الصفحة 157

وقال الامام مالك انه جيء بامراة حامل قد ولدت لسته اشهرفامر عثمان برجمها فقال له الامام علي ع: ليس ذلك عليها ان الله تبارك وتعالى يقول: (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) وقال تعالى والوالدات يرضعن اولادهن حولين كاملين لمن اراد ان يتم الرضاعة) فالحمل يكون لستة اشهر فلا رجم عليها. فبعث عثمان في اثرها فوجدها قد رجمت(1). وروى الامام احمد بسنده عن عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي قال ما مضمونه: (ان عثمان لا يعرف الصيد المكول من غيره وفزع الى الامام عي ع فاخبره بالحكم فيه(2).

وقال عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه): كنا ندعوا الإمعة في الجاهلية: الذي يدعى إلى الطعام فيذهب معه بآخر، وهو فيكم اليوم: المقلد دينه الرجال. وقال: ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلا إن آمن آمن وإن كفر كفر، فإنه لا أسوة في البشر. يقول ابن القيم: وقد صح عن ابن مسعود النهي عن التقليد. وقال معاذ بن جبل: أما العالم فإن اهتدى فلا تقلدوه دينكم قال ابن حزم: رحم الله معاذا، لقد صدع بالحق، ونهى عن التقليد في كل شئ وقال مجاهد: ليس من أحد إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال الحكم بن عيينة: ليس أحد من الناس إلا وأنت آخذ من قوله وتارك إلا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)(3). وقال القاضي أبو يوسف: لا يحل لأحد أن يقول مقالتنا حتى يعلم من أين قلناه.و يقول ابن أبي العز الحنفي: فمن تعصب لواحد معين غير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كمالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد، ورأى أن قول هذا هو الصواب الذي ينبغي اتباعه دون

____________

1- موطاء مالك: 2\825 كتاب الحدود تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي , السنن الكبرى للبيهقي: 7\442-443 ونحوه في تفسير الطبري: 2\61 طبولاق مصر والسيوطي في ذيل الاية: (ووصينا الانسان بوالديه احسانا) قال واخرجه ابن المنذر وابن ابي حاتم عن بعجة الجهني ونحوه في الدرر لمنثور في التفسير بالماثور: 6\40.

2- المسند: 1\100 , شرح معاني الاثار للطحاوي: 2\168 كتاب الحج , كنز العمال: 3\53 ط حيدر اباد الهند.

3- جامع بيان العلم: 2 / 988. إعلام الموقعين: 2 / 194 و 195. الرد على من أخلد إلى الأرض: ص 120. 2 - الرد، السيوطي: ص 147. 3 - الإحكام: 6 / 72. الرد: ص 133 - 134. 4 - ملخص إبطال القياس والرأي والاستحسان والتقليد: ص 65. 5 - مختصر المؤمل: ص 65. الرد: ص 133 - 134. 6 - مختصر المؤمل: ص 65. الرد: ص 133 - 134.


الصفحة 158
قول الأئمة الباقين فهو جاهل ضال، وإن اعتقد أنه يجب على الناس اتباعه دون غيره من هؤلاء الإئمة فإنه يخشى عليه، فإن الأمة قد أجمعت على أنه لا تجب طاعة أحد في كل شئ إلا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وقد انحرف في شأن أبي حنيفة (رحمه الله) طائفتان: فطائفة قد غلت في تقليده، (فلم تترك له قولا، وأنزلوه منزلة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإن أورد عليهم نص يخالف قوله تأولوه على غير تأويله ليدفعوه عنهم، ولم يكن أصحابه معه كذلك بل رجعوا عن كثير مما كانوا قلدوه فيه لما ظهر لهم فيه الدليل على خلاف قوله.... وكيف يقال عن رجل من الأمة - كائنا من كان - أنه يجب الأخذ بقوله كله دون سائر الأئمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم؟!. ويقول ابن عابدين الحنفي: ليس على الإنسان التزام مذهب معين. وقد وصف ابن عابدين المقلدين بأ نهم الذين لا يفرقون بين الغث والسمين ولا يميزون بين الشمال واليمين، بل يجمعون ما يجدون كحاطب ليل، فالويل لمن قلدهم كل الويل(1). وقد كان تلاميذ مالك يحذرون من الأخذ بآرائهم، قال عبد الله بن يحيى: كنت آتي ابن القاسم فيقول لي: من أين؟ فأقول: من عند وهب، فيقول: الله الله اتق الله، فإن أكثر هذه الأحاديث ليس عليها العلم، قال: ثم آتي ابن وهب فيقول من أين؟ فأقول من عند ابن القاسم، فيقول: اتق الله، فإن أكثر هذه المسائل رأي. فهذه شهادة تلاميذ مالك في فتاوى المذهب، ولا يخفى أنهم أعلم منا بمذهبهم، فهم يقرون بأن أكثر أحاديثهم رأي، وقد مر علينا قبل قليل قول مالك: (ولا تتبع الرأي) فكأن مالكا وتلاميذه يقولون لنا: لا تتبعونا فإن أكثر أحاديثنا رأي!! وقال سحنون - وهو من أشهر تلاميذ مالك -: ما أدري ما هذا الرأي الذي سفكت به الدماء، واستحلت به الفروج، واستحقت به الحقوق.وقال القاضي عبد الوهاب - أحد أئمة

____________

1- ذكره عنه محمد زكريا البرديسي - استاذ الشريعة في كلية الحقوق جامعة القاهرة - في كتابه اصول الفقه: ص 477. 2 - جامع بيان العلم وفضله: 2 / 1111. إعلام الموقعين: 1 / 77. ملخص إبطال القياس: ص 68. 3 - إعلام الموقعين: 1 / 79. الإحكام: 5 / 222. ص إبطال القياس والرأي: ص 65. اعلام الموقعين: 1 / 75. 2 - نفس مصادر قول أبي حينفة رقم 1 فهذا القول مروي عنهما. 3 - الأتباع: ص 79 - 80، تحقيق وتعليق: محمد عطا الله خيف والقريوتي. 4 - المصدر السابق: ص 30. 5 - المصدر السابق: ص 87. جامع بيان العلم.


الصفحة 159
المالكية - في أول كتابه المقدمات في أصول الفقه: والتفقه من التفهم والتبين، ولا يكون ذلك إلا بالنظر في الأدلة واستيفاء الحجة دون التقليد، لأن التقليد لا يثمر علما ولا يفضي إلى معرفة، وقد جاء النص بذم من أخلد إلى تقليد الآباء والرؤساء واتباع السادات والكبراء... (إنا وجدنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون)(1).

وقد تواترت الرواية عن الإمام مالك أنه قال له الرشيد: أنه يريد أن يحمل الناس على مذهبه، فنهاه عن ذلك. وهذا موجود في كل كتاب فيه ترجمة الإمام مالك، ولا يخلو من ذلك إلا النادر... وحينئذ لم يقل بهذه التقليدات عالم من العلماء المجتهدين، أما قبل حدوثها، فظاهر، وأما بعد حدوثها فما سمعنا عن مجتهد من المجتهدين أنه يسوغ صنيعة هؤلاء المقلدة الذين فرقوا دين الله وخالفوا بين المسلمين بل أكابر العلماء بين منكر، وساكت عنها سكوت تقية لمخافة ضرر وتحت عنوان: رفض الأئمة الأربعة للتقليد قال: ومن المصرحين بهذا، الأئمة الأربعة، فإنه قد صح عن كل واحد منهم هذا المعنى من طرق متعددة "، " فهل تزعمون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: عليكم بسنة أبي حنيفة ومالك والشافعي وابن الأئمة الأربعة، قلنا: وهؤلاء الأئمة قد انفرد كل واحد منهم بفقه وآراء تخالف بعضها بعض بل أئمة المذاهب الأربعة نهوا الناس عن تقليدهم، وفي هذا أكبر دليل على وجوب ترك تقليدهم، إذ كيف نقلدهم وهم لا يريدون ذلك؟! قال أبو حنيفة: لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعرف من أين أخذناه. وفي رواية: لا ينبغي لمن لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي. وزاد في رواية فاننا بشر نقول القول ونرجع عنه غدا قولنا هذا رأي وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاءنا بأحسن من قولنا فهو أولى بالصواب منا. وقيل لأبي حنيفة: يا أبا حنيفة هذا الذي تفتي فيه هو الحق الذي لا شك فيه؟ فقال: لا أدري، لعله الباطل الذي لا شك فيه.!! وقال: كنا نختلف إلى أبي حنيفة ومعنا أبو يوسف ومحمد بن الحسن فكنا نكتب عنه، فقال يوما لأبي يوسف:

____________

1- القول المفيد: ص 50 - 52 باختصار. 2 - جامع بيان العلم وفضله: 2 / 143. إعلام الموقعين: 2 / 197. إيقاظ الوسنان، محمد بن علي السنوسي الادريسي: ص 119. 3 - راجع جامع بيان العلم: 2 / 139 و 140. القول المفيد: ص 48. 4 - المصدر السابق. والرد، السيوطي: ص 120 - 121. 2 / 140. 6 - أسد حيدر: 1 / 177.


الصفحة 160
ويحك يعقوب! لا تكتب كل ما تسمعه مني، فإني قد أرى الرأي اليوم فأتركه غدا، وأرى الرأي غدا فأتركه بعد غد(1).

وقال مالك بن أنس: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وكل مالم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه "(2). قال ابن حزم: فهذا مالك ينهى عن تقليده، وكذلك أبو حنيفة، وكذلك الشافعي، فلاح الحق لمن لم يغش نفسه، ولم تسبق إليه الضلالة، نعوذ بالله منها. وقال الشوكاني: ولا يخفى عليك إن هذا تصريح منه بالمنع من تقليده. وقال مالك ايضا: ليس لأحد بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا النبي. وذكر الطبري في كتاب تهذيب الآثار، بإسناده إلى مالك، قال: قال مالك: قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد تم هذا الأمر واستكمل، فإنما ينبغي أن تتبع آثار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا تتبع الرأي، فإنه متى اتبع الرأي جاء رجل آخر أقوى في الرأي منك فاتبعته، فأنت كلما جاء رجل عليك اتبعته، أرى هذا لا يتم(3).

____________

1- الانتقاء، ابن عبد البر: ص 145. اعلام الموقعين، ابن القيم 2 / 309. القول المفيد، الشوكاني: ص 49. إيقاظ الهمم، للفلاني: ص 54. الأتباع، ابن أبي العز الحنفي: ص 79 مجموعة الرسائل المنيرية، الصنعاني 1 / 28. إرشاد النقاد: ص 145. تحفة الأنام: ص 46، حجة الله البالغة، الشاه دهلوي 1 / 158. قواعد التحديث، القاسمي. والإنصاف: ص 105. حجة الله البالغة، نقلا عن اليواقيت والجواهر 1 / 157. إسلامنا، مصطفى الرافعي: ص 62 الإنصاف: ص 104. 4 - الإيقاظ: ص 50. 5 - الأتباع: ص 78. ملخص إبطال القياس والرأي، ابن حزم: ص 66. تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي 3 / 42 مجموعة فتاوى ابن تيمية 20 / 211. اعلام الموقعين 1 / 75. الميزان، الشعراني 1 / 55. تنبيه المغترين. وانظر تحفة الأنام: ص 46. إيقاظ الهمم: ص 54. حجة الله البالغة 1 / 157. رسالة الإنصاف: ص 104. إسلامنا: ص 62. أدب الأختلاف في الإسلام، طه العلواني: ص 75. أبي زهرة نقلا عن تاريخ بغداد 3 / 42، وانظر الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء. 7 - حاشية ابن عابدين 1 / 63، رسالة رسم المفتي 1 / 4 من مجموع رسائل ابن عابدين، ونقل ابن عابدين الحنفي عن شرح الهداية لابن الشحنة الكبير شيخ ابن الهمام ما يفيد هذا المعنى. وانظر الإيقاظ: ص 62.

2- الجامع، ابن عبد البر، تحقيق أبي الأشبال الزهيري: 1 / 775. الإيقاظ: ص 72. الأتباع: ص 79. ملخص إبطال القياس: ص 66 - 67 مجموع فتاوى ابن تيمية: 20 / 211. مختصر المؤمل: ص 61 معنى قول الامام المطلبي اذا صح الحديث فهو مذهبي، تقي الدين السبكي، تحقيق علي نايف بقاعي، ص 125.

3- الإحكام: 6 / 294. 3 - القول المفيد: ص 50. 4 - إرشاد السالك، ابن عبد الهادي وصححه: 1 / 227. حجة الله البالغة: 2 / 150 و 157. مختصر المؤمل: ص 160 و 166. إحياء علوم الدين، الغزالي: 1 / 78. الإنصاف: ص 53 و 104. معنى قول الامام المطلبي: 127. 5 - جامع بيان العلم وفضله: 2 / 33. الإحكام: 5 / 196. 6 - القول المفيد: ص 78. إعلام الموقعين: 1 / 78. الإيقاظ: ص 18.


الصفحة 161
وقال القعنبي دخلت على مالك في مرضه الذي مات فيه فسلمت عليه فرأيته يبكي فقلت: يا أبا عبد الله ما الذي يبكيك؟ فقال لي: يا ابن قعنب ومالي لا أبكي! ومن أحق بالبكاء مني! لوددت أني ضربت سوطا وقد كانت لي السعة فيما سبقت إليه، وليتني لم أفت بالرأي. يقول ابن حزم: " فهذا رجوع منه عن كل ما أفتى منه برأي، وهذا ثبت عنه.

وهذه شهادة مالك في فتاواه ليتني لم افت بالرأي ومالك يقول - كما مر قبل أسطر -: " ولا تتبع الرأي " إذا فهو ينهى عن اتباع نفسه، فهل يسوغ المسلم لنفسه بعد هذا أن يقلد مالكا ويأخذ بفتاواه بعد أن بكى منها؟!

وروي أن مالكا أفتى في طلاق البته - أي الطلاق الذي لا رجعة فيه - أنها ثلاث، فنظر إلى أشهب قد كتبها، فقال: امحها، أنا كلما قلت قولا جعلتموه قرآنا! أما يدريك! لعلي سأرجع عنها غدا فأقول: هي واحدة!! "(1).

وقال الشافعي: قال حرملة بن يحيى: قال الشافعي: ما قلت وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد قال بخلاف قولي، فما صح من حديث النبي أولى ولا تقلدوني وقال: كل مسألة صح فيها الخبر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عند أهل النقل بخلاف ما قلت فأنا راجع عنها في حياتي وبعد مماتي. قال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي يقول: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقولوا بها ودعوا ما قلت(2).

____________

1- القول المفيد: ص 79. الإحكام في اصول الأحكام: 5 / 224. الجامع: 2 / 1072. وفيات الأعيان، ابن خلكان: 3 / 246، وقد عد ابن قتيبة مالكا فقيه رأي، انظر المعارف: ص 218. 2 - ملخص إبطال القياس: ص 67. 3 - الزمر: 18. 4 - الإحكام في اصول الأحكام: 6 / 18. جامع بيان العلم: 2 / 144. الأتباع: ص 84. إعلام الموقعين: 2 / 199. 5 - الإحكام: 6 / 18. 6 - المصدر السابق: 6 / 314. ملخص إبطال القياس: ص 66.

2- لحاوي: ص 18. آداب الشافعي ومناقبه، ابن أبي حاتم الرازي: ص 93. معنى قول الامام المطلبي، 71. سير أعلام النبلاء، 10 / 33. القول المفيد: ص 62. مجموعة الرسائل المنيرية، الصنعاني 1 / 26 نقلا عن السندي في تحفة الأنام والبيهقي في سننه، وانظر مناقب الشافعي للبيهقي 1 / 473. حلية الأولياء، أبي نعيم 9 / 106 - 107. ابن عساكر 51 / 386. إعلام الموقعين 2 / 285. مختصر المؤمل، أبي شامة: ص 58. إرشاد النقاد: ص 142. الإيقاظ: ص 50. تحفة الأنام: ص 34. 2 - الإيقاظ: ص 100. تاريخ دمشق لابن عساكر: 51 / 389. إعلام الموقعين 2 / 286. معنى قول الإمام المطلبي: ص 76 - 77. 3 - أبو نعيم 9 / 107. المجموع، الهروي 1 / 47. إعلام الموقعين 2 / 285. مختصر المؤمل: ص 57، الإيقاظ: ص 104. الام 7 / 183. 4 - معنى قول الإمام المطلبي، 72. مقدمة الحاوي، الماوردي الشافعي: ص 18، قدم له وعلق عليه الاستاذ محمد بكر إسماعيل استاذ بجامعة الأزهر، الاستاذ الدكتور عبدالفتاح أبو سنه جامع الأزهر. مختصر المؤمل: ص 47 عن المناقب للبيهقي. سير أعلام النبلاء، الذهبي 10 / 33. صفوة الصفوة 2 / 257. القول المفيد: ص 62. إعلام الموقعين: 2 / 285. الإيقاظ: ص 100. ذم الكلام، الهروي 2 / 47 ح 1. ابن عساكر 51 / 386. الخطيب: 8 / 2.


الصفحة 162
وقال أحمد بن حنبل: لا تقلدني!! ولا تقلد مالكا!! ولا الشافعي!!، ولا الأوزاعي! ولا الثوري! وخذ من حيث أخذوا(1). وقال: رأي الأوزاعي ورأي مالك ورأي سفيان كله رأي، وهو عندي سواء، وإنما الحجة في الآثار وقال: انظروا في أمر دينكم فإن التقليد لغير المعصوم مذموم، وفيه عمى للبصيرة(2).

فمن المعصوم في كل عصر لياخذ براية؟؟؟ انهم الائمة الذين هم امان لاهل الرض وسفينة النجاة ولو خلت الارض منهم لساخت باهلها.

هذه هي نبذه من أقوال الصحابة واولهم ابي بكر, وهذه اقوال العلماء وائمة المذاهب الاربعة الذين نهوا عن التقليد بما في ذلك تقليد الأئمة الأربعة فكيف نعرف المتشابة من القران والصحيح من السنة الا بمفسرين معصومين لا مجتهدين وهذا ما يحكم به العقل بالاضافة الى ما اوردنا من النقل.

اما المؤسس الحقيقي للسلفية وهو ابن تيمية، فسنجد أن علماء عصره ومن بعدهم هجروه بل كفره البعض، وإليك بعض ما قيل فيه: قال تقي الدين الحمصي عن الحافظ ابن رجب الحنبلي: وكان الشيخ زين ابن رجب الحنبلي ممن يعتقد كفر ابن تيمية وله عليه الرد، وكان يقول بأعلى صوته في بعض المجالس: معذور السبكي في تكفيره.

____________

1- من المعلوم وكما بينا ذلك في محله انهم اخذوا عن الباقر والصادق ع.

2- حجة الله البالغة: 1 / 157. الإنصاف: ص 105. والمدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، أحمد الشافعي: ص 105. إسلامنا: ص 62. 2 - حجة الله البالغة: 1 / 157. والإنصاف: ص 105. 3 - النساء: 82. 4 - مختصر المؤمل، أبي شامة الشافعي: ص 60. 5 - مجموع فتاوى ابن تيمية: 20 / 211 - 212. إعلام الموقعين: 2 / 201. الإيقاظ: ص 113. مختصر المؤمل: ص 61. مجموعة الرسائل المنيرية: 1 / 27. تحفة الأنام. حجة الله البالغة: 1 / 157. الإنصاف: ص 105، السنة المفترى عليها، سالم البهنساوي: ص 194. 6 - الجامع: 2 / 1082. إعلام الموقعين: 1 / 79. أضواء على السنة المحمدية، محمود أبو ريه: ص 384 نقلا عن الإسلام الصحيح: ص 297. 2 - الإيقاظ: ص 113. إعلام الموقعين: 2 / 200.


الصفحة 163
وقال الفقيه ابن حجر - أحد كبار علماء الشافعية -: وإياك أن تصغي إلى ما في كتب ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية وغيرهما - ممن اتخذ إلهه هواه واضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله - وكيف تجاوز هؤلاء الملحدون الحدود وتعدوا الرسوم وخرقوا سياج الشريعة والحقيقة فظنوا بذلك أنهم على هدى من ربهم وليسوا كذلك، بل هم على أسوأ الضلال وأقبح الخصال وأبلغ المقت والخسران وأزهى الكذب والبهتان، فخذل الله متبعهم وطهر الأرض من أمثالهم. وقال أيضا: ابن تيمية عبد خذله الله وأضله وأعماه وأصمه وأذله، وبذلك صرح الأئمة الذين بينوا فساد أحواله وكذب أقواله، ومن أراد ذلك فعليه بمطالعة كلام الإمام المجتهد المتفق على إمامته وجلالته وبلوغه مرتبة الاجتهاد أبي الحسن السبكي وولده التاج والشيخ الحمد بن جماعة وأهل عصرهم وغيرهم من الشافعية والمالكية والحنفية(1).

وقال المجتهد تقي الدين السبكي: أما بعد، فإنه لما أحدث ابن تيمية ما أحدث في أصول العقائد ونقض من دعائم الإسلام الاركان والمعاقد، بعد ان كان مستترا بتبعية الكتاب والسنة مظهرا انه داع إلى الحق هاد إلى الجنة، فخرج من الاتباع إلى الابتداع وشذ عن جماعة المسلمين بمخالفة الإجماع، وقال بما يقتضي الجسمية والتركيب في ذات المقدس وأن الافتقار إلى الجزء ليس بمحال، وقال بحلول الحوادث بذات الله تعالى وأن القرآن محدث تكلم الله به بعد أن لم يكن، وأنه يتكلم ويسكت ويحدث في ذاته الإرادات بحسب المخلوقات، وتعدى في ذلك إلى استلزام قدم العالم، والتزامه بالقول بأ نه لا أول للمخلوقات، وقال بحوادث لا أول لها، فأثبت الصفة القديمة حادثة والمخلوق الحادث قديما، ولم يجمع أحد هذين القولين في ملة من الملل ولا نحلة من النحل، فلم يدخل في فرقة من الفرق الثلاثة والسبعين التي افترقت عليها الأمة ولا وقفت به مع امة من الامم همة، وكل ذلك وإن كان كفرا شنيعا مما تقل جملته بالنسبة لما أحدث في الفروع(2).. وقال شيخ الإسلام الذهبي - تلميذ شيخ الإسلام ابن

____________

1- دفع شبه من شبه وتمرد للحصني: ص 123 , الفتاوى الحديثية: ص 203.

2- الدرة المضيئة في الرد على ابن تيمية: ص 1.


الصفحة 164
تيمية! - في رسالته زغل العلم التي وجهها لابن تيمية: فإن برعت في الأصول وتوابعها من المنطق والحكمة والفلسفة وآراء الأوائل ومحارات العقول واعتصمت مع ذلك بالكتاب والسنة واصول السلف ولفقت بين العقل والنقل، فما اظنك في ذلك تبلغ رتبة ابن تيمية ولا والله تقاربها، وقد رأيت ما آل أمره إليه من الحط عليه والهجر والتضليل والتكفير والتكذيب بحق وبباطل، فقد كان قبل أن يدخل في هذه الصناعة منورا مضيئا على محياه سيماء السلف ثم صار مظلما كسوفا(1). وقد نودي على ابن تيمية بدمشق: من اعتقد عقيدة ابن تيمية حل دمه وماله(2). وقد كفر ابن تيمية قضاة المذاهب الأربعة في مصر، حين حرم زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصدر الشاميون فتيا، وكتب عليها البرهان ابن الفركاخ الفزاري نحو أربعين سطرا بأشياء إلى أن قال بتكفيره، ووافقه على ذلك الشهاب بن جهبل، وكتب تحت خطه كذلك المالكي، ثم عرضت الفتيا لقاضي القضاة الشافعية بمصر، البدر بن جماعة فكتب على ظاهر الفتوى: الحمد لله هذا المنقول باطنها جواب عن السؤال عن قوله: إن زيارة الأنبياء والصالحين بدعة وما ذكره من نحو ذلك ومن أنه لا يرخص بالسفر لزيارة الأنبياء باطل مردود عليه، وقد نقل جماعة من العلماء أن زيارة النبي فضيلة وسنة مجمع عليها، وهذا المفتي المذكور - يعني ابن تيمية - ينبغي أن يزجر عن مثل هذه الفتاوى الباطلة عند الأئمة والعلماء، ويمنع من الفتاوى الغريبة، ويحبس إذا لم يمتنع من ذلك، ويشهر أمره ليحتفظ الناس من الاقتداء به. وكتبه محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الشافعي، وكذلك يقول محمد ابن الجريري الأنصاري الحنفي: لكن يحبس الآن جزما مطلقا. وكذلك يقول محمد بن أبي بكر المالكي: ويبالغ في زجره حسبما تندفع تلك المفسدة وغيرها من المفاسد(3).

____________

1- هناك كلام للذهبي في الثناء على ابن تيمية ولكن رسالته هذه " بيان زغل العلم " كتبها متأخرا.

2- الدرر الكامنة، ابن حجر العسقلاني: 1 / 147 , مرآة الجنان، اليافعي: 2 / 242.

3- نقلا عن تكملة السيف الصقيل، محمد زاهد الكوثري: ص 155 , التنبيه والرد، السقاف عن مخطوط كتاب ذخائر القصر في تراجم نبلاء العصر: للحافظ ابن طولون الحنفي: 32 - 33 ونقله السقاف عن كتاب التوفيق الرباني. فراجع بعض أقوالهم في كتاب التنبيه والرد على معتقد قدم العالم والحد: ص 14 - 23.


الصفحة 165
وغير ذلك كثير فراجع ما قيل فيهم وما قالوا هم عن انفسهم لتطمئن انهم ليسوا اولي المر بل لا يكون اولي الامر الا معصومين من الخطاء لان الاية مطلقة بالطاعة ولا يكون مطلق الطاعة الا معصوم ولا احد يدعي العلم والعصمة الا اهل البيت ع يقولون للناس كما في كلام الامام علي ع: سلوني قبل أن تفقدوني سلوني قبل ان لا تسألوني ولن تسألوا بعدي مثلي(1). وقوله عليه السلام: سلوني والله لا تسألوني عن شئ يكون إلى يوم القيامة إلا أخبرتكم، سلوني عن كتاب الله فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار في سهل أم في جبل(2). وقال ع ان هاهنا علم - واشار الى صدره - لو وجدت له حمله(3). وله ولابنائ عليهم السلام كلام كثير يامروا الناس باتباعهم ويذكروهم بوجوب طاعتهم, اما غيرهم فقد اشتهر قولهم: كلن افقه مني حتي ربات الحجال. واقيلوني اقلوني ووو... هذا ما اشرنا له انفا.

فمدرسة آل البيت قالوا: إن مصداق هذه الآية لا يوجد الا في من جعلهم الله ائمة هداة لا يخلو الزمن من أحدهم لن يفترقا حتى يردا على رسول الله ص حوضه وقد عينهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأسمائهم عليه السلام)(4).

وبقية الهداة في صلب علي، لأنه رمز لهم، وما مر من أحاديث يؤكد لنا على أنهم الهداة بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ودون هذا التفسير لا يكون للآية أي تفسير مقبول! فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله السابق، أعطى عليا مطلق الهداية، وحصر الهداية فيه، فهو حسب قول النبي (ص): " انا المنذر وانت الهاد وبك ياعلي يهتدي

____________

1- أخرجه الحاكم في المستدرك 2 ص 466 وصححه هو والذهبي في تلخيصه. وقوله: عليه السلام: لا تسألوني عن آية في كتاب الله تعالى ولا سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنبأتكم بذلك. أخرجه ابن كثير في تفسيره 4 ص 231 من طريقين وقال: ثبت أيضا من غيروجه.

2- أخرجه أبو عمر في جامع بيان العلم 1 ص 114، والمحب الطبري في الرياض 2 ص 198، ويوجد في تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 124، والاتقان 2 ص 319، تهذيب التهذيب 7 ص 338، فتح الباري 8 ص 485، عمدة القاري 9 ص 167، مفتاح السعادة 1 ص 400.

3- اعلام الموقعين: 1\ 21 , الطبقات الكبرى لعبد الوهاب الشعراني: 1\ 18 , ينابيع المودة ص26 , لطائف تالمنن عبد الوهاب المصري: 2\89 , الفائق للزمخشري: 3\ 188 , لسان العرب: 13\390.

4- إحقاق الحق 3 / 93. ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق 2 / 417. تفسير الطبري 13 / 108. تفسير ابن كثير: 2 / 502. تفسير الرازي: 5 / 271. الدر المنثور: 4 / 45. روح المعاني: 13 / 97. تفسير الشوكاني. المستدرك، الحاكم: 3 / 129. منتخب الكنز بهامش مسند أحمد: 5 / 34. زاد المسير، ابن الجوزي: 4 / 307. الفصول المهمة، ابن الصباغ المالكي: ص 107.


الصفحة 166
المهتدون"، هاد في جميع أوقاته ولا يكون الإنسان هاديا في أحواله كلها إلا إذا كان معصوما. وكلمة (هادي) اسم فاعل تدل على أن الهادي يهدي ولا يهدى وقرائن ذلك كثيرة من الكتاب الكريم والسنة المطهرة كاية التطهير والانذار والدهر وكحديث الدار والغدير والثقلين ووو.... وبقرينة رجوع الناس اليهم في كل عصر والسلف جميعهم قد أخطأوا، واحتاج بعضهم لبعض إلا عليا فلم يحتج يوما لأحد في أي قضية، بل كان الكثير يحتاجون إليه وهذا لا يخفى على أحد وكذا كان ولده من بعده كما بينا ذلك في محله فراجع, فلايجوز أن نقدم أحدا عليهم (عليهم السلام)، لأن المتقدم عليهم هالك والمتخلف عنهم زالق مارق وليس هذا الا الإعداد الرباني لقيادة الأمة وتوجيه أنظارها نحوهم، فهم البقية الباقية من الرسول (ص) فهل تجد هذه الآيات أو الروايات نازلة في أحد من السلف وأئمة المذاهب، غير آل البيت؟؟ وهل تجد...؟ وهل تجد...؟ إذا كان الجواب لا، فلم قدمتم عليهم من لم يدانيهم في فضل ولا علم ولا ولا....؟!!.


الصفحة 167

الدليل الرابع عشر حديث الطير

يقول الترمذي في صحيحه عن أنس بن مالك: كان عند النبي (صلى الله عليه وسلم) طير فقال: "اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي هذا الطير، فجاء علي فأكل معه(1)". هذا لفظ الحديث بهذا المقدار في صحيح الترمذي، فلم يذكر ما ذكر غيره ولكنه كافي من مثله اذ الحديث يفسر بعضه بعضا.

وجاء في كتاب مناقب علي لأحمد بن حنبل ما نصه: عن سفينة خادم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذي هو أحد رواة هذا الحديث يقول: أهدت امرأة من الأنصار إلى رسول الله طيرين بين رغيفين، فقدمت إليه الطيرين، فقال (صلى الله عليه وسلم): اللهم ائتني بأحب خلقك إليك وإلى رسولك، ورفع صوته، فقال رسول الله: من هذا؟ فقال: علي(2).

ولفظ أحمد ايضا محرف لأن في اكثر الألفاظ: إن علي (ع) اتى مراتان ويرده انس وفي الثالثة لما جاء علي رفع صوته فقال رسول الله: من هذا؟ فمن هنا يظهر معنى ورفع صوته ويتبين التحريف، وإلا فأي علاقة بين قوله: اللهم ائتني بأحب الخلق إليك وإلى رسولك ورفع صوته، وقوله: فقال رسول الله (من هذا)؟ فقال: علي، أي: قال سفينة: الذي خلف الباب هو علي، قال: افتح له، ففتحت، فأكل مع رسول الله من الطيرين حتى فنيا. فالتلاعب في لفظ الحديث عند أحمد واضح.

أما الهيثمي فيروي هذا الحديث باللفظ التالي: عن أنس بن مالك قال: كنت أخدم رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقدم فرخا مشويا أو فقدم فرخا مشويا فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): اللهم

____________

1- صحيح الترمذي 5 / 595 باب مناقب علي بن أبي طالب.

2- فضائل الإمام علي (ع) لابن حنبل: 42 رقم 68، تحقيق السيد عبد العزيز الطباطبائي.


الصفحة 168
ائتني بأحب الخلق إليك وإلي يأكل معي من هذا الفرخ فجاء علي ودق الباب، فقال أنس: من هذا؟ قال: علي، فقلت - أي أنس - يقول: النبي على حاجة، وفي بعض الألفاظ: النبي مشغول، أي لا مجال للدخول عليه، والحال أن النبي كان ما زال يدعو: اللهم ائتني بأحب الخلق إليك، قال: النبي على حاجة، فانصرف علي. عاد رسول الله مرة أخرى يقول: اللهم ائتني بأحب الخلق إليك وإلي يأكل معي من هذا الفرخ، فجاء علي فدق الباب دقا شديدا، فسمع رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقال: يا أنس من هذا؟ قال: علي، قال: أدخله، فدخل فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): لقد سألت الله ثلاثا أن يأتيني بأحب الخلق إليه وإلي يأكل معي هذا الفرخ، فقال علي: وأنا يا رسول الله، لقد جئت ثلاثا كل ذلك يردني أنس، فقال رسول الله: يا أنس، ما حملك على ما صنعت؟ قال: أحببت أن تدرك الدعوة رجلا من قومي، فقال رسول الله: لا يلام الرجل على حب قومه(1).

ففي هذا الحديث جاء علي مرتين فرده أنس قائلا: رسول الله على حاجة، في المرة الثالثة دق علي الباب دقا شديدا. وفي بعض الألفاظ: رفع صوته فسمع رسول الله صوت علي وقال لأنس: إفتح الباب ليدخل علي، ثم اعترض عليه رسول الله، أي على أنس، واعتذر أنس كما في الخبر: أحببت أن تدرك الدعوة رجلا من قومي.

لكن الحديث في مسند أبي يعلى كما يلي: حدثنا قطن بن نسير، حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي، حدثنا عبد الله بن مثنى، حدثنا عبد الله بن أنس عن أنس قال: أهدي لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) حجل مشوي، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطعام، فقالت عائشة: اللهم اجعله أبي، وقالت حفصة: اللهم اجعله أبي، قال أنس: فقلت أنا: اللهم اجعله سعد بن عبادة، قال أنس: سمعت حركة الباب، فإذا علي، فسلم، فقلت: إن رسول الله على حاجة، فانصرف، ثم سمعت حركة الباب فسلم علي، فسمع رسول الله صوته، أي رفع علي صوته فسمع رسول الله صوته فقال: أنظر من هذا؟ فخرجت، فإذا علي، فجئت إلى رسول الله فأخبرته، فقال: ائذن له، فأذنت له، فدخل، فقال رسول الله: اللهم وإلي اللهم وإلي. أما النسائي فيروي هذا الحديث بسند صحيح عن أنس بن مالك: إن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان عنده

____________

1- مجمع الزوائد 9 / 125 - دار الكتب العربي - بيروت - 1402 هـ.


الصفحة 169
طائر، فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر، فجاء أبو بكر فرده، ثم جاء عمر فرده، ثم جاء علي فأذن له(1).

وفي مسند أبي يعلى بنفس السند، ترون مجئ الشيخين ومجئ عثمان أيضا، قال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير، فجاء أبو بكر فرده، ثم جاء عمر فرده، ثم جاء عثمان فرده، ثم جاء علي فأذن له(2).

لاحظوا كيف يتلاعبون باللفظ، وكيف ينقصون من القصة، وكيف يسقطون تلك النقاط الحساسة التي هي مورد الاستدال.

وتذكر الروايات ان الامام علي ع احتج على كبار الصحابة بانه اولى بالخلافه منهم بحديث الطيرولم يرد عليه احد. وتذكر ان معاوية امر سعد بن أبي وقاص بسب علي، فأبى سعد من أن يسب، وسأله معاوية عن السبب، فاعتذر بأنه سمع من رسول الله خلالا أو خصالا لعلي، وما دام يذكر تلك الخصال فلن يسب عليا فذكر الخصال ومنها حديث الطير, وهذه الرواية موجودة في حلية الأولياء لأبي نعيم(3).

محاولة فاشلة:

اولا السند:

1- قد حاول بعضهم ان يمس بوثاقة أحد رجال هذا السند, وهو السدي.

والجواب: ان السدي (إسماعيل بن عبد الرحمن) من رجال مسلم، من رجال الترمذي، من رجال النسائي، من رجال أبي داود، ومن رجال ابن ماجة.و يقول أحمد بترجمته: ثقة. ويقول غيره من كبار الرجاليين: ثقة. حتى أن ابن عدي المتشدد في الرجال يقول: هو مستقيم الحديث صدوق، بل إنه من مشايخ شعبة. وشعبة أمير المؤمنين عندهم، وهو لا يروي إلا عن ثقة هكذا يقولون، يقولون شعبة بن الحجاج لا يروي إلا

____________

1- الخصائص للنسائي: 29 رقم 10 - مكتبة المعلا - الكويت - 1406 هـ , سير أعلام النبلاء 14 / 133 - مؤسسة الرسالة - بيروت - 1404 هـ.

2- مسند أبي يعلى 7 / 105 رقم 4052 - دار المأمون للتراث - دمشق - 1406 هـ.

3- حلية الأولياء 4 / 356.


الصفحة 170
عن ثقة، وممن يعترف بهذا المعنى أو يدعي هذا المعنى هو ابن تيمية, وينقل السبكي كلامه في كتابه شفاء الأسقام(1).

2- كتاب العلل المتناهية في الأحاديث الواهية لأبي الفرج ابن الجوزي، يذكر هذا الحديث بسند أو ببعض أسانيده ويضعفه ويسكت عن بعض الأسانيد الأخرى(2).

والجواب:

ان كبار المحدثين من المحققين من أهل السنة قد دعا إلى التحذير من الاعتماد على حكم ابن الجوزي، في أي حديث من الأحاديث، وأنه لا بد من التثبت. ربما ينسبون إلى ابن الجوزي أنه أدرج حديث الطير في كتاب الموضوعات(3) والحال أنه غير موجود في كتاب الموضوعات، نعم، موجود في كتاب العلل المتناهية، لكنه ببعض أسناده، وإنما يتكلم على بعض رجال هذا الحديث في بعض الأسانيد ويسكت عن البعض الآخر.

3-رد الحديث بدون دليل الا ان قلوبهم لا تقبله!!!!

من هاؤلاء الذين قلوبهم لا تقبله ابن كثيريذكر في تاريخه حديث الطير، ويرويه عن عدة من الأئمة الأعلام، يرويه عن الترمذي، وعن أبي يعلى، وعن الحاكم، وعن الخطيب البغدادي، وعن ابن عساكر، وعن الذهبي، وعن غيرهم، إلى أن قال: وقد جمع الناس في هذا الحديث مصنفات مفردة منهم: أبو بكر ابن مردويه، والحافظ أبو طاهر محمد بن أحمد بن حمدان فيما رواه شيخنا أبو عبد الله الذهبي يقول: ورأيت مجلدا في جمع طرقه وألفاظه لأبي جعفر ابن جرير الطبري المفسر صاحب التاريخ، ثم وقفت على مجلد كبير في رده وتضعيفه سندا ومتنا للقاضي أبي بكر الباقلاني المتكلم. ثم يذكر ابن كثير رأيه في هذا الحديث قائلا: وبالجملة، ففي القلب من صحة هذا الحديث نظر وإن كثرت طرقه.

يعني لم يجد مناقشة علمية لرد الحديث فرفضه قلبه!!!.

وكذا الذهبي الذي يقول في تلخيصه للمستدرك في ذيل هذا الحديث: (حب......) قال: الحديث منكر من القول يشهد القلب بوضعه.

____________

1- شفاء الأسقام في زيارة خير الأنام: 10.

2- العلل المتناهية 1 / 228 من رقم 360 - 377.

3- مرقاة المفاتيح 10 / 465 رقم 6094 - دار الفكر - بيروت - 1414 هـ.


الصفحة 171
فلم يناقشا في سند الحديث او شي علمي اخر،انما يشهد القلب بوضعه!!

اذن فمناقشة سند الحديث والحكم بضعفه فشلت لان الحديث لا مجال للطعن فيه كما ذكرنا، وله أسانيد صحيحة.

ثانيا تحريف اللفظ:

1- لقد اشرنا الى لفظ الحديث من كتاب أحمد بن حنبل ففضائله أو مناقبه، فلنقرأ لفظ الحديث في مسنده فلاحظوا: قال: سمعت أنس بن مالك وهو يقول: أهديت لرسول الله ثلاثة طوائر، فأطعم خادمه طائرا، فلما كان من الغد أتت به - كلمة الخادم تطلق على المرأة والرجل - فقال لها (صلى الله عليه وسلم): ألم أنهك أن ترفعي شيئا، فإن الله عز وجل يأتي برزق كل غد(1).

لا ندري هل التحريف الذي جاء في مسند أحمد من أحمد نفسه أو النساخ أو الطابعين لكتابه؟ الله أعلم.

2- الشيخ الإصفهاني يروي هذا الحديث وفيه ما يتعلق بأمير المؤمنين (عليه السلام)، ولكن ما يتعلق بكذب وخيانة أنس، هذا محذوف ومحرف(2).

ثالثا محاولة تأويل الحديث:

لقد حملون لفظ الحديث الذي يقول: " اللهم ائتني بأحب خلقك إليك وإلى رسولك " حملوه على أن المراد: اللهم ائتني بمن هو من أحب خلقك إليك وإلى رسولك، فحينئذ لا إشكال، لأن مشايخ القوم أحب الخلق إليه أيضا، فيكون علي أيضا من أحب الخلق إليه. اللهم ائتني بأحب خلقك إليك وإلى رسولك، أي اللهم ائتني بمن هو من أحب خلقك إليك وإلى رسولك(3). وهذا خلاف ظاهر اللفظ اذ اللفظ صفة افعل (احب) وليس تبعيض بمن وهذا التاويل لا يقبه احد ولا لتلاعب كل انسان بالنصوص على هواه.

وقال صاحب التحفة الاثني عشرية: إن القضية إنما كانت في وقت كان الشيخان في خارج المدينة المنورة، فلذا لم يحضرا فحضر علي(4).

____________

1- مسند أحمد 4 / 52 رقم 12631.

2- طبقات المحدثين بإصبهان 3 / 454.

3- المرقاة في شرح المشكاة: 212 ,وشروح مصابيح السنة.

4- التحفة الاثنا عشرية: 212.