المقدمة:
الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين محمد واله الطيبين الطاهرين.
أما بعد فأنه قد تسنى لي ان اكتب هذا الكتاب لتعريف القارئ العزيز بفرقة اسلامية تعد من فرق الشيعة , وعرض بعض معتقداتهم ومناقشتهم فيها , وانا أرى ان هذا الاقدام من اعظم عوامل التقريب بين المذاهب الاسلامية , بالاخص تلك المذاهب التي تنتمي إلى التشيع , وتلك الفرق التي تحمل روح التسامح , وتنظرالى نظيراتها من الفرق الاخرى بعين الاحترام , وتتجنب التكفير والتضليل للفرق الاخرى , ومن الميزات التي يتحلى بها اغلب علماء الزيدية في اليمن , وكذا علماء الجعفرية هو الاحترام للفرق الاسلامية الاخرى , والحرص على التقريب بين المسلمين والنظر العميق إلى مصالح الاسلام والمسلمين , والتواضع في الحوار والدعوة اليه , وقد كانت الكتابة عن هذه الفرقة وجمع اراء زعمائها من اصعب الامور وذلك بسبب عدم اخراج الترث الزيدي إلى عالم المطبوعات وبقاء الكثير منه في عالم المخطوطات , اضف إلى ذلك ان ما طبع من ذلك التراث لم يطبع بالمقدار الكافي لكي يستفيد منه الجميع , فالباحث حول الزيدية يصعب عليه تحصيل بعض كتبهم في اليمن معقل الزيدية و فكيف لمن اراد التحقيق عن الزيدية وهو خارج اليمن , كما هو حالي , ولكن وبحمد لله قد سعيت جاهدا لجمع اهم المصادر عندهم , وقد استطعت جمع الزبدة من أرائهم , ولازلت اتمنى ان تأتي لي فرصة اكبر ومجال اوسع للكتابة عن هذه الفرقة الاصيلة , وأخراج تلك الحقائق الدفينة , وأدعو الله ان يكون هذا البحث المتواضع مقدمة لذلك الهدف السامي ومن المولى نرجوالثواب وهو القادر على ما يشاء.
السيد يحيى طالب مشاري.
من هم الزيدية؟
ان تعريف الزيدية بصورة كاملة وصحيحة يحتاج إلى تفصيل دقيق , وإلى بحث جديد , وذلك لانه يوجد خلط شديد في هذه المسألة , ويمكنني القول ان اغلب الزيدية لايستطيع اعطاء تعريف صحيح وكامل عن الزيدية , حتى المثقفين وكثير من العلماء الزيود , وذلك بسبب وجود هذا الخلط الشديد في معنى الزيدية, فقد تجد الان بعض علماء الزيدية ومثقفوهم يعتبر الائمة الاربعة (ابا حنيفة , الشافعي , مالك , احمد بن حنبل) زيدية ويعتبر الامام الخميني ره وحسن البناء والسيد قطب وغيرهم من الزيدية , وهو في نفس الوقت يذم مذاهب الائمة الاربعة والجعفرية ويعاض انتشارها بكل قوه , وترى اغلب علماء الزيدية في اليمن يغضبون اذا سمعوا احدا ينسب الزيدية إلى ابي الجارود مؤسس فرقة الجارودية احدى الفرق الزيدية القديمة , او إلى كثير النوا مؤسس البترية(1).
او إلى الحسن بن صالح مؤسس الصالحية, او إلى سليمان بن حريز مؤسس السليمانية , فأن علماء الزيدية في هذا العصر لايقبلون النسبه إلى تلك الفرق , ويقلون ان هولاء ليسوا من اهل البيت(2) (ع) فكيف يكون اهل البيت (ع) تبعا لشيعتهم , ومن هنا يبدأ الخلط ويصبح ,وكذلك لا يرضى علماء الزيدية لا من قريب ولا من بعيد بالقول انهم معتزلة في الاصول حنفية في الفروع ويعتبروا هذه النسبة من الظلم الشديد الذي وقع في حقهم , بل لايرضى علماء الزيدية ان ينسبوا الى الامام زيد رض بمعنى النسبة المذهبية المعروفة بل يقولون ان انتمائهم اليه رض انتماء واعتزاء وهذه العبارة تكاد تكون لغز ا لايفهمه الاقائله , بل الاشد من ذلك ان علماء الزيدية لايرضون بان ينسبوا الى الامام الهادي يحيى بن الحسين رض بالمعنى المعروف للنسبة المذهبية مع العلم انه رض مؤسس الزيدية في اليمن , من هنا اصبح الطالب الزيدي حائرا لايعرف تعريفا واقعيا كاملا للزيدية الموجودة في اليمن , فكيف بغيره؟.
اذا لابد لنا اذا اردنا تعريف الزيدية المتواجدة اليوم في اليمن بصورة دقيقة وواضحة , فلا بد لنا من ذكر عدة مقدمات اساسية , ثم ذكر جميع النسب التى نسبت الزيدية اليمنية اليها ومناقشة تلك النسبة وتبيين الى أي حد كانت تلك النسبة قريبة للواقع.
____________
1 - كانت يده مقطوعه لذا سمي اتباعه بالبتريه.
2 - اسم اهل البيت عند الزيدية الموجودة في اليمن يشمل كل ذرية الحسنين (ع) بلااستثناء.
المقدمة الاولى:
الزيدية ترى بشكل عام ان جميع اولاد الامام الحسن والامام الحسين أي كل من ينتسب اليهما عليهما السلام من جهة الاب هم اهل البيت (ع) والذين وردت في حقهم تلك الروايات الكثيرة , الا انها لا ترى العصمة لأحد بعد الحسنين (ع) فلا يوجد معصوم في الاسلام عند الزيدية الا الخمسة وهم: محمد رسول الله وعلي ولي الله وفاطمة امة الله والحسنين صفوة الله (ع).
المقدمة الثانية:
يقسم الزيدية اهل البيت بالمعنى المذكور سابقا الى:
1- عصاة ومذنبين وهؤلاء ليسوا جحة على اهل البيت ومثلهم كمثل ابن نوح (ع).
2- صالحين ومستقيمين وقد قسمت الزيدية هؤلاء الى قسمين وهم
الفسم الاول: هم اؤلئك الفاطميون(1) الذين اخذوا علومهم من غير اهل البيت أي من غير اجدادهم , مثلا يولد احدهم في محيط سني وغير ذلك فيتعلم علوم اهل السنة ويتربى عليها حتى قد يصبح يوما من الايام احد ابرز علماء ذلك المذهب الذي درس علومة ولكن هذا النوع مع انه ينتسب الى الحسنين (ع) ومع انه من الصلحاء والعلماء لكنه ليس حجة على اهل البيت ولايمثلهم وبهذه القاعدة اخرجوا كل الفاطميون الذين ليسوا زيدية من اهل البيت ادعاءا منهم ان ما هم عليه هو علم وعقيدة اهل البيت وانهم هم الفاطميون الوحيدون الذين اخذوا العلم من اجدادهم كابر عن كابر.
القسم الثاني: هم اؤلئك الفاطميون الذين اخذوا علمهم من اجدادهم , وقد قسمت الزيدية هذا القسم الاخير الى قسمين ايضا وهما
1- السابقون بالخيرات يعني الفاطميون المجاهدون والقائمون بالسيف ضد اعداء الدين وهؤلاء هم صفوة اهل البيت وزبدتهم وحجة الله على الخلق وائمة الهدى وورثت العلم وسفينة نوح وما الى ذلك.
____________
1 - اقصد بالفاطميون في هذا الكتاب هم كل من ينتسب الى الامام الحسن والحسين من جهة الاب , وخترت هذه الكلمة في هذا المكان مع انه قد ينتقل ذهن البعض الى الفاطميين الاسماعلية الذين حكوا مصر وهذا ليس مقصودي , بل اقصد بالفاطميين او الفاطمي كل ما يرجع نسبه الى الحسنين (ع) من جهة الاب , ولم اعبر بالعلويين لانه يوجد من العلويين من لا ينتهي نسبه الى الحسنين (ع) , كذلك لم اعبر عنهم بالسادة لانه لايدل الاعلى بعضهم كما لايفهم ذلك الاصطلا ح الابعض المسلمين , ولم اعبرعنهم بالاشراف لنفس هذه المشكلة لذا رايت افضل عبارة جامعة مانعة هي عبارة الفاطمي او الفاطميين.
من خلال النظر الى هذه التقسيمات نستطيع القول: ان اهل البيت عند الزيدية هم كل فاطمي اخذ علمه من اجداده وهم من الصلحاء والمتدينين وافضل اهل البيت وائمتهم هل الفاطميون المستقيمون الآخذون علومهم من اجدادهم المجاهدون والقائمون بالسيف ضد طغاة عصورهم.
المقدمة الثالثة:
ترى الزيدية عدم جواز التقليد لغير المعصومين(1) من اهل البيت في اصول الدين بشكل كامل وعدم جواز تقليد المعصومين في بعض المسائل الاساسية مثل التوحيد ونفي الشرك وترى وجوب الاعتماد على العقل في ذلك , وترى عدم جواز التقليد غير المعصومين من اهل البيت في الفقة لجميع من وصل الى درجة الاجتهاد , ومن هنا تظهر مسألة خطيرة وهي تعدد المذهبية داخل المذهب وسوف يتضح هذا الامر عند الانتهاء تعريف الزيدية.
المقدمة الرابعة:
الزيدية لاتعتقد ان ائمتها -غير الخمسة اصحاب الكساء -معصومين بل مجتهدون يصيبون ويخطئون لذا يجوز مخالفتهم في الرأي والمعتقد , إلا انهم وبسبب تلك الروايات الواردة في وجوب اتباع اهل البيت (ع) قالوا بعصمة جماعة اهل البيت أي ان ائمة الزيدية غير الخمسة(2) اذا اجمعوا على رأي فهذا الرأي والقول حجة على جميع اهل الارض وذلك لما ورد في وجوب اتباع اهل البيت , مع التوجه الى ان اهل البيت عندهم كما اشرنا في المقدمة الثانية هم اؤلئك الفاطميون المستقيمون الآخذون العلم من اجادهم والسابقون بالخيرات , وبعبارة اوضح اهل البيت المعتبر بإجماعهم عند الزيدية هم كل فاطمي درس العلوم الدينية في المدارس
____________
1 - المراد بالمعصومين هم الخمسة اهل الكساء فقط وانا في هذا الكتاب اعبر بتعابير الزيدية التى يعبرون بها , ولذا عندما اذكر اهل البيت او المعصومين او غير ذلك اقصد بذلك نفس التعابير عن الزيدية لا غير.
2 - الخمسة اصحاب الكساء هم محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين وهؤلاء(ع) بسبب عصمتهم لايحتاجون الى اجماع فقول احدهم حجة كقول رسول الله ص.
المقدمة الخامسة:
الزيدية ترى وجوب كون الامامة في اهل البيت (ع) أي في البطنين كما يعبروا بذلك أي في ذرية الامام الحسن (ع) اوالامام الحسين (ع) ولكنهم لم يشترطوا العصمة فيها ولم يحددوا الائمة بعدد معين , وقد اشترط للامامة شروط منهم من قال انها اربعة عشر شرطا كما جاء في عدة الاكياس (ان الشروط اربعة عشر شرط)(1) منهم من قال انها اقل من ذلك كالقاسم الرسي حيث (يراها تسعة شروط فقط)(2) ,وكان من اهم تلك الشروط مايلي:
1- كون الامام اعلم وافضل اهل زمانه اومن علماء وفضلاء زمانه.
2- طالب البيعة من الناس.
3- القيام بالسيف ضد حكام الجور , وان يخافهم ويخافوه. الى غير ذلك من الشروط , ولهذا الامر اصبح عدد ائمة اهل البيت عند الزيدية كثيرا جدا حيث بلغ عددهم اكثرمن مأة امام.
بعد هذا المقدمات نذكر الان النسب الاربع التي تنسب الزيدية اليها ونناقشها الواحدة تلو الاخرى وننظر ايها اقرب للواقع والصواب.
____________
1 - عدة الاكياس في شرح معاني الاسلس.
2 - الزيديه في اليمن:ص15.
النسبة الاولى:
نسبة الزيدية اليمنية الى الامام زيد بن علي رض كما تنسب أي فرقة الى مؤسسها وتصور الناسبيين لزيدية بهذا النسبة ان الزيدية _كالشافعية او المالكية او الحنفية او الحنبلية او الجعفرية_ اخذت عقدتها وفقهها من الامام زيد بصورة كاملة وشاملة وكثير اؤلئك الذين يتصورون صحة هذه النسبة وعندما تسألهم عن الزيدية يقول لك هم اتباع الامام زيد بن علي رض ويمر على ذلك مرور الكرام وكثير ماترى هذا المسألة في الكتب التى تذكر الزيدية , ولكن هل يقبل الزيدية هذه النسبة بمعناها المتبادر الى الذهن أي انهم اتباع للامام زيد كما الشافعية اتباع للشافعي , هذا ما لايقبله الزيدية على انفسهم بل انهم يعتقدون ان ميزتهم التي يفتخرون بها هي عدم اتباع امام معين كما تتبع الحنفية او المالكية اوغيرهم ائمتهم ويعتبرون ان الامام زيد بن على هو فاتح باب الجهاد والاجتهاد لذا لايجوز للعالم المجتهد من اهل البيت تقليد الامام زيد لا في الاصول ولاالفروع مع العلم انه يجب عليه احترام رأي الامام زيد والنظر الي رأيه كمؤيد او مرشد , اذا هذه النسبة لايقبلها الزيدية وقد قال العلامة يحيى بن عبد اكريم الفضيل(1) ما مضمونه: (ان نسبة الزيدية إلى الامام زيد رض ليست نسبه مذهبية كنسبة الشافعيه إلى الشافعي والحنفية إلى ابي حنيفه إلى ان قال (لان النسبه نسبة انتماء واعتزاء ولم تكن نسبه مذهبيه على النحو المعروف) حتى قال: اذا فالتسميه هذه تسميه سياسية في الاصل ولادخل لها فيما تعارف عليه الناس بالنسبه للمذهبيه)(2) وكلامه في هذا الموضوع كان مفصلا وطويلا وقد ذكر ادلة على ذلك فمن اراد الاستزادة فاليراجع كتابه الزيدية نظرية وتطبيق , وقد اتبع اليسد الفضيل الكثير من كتاب الزيدية في تفسير هذه النسبة بهذه الطريقة حتى انهم استفادوا من نفس الفاظه وهي عبارة (انتماء واعتزاء) ,من هنا يتضح لنا ان نسبة الزيدية الى الامام زيد بمعنى النسبة المذهبية المعروفة غير صحيحة , وهذا ما يتوافق مع واقع الزيدية اليوم فإنك تجد كثير من المسأئل التي وردة عن الامام زيد في العقيدة والفقه ولكن لايعمل بها احد من الزيدية , وكما اشار العلامة الفضيل الى ان التسمية كانت سياسية وهذا هو الواقع حيث انه لما قام الامام زيد بن علي سمي كل من التف حوله من الشيعة والسنة والخوارج ايضا بزيدية وبعد فشل الثورة رجع
____________
1 - وهو من اكبر وابرز علماء الزيدية المعاصريين له تأليفات كثيرة وقيمة منه الزيدية نظرية وتطبيق.
2 - الزيدية نظرية وتطبيق / ط الثانية.
وقال الشهيد الثاني: في مسالك الافهام (ولو وقف على الشيعة، فهو للامامية والجارودية دون غيرهم من فرق الزيدية)(2).
وهو يبين ان الواقف لو وقف مالا او غير ذلك للشيعة فإنه للامامية والجاوردية , ثم بين انه اختص الجارودية من فرق الزيدية لانها قدمت الامام علي (ع) على الشيخين وهذا يشمل الزيدية الهادوية والقاسمية والناصرية وكل الزيدية المعاصرين.
____________
1 - جامع المقاصد - المحقق الكركي ج 9 ص 42.
2 - مسالك الأفهام - الشهيد الثاني ج 5 ص 340.
وقال العلامة الجواهري: (الشيعي من شايع عليا (عليه السلام) في الامامة مقدما له على غيره، بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (و) حينئذ فيندرج فيهم (الجارودية))(2).
كل هذا الفتاوي تبين نظرة الشيعة الامامية الى الزيدية الشيعية مع العلم انه لايوجد اليوم زيدية غير شيعية لكن نقول ذلك لنبين انه كان هناك من النواصب من يتستر تحت ستار الزيدية ليطعن في ائمة اهل البيت (ع) , وهذا يبين مدى جهل من يتصور ان الامامية تسب الزيدية او تلعنهم وتعتبرهم نواصب , والمشكلة كانت كمابينا في الاشتراك اللفظي الذي كان يشمل كثير من طوائف المسلمين على اختلاف مشاربهم , وإلا كيف يمكن ان يلعن ائمة اهل البيت اناس ثم يأتي علماء الاثني عشرية ويجعلون لهم حق من الوقف وغيره كالامامية كما بينا فيتضح بذلك مقصود تلك الروايات الذامة للزيدية على فرض صحتها وانها موجهة للنواصب لا غير او قد تكون غير صحيحة او عن تقية فالائمة كانوا في حصار شديد والا لما تركوا زيد مصلوبا , واما ما ورد في ذم ابي الجارود من الروايات فقد اثبت المحققين من الامامية بطلانها وذلك ان ادعاء من اثبتها هو ان ابا الجارود كان من اصحاب الباقر والصادق وانحرف بعد قيام الامام زيد , ثم يقولون ان الامام الباقرع هو الذي سماه سرحوبا , والاشكال عليهم هو انه كيف تقولون انه لم ينحرف الابعد خروج زيد رض والامام الباقر استشهد قبل خروج زيد رض
من هنا يتضح ان اؤلئك الذين ذهبوا ليجمعوا الروايات والاقوال الذامة للزيدية عند الامامية اما انهم جهلاء لم يطلعوا على اراء الامامية في الزيدية التي يعتقدوا بمولاتهم لامير المؤمنين (ع) , وايضا جهلاء بالمراحل التي مرت على معاني الزيدية ونسبها جديدا وحديثا , او انهم اصحاب اغراض وقد امتلأت قلوبهم بالمرض والحقد على المسلمين بصورة عامة وعلى الشيعة بصورة خاصة.
____________
1 - رياض المسائل (ط.ج) - السيد علي الطباطبائي ج 9 ص 322.
2 - جواهر الكلام - الشيخ الجواهري ج 82 ص 39.
النسبة الثانية:
بعد فشل ثورة الامام زيد رض ظهرت فرق نسبت اليه رض وقد اخذت من التشيع بصورة عامة والقيام بالسيف من قبيل الجارودية, وهذه الفرق كثيرة , وبسبب قدم هذه الفرق نسبت زيدية اليمن اليها وبالاخص الى الجارودية منها وقد قيل في هذه الفرق مايلي: قال الفضل الآبي: (والزيدية، وهم فرق شتى، ومعظمهم أربعة: الجارودية، ينسبون إلى أبي الجارود، وهم قائلون بإمامة علي عليه السلام بعد النبي صلى الله عليه وآله بلا فصل والحسن والحسين وعلي بن الحسين عليهم السلام وبعده ينتقلون إلى زيد بن علي. والبترية ينسبون إلى كثير النوا وكان أبتر اليد فسموا به وهم القائلون بإمامة الثلاثة، وعلي والحسن والحسين، وعلي إبنه عليهم السلام، وزيد بن علي.
والصالحية، وينسبون إلى الحسن بن صالح وهم قطعوا بإمامة الشيخين، وتوقفوا في فسق عثمان بالنظر إلى ظاهر أفعاله وإن النبي صلى الله عليه وآله أخبر بدخوله الجنة بزعمهم. والسليمانية، وهم ينسبون إلى سليمان بن حريز، وهم قائلون بإمامة الشيخين وقطعوا على فسق عثمان، ثم انتقلوا إلى علي والحسن والحسين وعلي عليهم السلام وزيد بن علي، ولا يعد من الشيعة إلا الجارودية)(1).
وقال ابن فهد الحلي في المهذب البارع: (الزيدية ثلاث فرق:
(أ) الجارودية، أصحاب أبي الجارود ابن زياد بن منقذ العبدي. قال: إن النبي صلى الله عليه وآله نص على علي عليه السلام بالوصف دون التسمية.
(ب) أصحاب سليمان بن جرير. قالوا: إن البيعة طريق الامامية، واعترفوا بإمامة أبي بكر وعمر اجتهادا، ثم إنهم تارة يصوبون ذلك الاجتهاد، وتارة يخطئونه، وقالوا: بكفر عثمان وعائشة وطلحة وزبير ومعاوية لقتالهم عليا.
(ج) الصالحية: أصحاب الحسن بن صالح ابن حي، وكان فقيها، وكان يثبت إمامة أبي بكر وعمر، ويفضل عليا عليه السلام على سائر الصحابة، وتوقف في عثمان لما سمع عنه من الفضائل تارة ومن الرذائل أخرى(2)
وورد في هامش البداية والنهاية لابن كثيرمايلي:
____________
1 - كشف الرموز - الفاضل الآبي ج 2 ص.
2 - المهذب البارع - ابن فهد الحلي ج 3 ص 60.
وذكر الرازي لهم ثلاث فرق هي: الجارودية والسليمانية والصالحية(2).
وأما الأشعري فالرأي عنده أنهم ست فرق هم: الجارودية والبترية والعقبية، ثم النعيمية، ولا يذكر اسم الفرقة الخامسة (والتي يرى أنها تتبرأ من أبي بكر وعمر، ولا تنكر رجعة الأموات)، وأخيرا " اليعقوبية(3).
ويذكر المقريزي خمس فرق هي: الجارودية والجريدية والبترية واليعقوبية والصباحية(4).
ولا يذكر ابن تيمية والبغدادي والاسفراييني والشهرستاني غير ثلاث فرق هي: الجارودية والسليمانية والبترية(5).
وانفرد ابن النديم يذكر فرقة القاسمية(6).
وجاء في اوائل المقلات للشيخ المفيد , بتحقيق الشيخ ابراهيم الانصاري الزنجاني الخوئيني , ما يلي:
قوله (والزيدية الجارودية الخ). الزيدية فرقتان فتارة يقال بترية وغير بترية وقد يقال جارودية وغير جارودية أما الجارودية أو غير البترية من فرق الزيدية فتشترك مع الإمامية فيما نقله الشيخ ميزانا للتشيع وهو قوله (... والاعتقاد لإمامته (ع) بعد الرسول (ص) بلا فصل، ونفى الإمامة عمن تقدمه في مقام الخلافة...) ثم أوضحه في القول الرابع بقوله (... واتفقت الإمامية وكثير من الزيدية على إن المتقدمين على أمير المؤمنين ضلال فاسقون، فإنهم بتأخيرهم أمير المؤمنين (ع) عن مقام رسول الله (ص) عصاة ظالمون وفي النار بظلمهم مخلدون...) ومراده بكثير من الزيدية، الجارودية أو غير البترية منهم مطلقا فإنهم كما قال القاضي في المغني في طائفة منهم: (ولكنهم يكفرون أبا بكر وعمر...)(7).
____________
1 - البداية والنهاية - ابن كثير ج 3.
2 - اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص 52 - 53.
3 - مقالات الإسلاميين 1 / 140 - 145.
4 - خطط المقريزي 2 / 352 - 354.
5 - منهاج السنة 1 / 265 ,الفرق بين الفرق ص 22 - 23 , التبصير في الدين ص 16 - 27 ,الملل والنحل 1 / 154 - 162.
6 - الفهرست ص 274.
7 - المغني 2 / ج 20 ص 185.
وقال الأشعري: (والزيدية ست فرق: فمنهم الجارودية... يزعمون أن النبي (ص) نص على علي بن أبي طالب... وأن الناس ضلوا وكفروا بتركهم الاقتداء به بعد الرسول (ص)...) ثم يذكر السليمانية والبترية فيقول: (والفرقة الخامسة من الزيدية يتبرؤن من أبي بكر و عمر ولا ينكرون رجعة الأموات... (1). وقال العلامة الحميري عن زيد بن علي (ع): (... فلما قبض رسول الله (ص) كان على من بعده إماما للمسلمين في حلالهم وحرامهم... الخ). وقال أيضا: إن الشيعة كلهم من زيدية وغيرهم اتفقوا على (إن عليا كان أولى الناس بمقام رسول الله وأحقهم بالإمامة والقيام بأمر أمته) ثم صرح بهذا في ذكر كل فرقة من فرق الزيدية الثلاث وهم البترية والجريرية و الجارودية وذكر في ضمن عقائد الجارودية: (وإن الأمة ضلت وكفرت بصرفها الأمر إلى غيره ثم يقول: (وليس باليمن من فرق الزيدية غير الجارودية..)(2).
هذا جزء يسير مماقيل عن الفرق الزيدية التي قد انقرضت على مايبدوا , وانما شابهة الهادوية وعموم زيدية اليمن الجارودية في قوة الولاء والبراء والقيام بالسيف , هذا ما يراه الزيدية اليوم حيث لايقبلون بالانتساب الى تلك الفرق وذلك لان مؤسسوها لم يكونوا من اهل البيت فيكف يكون اهل البيت اتباع لغير اهل البيت؟ هذا حسب نظرة الزيدية المعاصرين.
اذا اتضح ان الزيدية الموجودة اليوم في اليمن ليس من تلك الفرق القديمة وانها فرقة مستقلة بنفسها وان نسبهم اليها نوع من عدم المعرفة الدقيقة بهم.
النسبة الثالثة:
نسبت زيدية اليمن في الاصول الى المعتزلة وفي الفروع الى أبي حنيفة , وهذه النسبة لايقبلها الزيدية المعاصرون لامن قريب ولا من بعيد ويعتبرون ذلك ظلم واجحاف في حقهم مع العلم انه يوجد شواهد كثيرة تؤيد هذه النسبة وتدعمها من جملة ذلك تاثر بعض ائمة زيدية اليمن بالمعتزلة حتى قال بعض علماء الزيدية انه معتزلي من قبيل الامام احمد المرتضى الذي قال عنه
____________
1 - مقالات الاسلاميين ج 1 ص 133.
2 - الحور العين ص 187وص154.
وهناك شواهد كثيرة اخرى لا اريد سردها هنا , وذلك احتراما للزيدية لانهم لايرضون بهذه النسبة , واما في الفقه ونسبتهم الى الحنفية فتوجد ايضا شواهد كثيرة على ذلك من قبيل ما ورد في حاشية البحر الزخار حيث قال: بعد ذكر ترجمة الامام يحيى بن الحسين بن هارون (له تخريجات على مذهب الهادي وكان يرى ان مالم يجد للهادي فيه نص فمذهبه كأبي حنيفة)(2). الى غير ذلك من الشواهد التي لسنا بصددها ونترك التعرض لها لان المقصود هو تعريف الزيدية كما تعرف الزيدية نفسها , لذا نقول ايضا هذه النسبة لايقبلها الزيدية ايضا.
النسبة الرابعة:
نسبت زيدية اليمن الى الهادي يحيى بن الحسين وذلك لانه مؤسس الفكر الزيدي في اليمن وهو اول امام زيدي يدخل اليمن ويستقر فيها ,حيث يقول البعض زيدية اليمن هادوية , ولكن هذا النسبة تواجه نفس الاشكال الذي واجهته النسبة الى الامام زيد بن على رض وذلك لان الزيدية لايقبلون التحجر على أي امام من ائمتهم بل يقولون بوجوب الاجتهاد وإدامة طريق التحقيق والنقد والرد في المعتقد والمذهب.
وبعد ما اتضح ان جميع تلك النسب التي نسبت زيدية اليمن اليها غيرمطابقة للواقع , يأتي هذا السؤال ليطرح نفسه وهو: من هم الزيدية ومن اين يأخذوا معتقداتهم وفقههم؟
وهذا السؤال هو ما اردنا ان نصل اليه من خلال كل هذه المقدمات لنجيب عليه ويعرف الباحث كيف تكونت العقيدة الزيدية المعاصرة.
كما اشرنا في المقدمة الخامسة الى كثرة عدد ائمة الزيدية اضف اليه علماءهم وكل هؤلاء قد حرموا على انفسهم باب التقليد في المعتقد والمذهب وكل ادلى بدلوه من هم , لذلك ترى كثرة الاراء العقائدية عندهم بحيث تكاد تتصور ان كل امام من ائمة الزيدية اصبح هو وتلاميذه فرقة جديدة ولذا تظهر بعد كل امام فرقة تحمل اسمه كالهادوية والناصرية والقاسمية ثم تذوب في المدارس الزيدية الاخرى , وكلما ظهر امام وبرز تكررت هذه الظاهرة , ولذا رأى علماء الزيدية من لزوم تقريض المذهب حيث قام جماعة من علماء الزيدية انطلاقا من قاعدة اجماع اهل البيت
____________
1 - التحف شرح الزلف / ص 280.