى أهم المصادر لهذه القصة وأكثرها تفصيلا. وذكره الطبري عن سيف بن عمر، وعنه أخذ المؤرخون الذين جاءوا بعده فيما يظهر.

إن خبر (عبد الله بن سبأ) تقلص في تسلسله النهائي، ليستقر في مصدر واحد، هو (سيف بن عمر) وبأن كل من قال بهذا الرأي إنما رجع إليه من دون استشكال. فابن الأثير، وهو واحد من الذين قالوا بفكرة (السبئية) أخذها من أبي جعفر الطبري. يقول بن الأثير: (فابتدأت بالتاريخ الكبير الذي صنفه الإمام أبو جعفر الطبري، إذ هو الكتاب المعول عند الكافة عليه، والمرجوع عند الاختلاف إليه، فأخذت ما فيه من جميع تراجمه. لم أخل بترجمة واحدة منها) (13).

أما بن خلدون فقد أخذها هو أيضا من أبي جعفر الطبري. حيث قال (في التاريخ) (هذا أمر الجمل ملخصا في كتاب أبي جعفر الطبري اعتمدناه للوثوق به ولسلامته من الأهواء الموجودة في كتب ابن قتيبة وغيره من المؤرخين. وابن كثير يرجع في ذلك الطبري نفسه) هذا ملخص ما ذكره أبو جعفر بن جرير رحمه الله) وكل الرواة الذين أخبروا عن (عبد الله بن سبأ) أخذوها من الطبري، أو ابن عساكر، أو الذهبي سواء المتقدمين منهم. كابن كثير، وأبي الفداء، وابن الأثير، وابن خلدون. أو المتأخرين من أمثال رشيد رضا، وحسن إبراهيم، وأحمد أمين.

وكل أولئك الذين أخبروا عن عبد الله بن سبأ من الطبري (14) وابن عساكر (15)

____________

(13) تاريخ ابن الأثير (ص 5) الطبعة المصرية سنة 1348 ه‍.

(14) - الطبري في سنده، يرد القصة في تاريخ الأمم والملوك قائلا: (كتب بها غلي السري يذكر أن شعيبا حدثه سيف عن عطية عن يزيد الفقعسي قال: لما ورد ابن السوداء الشام لقي أبا ذر، فقال

الصفحة 78
والذهبي (16)، فإنهم رجعوا في ذلك إلى مصدر آحاد، هو (سيف بن عمر التميمي) الذي توفي بعد (170 ه‍) وبعد أن تبين للقارئ أن ساداتنا المؤرخين. اجتمعوا كلهم في نهاية المطاف عند مستقر (سيف بن عمر التميمي). جاء الوقت لكي نقف وقفة مع ترجمته. فمن هو (سيف بن عمر)؟

ما قصته، وكيف أنفرد بخبر (عبد الله بن سبأ) دون غيره من المؤرخين وأهل الأخبار؟.

الظاهر، هو أن (سيف بن عمر) هذا الذي عرف بالنوادر القباح، في رواياته ليس رجلا مقبول الرواية. وقد عرفه الطبري بأنه سيف بن عمر التميمي الأسيدي. قيل كان كوفيا. حسب ما ورد في تهذيب التهذيب وكانت وفاته بعد السبعين والمائة ببغداد في أيام الرشيد. وله مؤلفات كالفتوح الكبير والردة و (الجمل ومسيرة عائشة وعلي). وترفض منه الرواية من قبل جمهور من المحدثين. ولا أعلم له فيما أعلم، من وثق روايته. ومن هؤلاء النسائي الذي ضعفه، وقال متروك الحديث ليس بثقة، ولا مأمون. وتركه الحاكم، وقال (متروك، أتهم بالزندقة، وكذبه أبو داود: ليس بشئ كذاب).

وقال عنه ابن حجر فيه حديث ورد سيف في سنده ضعفا أشدهم سيف) وقال فيه ابن عبد البر (سيف متروك وإنما ذكرنا حديثه للمعرفة) وقال ابن حبان (يروي الموضوعات عن الأثبات، أتهم بالزندقة، وقال (قالوا: كان يضع الحديث) (17).

____________

يا أبا ذر ألا تعجب لمعاوية).

(15) ابن عساكر يذكر القصة في تاريخه بهذا السند: (أخبرنا أبو القاسم السمرقندي. أن أبو الحسين النقور. أن أبو طاهر المخلص. أن أبو بكر بن سيف أن السري بن يحيى، أن شعيب بن إبراهيم، أن سيف بن عمر).

(16) أما الذهبي فسنده في القصة (وقال سيف بن عمر عن عطية عن يزيد الفقعسي، لما خرج ابن السوداء إلى مصر.).

(17) راجع: عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى: السيد مرتضى العسكري. دار الزهراء للطباعة والنشر والتوزيع. بيروت لبنان.

الصفحة 79
ومما أوخذ على سيف بن عمر، أنه صاحب الغرائب في الأخبار، وهو صاحب مسلسلة من الروايات الشاذة عن منطق العقل والشرع. ومن بين تلك الروايات، ما ذكره عن عمر وتجويزه لزوجه (أم كلثوم) الجلوس إمام الرجل الأجنبي. وهو صاحب رواية (فتح سوسة) التي فتحها المسلمون بفضل الدجال (ابن صياد) وحديث (إلى الجبل ياسرية) عن عمر بن الخطاب إذ ذكر أنه خاطب الجيوش من خلف مسافات طويلة. وما شابه ذلك من الأساطير التي ضعفها المحدثون.

وابن سبأ هذا الذي أنفرد سيف بن عمر بخبره، كان مجهول الأثر، ولم يعرف عنه في (الأنساب)، أصل. وكل ما قيل حوله إنه يهودي من صنعاء بينما أسمه مبهم، إذ هناك عشرات من عبد الله، ينتسبون إلى (سبأ) يمكن أن نطلق عليهم هذا الاسم ولا نعلم هل أريد به (عبد الله السبائي) الذي كان في عهد الإمام علي (ع) وهذا لم يكن شيعيا. بل كان رأس الخوارج الذين قاتلوا عليا (ع) وحاربوه! بل معا ورد أيضا، إن السبئية لم تكن تعني في ألقاب القدماء، سوى (القبلية) المنسوبة إلى سبأ بن يشجب. ولم تتحول إلى عنوان مذهبي، سوى في العهود المتأخرة، وبالأقلام التحريفية. وهكذا يتحول في الكتابة التاريخية عبد الله السبائي الخارجي إلى عبد الله بن سبأ الأسطوري. الذي غالبا ما كان يطلق على أحد الصحابة الأجلاء كما سنرى!.

والغريب في الأمر إنهم نسبوا فكرة (الوصية) و (العصمة) إلى عبد الله بن سبأ، وقالوا بأنه أول من قال بها. وأنه استلهمها من الفكر اليهودي. ولست أدري متى كان اليهود يعترفون بالعصمة لأنبيائهم، وبالأحرى لأوصيائهم.

واليهود أكثر الملل تقتيلا لأنبيائها. وليس في الكتاب (المقدس) لهم سوى التهوين والتقليل من قداسة الأنبياء. وفي سفر التكوين (الإصحاح 19) نرى كيف إن النبي لوط لما صعد من صوغر، وسكن في الجبل وابنتاه معه. وإنه بات ليلتين في جماع مع ابنته، بعد أن سقي خمرا، وإن البنت البكر ولدت منه ابنا اسمه موآب، وهو أبو الموآبيين إلى اليوم. وولدت الصغرى من أبيها ولدا، وسمته (ابن عمي) وهو أبو بني عمون إلى اليوم وهذه وقصص أخرى مثل قصة ثامار مع

الصفحة 80
حميها يهوذا التي وردت في سفر التكوين إصحاح 38، التي تبين إن كل من موسى وهارون ينحدران من الحرام (وثمار) هذه التي انوجدت في شجرة يسوع واعتبرت من أصوله التي انحدر منها وهي (زانية) خداعة! كما في جينيالوجيا اليسوع لدى (متى) وغيره (18).

فهذه هي العصمة المعروفة عند اليهود بخصوص أنبيائهم وأوصيائهم وامتدت إلى المسيحية نفسها. ولست أعلم، أي غباء وجهل يجعل البعض يصدق أن عصمة الأوصياء، هي من وحي العقيدة اليهودية المزعومة لعبد الله بن سبأ.

إنني ما زلت أبحث عن هذا الشخص الأسطوري الهارب بين فجاج التاريخ (المفبرك) وأضرب الرأي هنا بالرأي هناك، عسى أن أحصل على صواب يشفي غليلي من الجهل ونهمي إلى اليقين. من هذه الأمية التاريخية. ويجعلني أ عبد الله على يقين من أمري.

من هو عبد الله بن سبأ الأسطورة. من هو الشخص الذي تحول بفعل التحريف والتصحيف إلى ابن سبأ - الغامض؟.

أقول، وللصراحة، إن أسطورية ابن سبأ لم تشف غليلي أيضا. ولا بد من البحث في ملفها، بآليات حفر دقيقة. لأنها لم تأت من فراغ. إنها مادة إعلامية تشهيرية ووراءها أجهزة تاريخية إيديولوجية. فمن وراءها؟ ولماذا؟ تثبت الروايات، أن عبد الله بن سبأ. كان معروفا لدى السلطة في عهد عثمان.

وبالضبط لدى معاوية. بشهادة الرواية التي تؤكد على وجوده، ومعرفة معاوية به كما تقدم. فقد أورد الطبري: إن ابن السوداء لقي أبا ذر فأوعز إليه بذلك. وإن ابن السوداء هذا أتى أبا الدرداء، وعبادة بن الصامت فلم يسمعا لقوله، وأخذه عبادة إلى معاوية، وقال له: هذا والله الذي بعث إليك أبا ذر.

وعلى الرغم من اكتشافهم له. لم ينالوا منه، ولا ذكر التاريخ إنه تعرض

____________

(18) أي جعل ثمار ضمن (الشجرة) المنسوبة لعيسى، دون أن يلتفت إلى أن عيسى ليس له أب حتى يحصل له نسب، وهذه أيضا من تأثير العقيدة اليهودية على النصرانية.

الصفحة 81
للعقوبة في زمن عثمان ومعاوية. بل ما أكدته أخبارهم، أنه قتل في عهد علي.

وما زلت أتسأل فيما إذا كان هذا زهدا في الجهاز الأموي تجاه أخطر شخصية وهمية تهدد مواقع الأمويين، وخلافة عثمان. لم أقو على استساغة أن (شبق) السلطة الذي أعماهم إلى درجة النيل من كبار الصحابة وقتل آل البيت النبوي، كيف زهدهم في النيل من شخصية مثل ابن سبأ لا وزن له في الوجدان الإسلامي يومئذ. أو إذا رفضنا هذا التصور، يمكن افتراض إن الجهاز الأموي كان مقرا بهذه المؤامرة، التي يتزعمها هذا اليهودي، أو ربما كانت لهم يد فيها.

وعلى أي حال فإن الوقائع التاريخية، تؤكد، بأن العنصر (الفتان) الذي أطلقوا عليه اسم عبد الله بن سبأ لم يكن إلا معارضا قويا، له وزنه في المجتمع الإسلامي. وما دام عبد الله بن سبأ الشخص الأسطوري لم نعثر عليه ضمن لائحة المحكوم عليهم بالعقوبة والتعزير في زمن عثمان. كان من المنطق الذي يدخل في الاعتبار عامل (اللعبة السياسية) الأموية، أن نبحث عنه حقيقة بين أشخاص المعارضة الرئيسيين، الذين طالتهم يد عثمان بالانتقام. فمن هم هؤلاء الذين شكلوا جبهة معارضة في زمن عثمان، ونالوا حقهم من القمع الأموي؟.

لقد ثبت عند المؤرخين إن الذين تزعموا حركة المعارضة في عهد عثمان هم رجال الصحابة، ومنهم أبو ذر الغفاري وعمار بن ياسر ومحمد بن أبي بكر، وابن مسعود.. وعدد آخر من الصحابة سنتطرق إليهم أثناء الحديث عن خلافة عثمان. وكان عمار بن ياسر (رض) رجلا نشيطا، ومزعجا للأمويين، وعثمان.. مما حدى بهم إلى وضعه في منطقة الضوء، والتفكير في التخلص منه. وكان المانع لهم من قتله جهارا أو فرض العقوبة عليه، هو كونه غدا مقياسا في وجدان المسلمين للهدى والضلالة، منذ رسخ في ذلك الوجدان أن بن سمية، تقتله الفئة الباغية. وأنه ليس من مصلحة الطغمة الأموية يومئذ أن تتخذ ضده الإجراءات الحاسمة وتدخل معه في نزاع مباشر، إذا لسقطت إعلاميا، وخسرت باقي الجولات وكان مما حفظه المسلمون يومها من الرسول صلى الله عليه وآله ابن سمية عمار تقتله الفئة الباغية. ويدلنا على هذه (المعيارية) ما ذكره ابن الأثير في (أسد

الصفحة 82
الغابة) (19) عن عمارة بن خزيمة بن ثابت قال:

شهد خزيمة بن ثابت الجمل وهو لا يسل سيفا. وشهد صفين ولم يقاتل، وقال: لا أقاتل حتى يقتل عمار، فانظر من يقتله فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: (تقتله الفئة الباغية) فلما قتل عمار قال خزيمة (ظهرت لي الضلالة) ثم تقدم حتى قتل. وكان الجهاز الأموي السري يدرك مدى الخطورة التي ستواجهه فيما لو أتخذ تدابير قمعية مباشرة ضد عمار بن ياسر (رض) والحديث الذي اشتهر عندهم، كان أحد رواته (أبو هريرة) وهو أحد أنصارهم. لذلك سيحاولون عدم الوقوع في التناقض، فيما إذا أقدموا على مواجهة عمار.

وعمار بن ياسر (رض) كان أكثر استفزازا لعثمان وحاشيته. ومؤلبا عليه لا يفتر عن كشف مساوئه للناس.

وفي سنة خمس وثلاثين على حد تعبير المسعودي كثر الطعن على عثمان (رضي الله عنه) وظهر عليه النكير لأشياء ذكروها من (فعله) ثم ومن ذلك ذكر المسعودي (20) ما نال عمار بن ياسر من الفتن والضرب، وانحراف بني مخزوم عن عثمان من أجله. واستمرت تحركات عمار بن ياسر، في صفوف الناس، لا تثنيه عن مسؤوليته، هيبة الأمويين، ولا صولجان سلطانهم. وقد تلقى غير مرة تهديدا مباشرا من قبلهم. فما منعه ذلك من مواصلة نشاطاته المعارضة لعثمان ومن حوله من أزلام أموية. لقد قدم معاوية بن أبي سفيان من الشام بعد أن أحس بمن يعارض عثمان فأتى مجلسا فيه علي بن أبي طالب، وطلحة بن عبد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وعمار بن ياسر، فقال لهم: يا معشر الصحابة: أوصيكم بشيخي هذا خيرا (عثمان)، فوالله لئن قتل بين أظهركم لأملأنها عليكم خيلا ورجالا، ثم أقبل على عمار بن ياسر وهذا التخصيص له أسبابه التي ذكرناها سابقا فقال: يا عمار، إن بالشام مئة ألف

____________

(19) أسد الغابة في معرفة الصحابة، عز الدين بن الأثير أبي الحسن علي بن محمد الجزري (555 563) (ج 3 ص 632) دار الفكر.

(20) مروج الذهب ومعادن الجوهر (ج 2 ص 347) دار المعرفة: بيروت لبنان.

الصفحة 83
فارس، كل يأخذ العطاء، مع مثلهم من أبنائهم وعبدانهم، لا يعرفون عليا ولا قرابته، ولا عمارا ولا سابقته، ولا الزبير ولا صحابته. فإياك يا عمار أن تقعد غدا في فتنة تنجلي، فيقال هذا قاتل عثمان، وهذا قاتل علي) (21).

وهذا التحذير لم يجد من تحرك عمار، في الكشف عن عورات الجهاز الأموي في خلافة عثمان. لقد جاء معاوية ووجه خطابه لجماعة من الصحابة. ثم خص عمارا بخطاب تقريعي، يحذره فيه من مغبة الاستمرار على (تحريضه) (فإياك يا عمار أن تقعد غدا في فتنة تنجلي) وكان على معاوية، أن يركز على رأس الحربة عبد الله بن سبأ فيما لو كان هو المحرض الحقيقي ضد عثمان. غير أنه ركز على عمار.. وفي ذلك لغز واضح!.

ومن ذلك ما ذكر بن قتيبة (في الإمامة والسياسة): (ثم تعاهد القوم ليدفعن الكتاب في يد عثمان، وكان ممن حضر الكتاب عمار بن ياسر والمقداد بن الأسود وكانوا عشرة: فلما خرجوا بالكتاب ليدفعوه إلى عثمان، والكتاب في يد عمار جعلوا يتسللون عن عمار، حتى بقي وحده، فمضى حتى جاء دار عثمان، فاستأذن عليه، فأذن له في يوم شات، فدخل عليه وعنده مروان بن الحكم وأهله من بني أمية، فدفع إليه الكتاب فقرأه. فقال له: أنت كتبت هذا الكتاب؟

قال: نعم قال: ومن كان معك؟ قال كان معي نفر تفرقوا فرقا منك، قال:

من هم؟ قال: لا أخبرك بهم. قال: فلم اجترأت علي من بينهم؟ فقال مروان: يا أمير المؤمنين إن هذا العبد الأسود (يعني عمار) قد جرأ عليك الناس.

وإنك إن قتلته نكلت به من وراءه، قال عثمان اضربوه، فضربوه وضربه عثمان معهم. حتى فتقوا بطنه، فغشي عليه، فجروه حتى طرحوه على باب الدار، فأمرت به أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله فأدخل منزلها، وغضب فيه بنو المغيرة وكان حليفهم، فلما خرج عثمان لصلاة الظهر، عرض له هشام بن الوليد بن المغيرة، فقال: أما والله لئن مات عمار من ضربة هذا لأقتلن به رجلا عظيما من بني أمية،

____________

(21) تاريخ الخلفاء (لابن قتيبة) (ج 1 2 ص 38) مؤسسة الوفاء بيروت لبنان.

الصفحة 84
فقال عثمان: لست هناك) (22).

وكان هذا إشارة إلى ما قام به عمار من تشويش على الجهاز الأموي. كما كشف عن الجرأة التي كان يمارسها عمار تجاه أقطاب السلطة في عصر عثمان. وبقي عمار مناوئا للأمويين، لا يخشى في الحق لومتهم.

وكان عثمان قد أمر بجمع القرآن وحرقه، والإبقاء على مصحف رسمي موحد. وكانت في مصاحف الصحابة، حواش تتخللها، هي بعض ما تلقوه من تأويل عن الرسول صلى الله عليه وآله من أولئك ابن مسعود الذي اشتهر بمصحفه وأبى ابن مسعود أن يسلم مصحفه إلى عبد الله بن عامر وكان بالكوفة.

وفي تاريخ اليعقوبي: (فدخل ابن مسعود وعثمان يخطب) فقال عثمان:

إنه قد قدمت عليكم دابة سوداء، فكلمه ابن مسعود بكلام غليظ فأمر به عثمان، فجر برجله حتى كسر له ضلعان. فتكلمت عائشة. وقالت قولا كثيرا. الخ) (23).

وظل ابن مسعود مستاء من سياسة عثمان، حتى وافته المنية. وفي ذلك يورد اليعقوبي: (فأقام بن مسعود مغاضبا لعثمان حتى توفي، وصلى عليه عمار بن ياسر. وكان عثمان غائبا فستر أمره. فلما انصرف رأى عثمان القبر، فقال: قبر من هذا؟ فقيل: قبر عبد الله بن مسعود. قال: فكيف دفن قبل أن أعلم؟

فقالوا: ولي أمره عمار بن ياسر، وذكر أنه أوصى ألا يخبر به، ولم يلبث إلا يسيرا حتى مات المقداد. فصلى عليه عمار، وكان أوصى إليه، ولم يؤذن عثمان به، فاشتد غضب عثمان على عمار، وقال: ويلي على ابن السوداء! أما لقد كنت به عليا) (24).

فهذا الازعاج المستمر للسياسة الأموية، وهذا التحدي الدائب الذي كان

____________

(22) الإمامة والسياسة (بن قتيبة).

(23) تاريخ اليعقوبي (المجلد الثاني (ص 170) دار صادر بيروت.

(24) نفس المصدر السابق.

الصفحة 85
يسجله (عمار) كان لا بد له من حل. على أن يكون حلا سياسيا، يجنب الأزلام الأموية، مخاطر التصفية الجسدية. وكان عثمان أول من استخدم في سبابه لعمار لقب بن السوداء. وهذا التعبير، أوقع الخليفة في مطبات جسام. فأولا، هذا اللمز لأم عمار، وهي أول شهيدة في الإسلام. ثانيا إطلاقه هذا الاسم كانت له امتدادات سيئة، بحيث أضحى هذا اللقب اسما رسميا، لعمار، تتداوله العناصر الأموية. وكان أن تطورت الحالة إلى أن تم تصحيف (ابن السوداء) عمار إلى (ابن السوداء) السبئي الأسطورة الذي صاغوا له قصصا في نوادرهم الغريبة.

فابن سبأ هذا الذي يقال، أنه أول محرض ضد عثمان، لم يثبته التاريخ، والظاهر من السير والتواريخ، إن المعارض الأول و (المشاغب) والمحرض السياسي الرئيسي ضد خلافة عثمان، كان هو عمار بن ياسر. وهو البادي للناس سوءات الحكم، والذي تلقى التهديدات، لأنه من الصعوبة أن يتعرضوا له بالقتل المباشر للأسباب التي ذكرناها وهو المكنى عند عثمان وحاشيته الأموية، بابن السوداء، وهو الذي كانت له رابطة خاصة بالإمام علي (ع) وآل البيت (ع) وعلى هذا الأساس تنقشع غيوم (البؤس) التاريخي المتلبس بأيديولوجيا البلاط الأموي. وهكذا تنكمش (تلفيقة) السبئية، لتلقي على كاهل محرف وضاع، مرفوض الرواية، وهو سيف ابن عمر (وتتوضح بعدها الأسباب التاريخية لنشوء (فكرة السبئية) وتنقشع الغيوم ولا تنقشع على الذين ما زالوا ممسكين بالعظام التاريخية. لقد تبين لي أن في تاريخنا مبدعين، لا يعجزون عن حبك الأساطير في أرقى خيالاتها. لقد كان للساسة في تاريخنا خيال، يظللها من الشموس الكاشفة.

وليس هذه أول خرافة، تلقى بهذا الشكل (التهريجي على التشيع) بل أخريات من تلكم الشبهات المحبوكة بالأصابع المأجورة والمسيئة، بالترغيب والترهيب الأموي، لا بد من الوقوف على هزالها!.


الصفحة 86

الصفحة 87

الزرادشتية الإيرانية والتشيع

لم يكتف خصوم الشيعة بشبهة السبئية فحسب بل أوردوا شبهات أخرى دعموا بها مسلمتهم الايديولوجية. ومن تلك الشبهات الكثيرة والمتناقضة تهمة (التأثير الفارسي في التشيع)!.

يقولون بأن الفرس ما زالوا يحتفظون بالعداوة للعرب، ولذلك تبنوا نظرية المعارضة. وجهدوا من أجل بلورتها وإعادة صيوغها. فكان أن أدخلوا في التشيع أفكارا زرادشتية، كتلك التي تضفي على الأئمة طابعا خاصا كالعصمة، والوصية.

وقالوا بأن ذلك منسجم مع ديانتهم، التي تعتبر (الملوك) ذوي خصائص تفوق عامة الناس.

وكان تمسكهم بخط أهل البيت (ع) وميلهم إليهم. يعود إلى القرابة التي تجسدت في تزاوج الأئمة بالفرس (كشهر بانويه) الفارسية الساسانية، بنت الملك (يازدجرد) آخر ملوك الساسانيين. والتي أنجب منها الإمام الحسين (ع) الإمام زين العابدين (ع) وهذه الشبهة، كشبهة (السبئية) يمكن أن تؤثر على عقول مفلسة في المعرفة التاريخية. وليس ثمة عاقل يستطيع ادعاء هذه (الشبهة) من دون (رطانة)!.

فلا بد أن يفتشوا لنا في التشيع عن مواطن تجلي الفكر (الثنوي) الفارسي،

الصفحة 88
وأين مقولتا النور والظلمة اللتان تعتبران ركنا في العقيدة الثنوية الفارسية، وأساسا للمذهب الزرادشتي!؟.

وربما قالوا، إن هذا الفكر، تسرب بفعل التأثير الغنوصي على التشيع.

والذين لفقوا فكرة (الغنوصية) والقوها على (التشيع) هم بلا شك قوم سطحيون. أو كسالى لا يتعبون أنفسهم، لإقناع أتباعهم. ولعل وجود بعض نقاط التشابه والتجانس في بعض مفردات الأديان والفلسفات، تجعل بعض قصار النظر يتهمون التشيع بالغنوصية أو الزرادشتية.

والظاهر أن الذين نسبوا التشيع إلى الحركة الغنوصية هم الذين اطلعوا على الجانب (العرفاني) من التشيع، كما تجلى في أسفار صدر المتألهين، وكذلك عند السهروردي. وليست الغنوصية في اصطلاحها الأول سوى جنوسيس العرفان، وهو الاسم الذي أطلقه الغنوص على أنفسهم في القرن الثاني للميلاد.

وهو مذهب منتقى من كثير من الاتجاهات الفلسفية والدينية، كالزرادشتية والأفلاطونية المحدثة والفيثاغورية ووجود أشكال من الاعتقادات كوحدة الوجود، وهي أساس الاعتقاد الثنوي الزرادشتي، وهذا لا يعني أن التشيع هو صنيعة لهكذا مذاهب. إذ أن العرفان الشيعي كالتصوف السني، لا يمثل أساس المذهبين، وأن العرفان الشيعي لا يختلف عن التصوف السني، فهذا الأخير، منه تأثر العرفانيون الشيعة. وابن عربي، المالكي، السني، أكثر الذين قالوا بوحدة الوجود، وكذا بن سبعين.

أما باقي الأفكار الغنوصية، كالهلانية، والفيثاغورية. فليس لها أثر على التشيع إطلاقا. بقدر ما توجد بعض مفرداتها في المذاهب الأخرى، ولم أكن أتصور كيف ربط بعض (مهرجي) التأريخ، بين التيار الفارسي والشيعي، معتبرين الأول أساسا وروحا للثاني. ولم نفهم بعد ذلك أين كان الفرس يوم

____________

(25) ذلك لأنهم استبعدوا أن يوجد إله واحد خالق للخير والشر معا. فابتدعوا إلها للخير (النور) وآخر للشر (آله الظلمة) ومنهما يفيض باقي الخيرات أو الشرور. ومن ثم يرى البعض أن وحدة الصدور أو الخلف لها أثارها في الفكر الثنوي، راجع (العدل الإلهي) لمرتضى المطهري.

الصفحة 89
(الجمل) وصفين، والنهروان وكربلاء. وهي حروب إسلامية بين الشيعة ومعارضيهم من العرب.

ويرى أصحاب هذه الرؤية، إن سبب ذلك راجع، لضعف الفرس أمام العرب، وعجزهم عن الاستقلال الذاتي. فكانوا يعملون على دعم تيار أهل البيت (ع) من أجل القضاء على دولة الخلافة، كتمهيد لاستقلالهم بينما التاريخ يثبت أن الفرس استطاعوا بعد مئة سنة من فتح (فارس) بناء قوة عسكرية. هذه القوة هي التي أسقطت الدولة الأموية وسلمتها للعباسيين. وكانوا حريين بأن يستبدوا بها، أو لا أقل، يلتمسوا من خلالها استقلالهم الذاتي. ولم يكن الفرس يخططون للاستقلال عن الخلافة إلا في العصور المتأخرة، حيث بات وضع الخلافة نزاعا إلى العروبة أكثر من التزامه الإسلامي! وبعد ما واجهه الأعاجم من مضايقات وانتهاكات لحقوقهم في ظل الخلافة العثمانية المتأخرة!.

وبقي أغلبية المجوس على دينهم طوال الخلافة، حتى إذا استقلوا دخل أغلبهم إلى الإسلام، وحسن إيمانهم.. فقد بدأ الاستقلال السياسي منذ أوائل القرن الثالث الهجري، وكان كثير من الفرس باقين إلى ذلك الحين على ما لهم من دين من المجوسية والمسيحية والصابئية وحتى البوذية) (26) بينما إيران في زمن استقلالها، وبالضبط في العهد الصفوي، دخل أغلبها الإسلام (27).

وبقي الفرس المسلمون، متشددين ضد الأفكار الثنوية والمجوسية إلى أن أسقطوا آخر قلاع الإمبراطورية الإيرانية ليعيدوا للإسلام مجده ويحرروا (اللغة) و (التاريخ) العربيين من الأسر (الشاهنشاهي) ولم تكن لدى الفرس مواقف غير متوازية في تعاطفهم مع الأئمة. وأمهاتهم. ولم تكن (شهربانويه) بأفضل من (نرجس الرومية) أم الإمام المهدي، في التصور الفارسي الإسلامي (28).

____________

(26) إيران والإسلام مرتضى المطهري (ص 93).

(27) الذين اعتمد عليهم الأمويين في قتل آل البيت كانوا عناصر أعجمية ومنها بعض الفارسين وشمر بن ذي الجوشن، الذي قطع رأس الحسين (ع) كان فارسيا.

(28) المصدر السابق.

الصفحة 90
لقد بدأ الانحراف يبدد التصور الأموي والعباسي، للعنصر الأعجمي. وظنا أنهما ملكا الشعوب والأعراف الأخرى، بعروبتهما وإسلامهم. فراحا، يكبران أمر العروبة، فارضين أعرافهما على الشعوب الأخرى. والعنصر الفارسي العريق في الحضارة والتمدن، لم يكن ليسمح للعربي بأن يستذله ويستعبده. لذلك اشرأبت الفتنة بعنقها، وطلت. فانبعث الصراع بين النزوع الأموي وبعده العثماني القومي وبين النزوع الفارسي، الذي كان مستاء من الانحراف في الخلافة، منحازا بذلك إلى محور آل البيت (ع)! يقول الأستاذ مرتضى المطهري (29).

(وإن أكثر أهالي طبرستان وشمال إيران كانوا لم يتعرفوا على الإسلام إلى ما بعد القرن الثالث ولذلك فهم كانوا يحاربون عساكر الخلفاء. وبقي أكثر أهالي كرمان إلى ما بعد عهد الأمويين على المجوسية. وكان أكثر أهل فارس وشيراز على عهد الاصطفري (صاحب كتاب المسالك والممالك) من المجوس).

ولم يكن التشيع من إبداع الفرس إلا عند مهرجي التاريخ، والعرب سباقون إلى التشيع. وهم الذين ادخلوه إلى فارس. والدليل على ذلك، إن معظم علماء السنة الكبار في التفسير والحديث والأدب، واللغة. هم من فارس. وبقيت إيران على السنة الأموية في سب علي (ع) ولعنه في المساجد وعلى المنابر. بل إن بعض المدن الإيرانية رفضت أن تحيد عن لعن الإمام علي (ع) في عهد عمر بن عبد العزيز. وأبت الاستجابة لقراره كأصفهان!.

وارتبط الفرس بعدها بالأئمة، وقدموا كل من ينتسب إليهم من (السادة) العرب. وأحيوا اللغة العربية أكثر من العرب. ومنهم روادها الكبار مثل سيبويه النحوي، وصاحب القاموس المحيط الفيروز آبادي، والزمخشري رائد البلاغة وخصتهم النبوءة الرسولية، بمديح خاص وربطت مصير الإسلام بهم. ومما ورد فيهم من القرآن، إنهم القوم الذين قال فيهم الله تعالى: (وإن تتولوا يستبدل

____________

(29) (الإسلام وإيران) (ج 1 ص 92) ترجمة محمد هادي اليوسفي الغروي قسم العلاقات الدولية منظمة الإعلام الإسلامي.

الصفحة 91
قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) (سورة محمد آية 38) ذكر الزمخشري في تفسيره إنه سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن القوم، وكان سلمان الفارسي إلى جنبه، فضرب على فخذه، وقال: (هذا وقومه والذي نفسي بيده، لو كان الإيمان منوطا بالثريا، لتناوله رجال من فارس) (30).

وذكر الرازي في تفسيره، روى أن الرسول صلى الله عليه وآله سئل عمن يستبدل بهم إن تولوا، وسلمان إلى جنبه فقال (هذا وقومه) ثم قال (لو كان الإيمان منوطا بالثريا لناله رجال من فارس) (31).

ومثل ذلك ذكر ابن كثير في تفسيره، إذ قال ابن أبي حاتم، وابن جرير، حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني مسلم بن خالد عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة: قال إن رسول الله صلى الله عليه وآله تلا هذه الآية (وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) قال يا رسول الله من هؤلاء قال فضرب بيده على كتف سلمان الفارسي (رض) ثم قال (هذا وقومه، ولو كان الدين عند الثريا، لتناوله رجال من الفرس) (32).

وذكر صاحب التبيان وقيل: مثل سلمان وأشباهه من أبناء فارس، ولم يجز الزجاج أن يستبدل الملائكة، لأنه لا يعبر بالقوم عن الملائكة، لا يكونون أمثالكم، لأنهم يكونون مؤمنين مطيعين، وأنتم كفار عاصون) (33) وكذلك أخرجه الترمذي والحاكم والطبري وابن حبان.

وإخلاص الفرس للإسلام، ما زلنا نراه في وضح النهار، في إيران وأفغانستان وسبق الفرس العرب اليوم في تشكيل دولتهم الإسلامية وفكروا في تصدير الثورة

____________

(30) الزمخشري تفسير الكشاف (ص 330) (تفسير سورة محمد (الآية 36 - 38) الجزء الرابع الناشر دار الكتاب العربي بيروت.

(31) التفسير الكبير الرازي (ص 76 27 - 28) الناشر دار الكتب العلمية، طهران.

(32) تفسير ابن كثير (سورة محمد الجزء الرابع) دار القلم بيروت.

(33) التبيان الطوسي (ص 311) المجلد التاسع، دار إحياء التراث العربي.

الصفحة 92
والوعي الإسلامي إلى باقي الشعوب العربية، وهذا هو عين الإعجاز في نبوءة القرآن.

وبالنتيجة، تتلاشى النظرة التعسفية للتاريخ الإسلامي، تلك التي تصور الفرس على أساس إنهم هم الذين اختلقوا (التشيع) بحكم عدائهم للإسلام والعرب. وهاهم دون الرجوع إلى التاريخ بإمكانهم الرجوع إلى مجوسيتهم، وهم في موقع قوة. ولو فعلوا ذلك، لأراحوا أطرافا عربية، ولكنهم لا يفعلون!

فالتشيع في النهاية، هو الصيغة التي احتوت المسلمين الطلائع، المعارضين للخلافة المنحرفة. وهو وليد (المدينة) والمناطق العربية، ولم يدخل إلى إيران سوى في العهود المتأخرة ولم يزدهر التشيع في إيران سوى مع تكوين الدولة الصفوية (1502 م) وسوف يتبين لنا، إن التشيع له جذوره في عمق الرسالة الإسلامية المحمدية. وإن ما أورده الخصوم، إن هي إلا أساطير الأولين، أعادوا لوكها على ألسنتهم، والله متم نوره ولو كره الحاقدون!.


الصفحة 93

وأثرت السؤال!

إنني ما زلت أنزع الأشواك من أقدام التاريخ الإسلامي، لأكون لنفسي رؤية موضوعية حوله. ولست ببعيد عما عاناه ابن الهيثم في إحدى أطوار تجربته. وقد رأى أن ابن اليهودي يصير يهوديا، وابن النصراني يصير نصرانيا. وبأنه سمع حديثا يقول: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) ثم إن الأمة الإسلامية هي نفسها انشطرت إلى مذاهب شتى، وطرائق قددا.

وقد جاء في الحديث النبوي الشريف: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنين وسبعين فرقة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) (34) والغريب، أن الناجية واحدة والباقي في النار!.

ثم رحت أطرح على نفسي السؤال تلو السؤال.

ما أدراني أنني على حق؟.

ترى لو أنني ولدت في إيران أو العراق أو لبنان. ماذا سأكون يا ترى؟ ما ذنبي، إن كنت أجهل الفئة الناجية؟ ما ذنبي، ما ذنبي؟ وكنت مقتنعا أن الله منح الإنسان (العقل) حتى يستنير بنوره. وأن العقل رسول باطن، يرشد إلى أسلم السبل وأهداها.

____________

(34) أبو هريرة رواه ابن ماجة ورواه بن مالك عن عوف بصيغة أخرى.

الصفحة 94
وليكن ما يكون. ولكن لا بد لي أن أفكر، وأمارس كينونتي في الوجود، لا برئ ذمتي، طلبا للحق والتماسا للنجاة، وبعدها أطلب العذر على تقصيري.

المهم هو الوصول إلى (القطع) الذي تثبت به المعذرية. وهذا القطع لا بد أن يحصل بالاجتهاد والبحث الحثيث.

كان أثقل شئ علي يومئذ، أن أقرأ تأريخ (الفتنة الكبرى) والغريب أنني أقرأ صفحة ثم أتوقف متعوذا بالله، وكأنني أنا المسؤول عن كل ما وقع.

أقرأ التاريخ خلسة، وخفية، وكأنني أمارس الفحشاء والمنكر. وما زلت أتذكر الأصحاب، وقد بدأوا يوجهون لي النقد. لأنني بدأت أخرج عن الإيمان، وأهتم بالفتن. إنني كنت أدرك إنهم لا يقولون إلا ما لقنوه. وبرمجوا عليه في تعاملهم مع (الفتنة الكبرى) حيث البؤرة الوحيدة التي تعكس حقيقة الانحراف الذي طرأ على نفوس الكثير من الذين أكبرهم التاريخ في أذهاننا إكبارا زائدا.

كان همي أن أعرف قدر الامكان، الفئة الناجية. ولم أكن أتصور أن الرسول صلى الله عليه وآله يتحدث عن خلاف الأمة، ثم لا يعطيها، مفتاح النجاة، إذن، لما كان نبيا هاديا! فما ذنب مسلمي القرون اللاحقة إن كانت ستأتي بعد وجود الخلاف، فترثه إرثا!.

ثم عدت للحديث لأرى هل في أحشائه ما يرشدني إلى الهدى ويجنبني الضلال. وما أثارني هو تعامل مختلف الفرق، لهذا الحديث. إذ كل فرقة تتبناه لصالحها. فقد قرأت مرة، لسعيد حوى كلاما قال فيه، بأنه إجماع الجمهور، إن الفئة الناجية هي أهل السنة والجماعة. وتساءلت يومئذ عن الحل في هذه الكلمات. هل الجمهور يتفق على نفسه! وليس هو أول من قالها، بل كثرت في كتابات المتقدمين أيضا. لقد روي عن معاوية بن أبي سفيان، فقال ألا إن رسول الله صلى الله عليه وآله قام فينا فقال: ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين: اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة، وهي الجماعة) (35).

____________

(35) سنن أبي داوود (ج 4 ص 198) كتاب السنة.