الفصل الأول
أهل الكتاب والتوحيد..
بــدايــة:
إننا نذكر هنا نبذة من مقولات البعض التي ذكرها في
كتبه ونشراته ومؤلفاته لكي نكون قد قمنا بواجبنا، وليعرف الجميع: أننا
حين كتبنا كتابنا: «مأساة الزهراء
«عليها
السلام»
شبهات وردود»
لم يكن الدافع لنا هو مجرد الانفعال والتعصب لقضية تاريخية، هامشية
(!!) أخطأ فيها من أخطأ،
وأصاب فيها من
أصاب.. كما يقوله البعض ويروّج له آخرون. فإن نقاشنا مع صاحب هذه
المقولات لا ينحصر في هذه القضية،
بل
يتعداها إلى ما هو أعظم وأكبر،
وأدهى وأخطر..
ونذكر هنا نماذج من مقولاته مما يرتبط بموضوع:
التوحيد وأهل الكتاب.
وسوف يجد القارئ الكريم أمامه مصادر ذلك كله مع ذكر
رقم الجزء والصفحة، ليتمكن من الرجوع بنفسه إليها، من أجل الوقوف
عليها..
وإذا أراد المزيد فسيجد في كتب ذلك البعض ما يريد.
والموارد التي اخترناها هي التالية:
1103ـ الإسلام يلتزم مقدسات أهل الكتاب.
وفي محاولة لتقديم إغراءات، هي في الحقيقة عبارة عن
تنازلات، نجد البعض يقول:
«إن المسلمين عندما يطلقون المسألة الإسلامية
للجمهورية الإسلامية في أي مكان فانهم ينطلقون من الخط القرآني الذي
يعترف بأهل الكتاب،
ويدعو
أهل الكتاب إلى كلمة سواء، ويلتزم
مقدسات أهل الكتاب ولا يلغيهم».
ونقول:
هل يلتزم الإسلام بثالوث أهل الكتاب أم يقبل بإنجيلهم،
وتوراتهم؟! أم بكنائسهم وبيعهم؟! أم بغير ذلك مما يظنون قداسته كما هو
ظاهر كلامه؟!
أما قوله تعالى: ﴿قُلْ
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا
وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ﴾([1]).
فلا يعني أنه يقول عنهم: إنهم موحّدون. كما يزعم هذا البعض بل هو
يدعوهم إلى قبول هذا التوحيد فلا يعبدوا غير الله،
ولا يشركوا به عيسى ولا غيره.. وقد صرّح القرآن
بمقولتهم هذه كما سيأتي..
1104ـ الثالوث المسيحي لا إشكال فيه.
وينقل المطران إلياس عودة في مقدمة كتاب: تحدي
الممنوع عن ذلك البعض قوله:
«..وهو لا يتردد في الإشارة إلى الفرق بين المعنى
الظاهري لعقيدة الثالوث المسيحية، وهو الذي يثير التساؤلات والمعنى
اللاهوتي والعميق لها»([2]).
إن كتاب «تحدي الممنوع» يتبناه ذلك البعض ويلتزم به،
وقد وضع كلام المطران عودة في مقدمته، وقد أسند المطران هذا الكلام إلى
ذلك البعض ولم يعترض عليه.
إذن.. فالمعنى اللاهوتي العميق للثالوث لا يثير
التساؤلات... وليس فيه إشكال !! مع أن الله سبحانه قد قال: ﴿لَقَدْ
كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾([3])!!!
1105ـ (أهل الكتاب) ليسوا كفاراً بالمصطلح القرآني.
1106ـ التوحيد الإيماني لأهل الكتاب.
ثم إن ذلك البعض يقول عن كتاب تحدي الممنوع ـ الذي
يعتبر نفسه مسئولا عنه:
«إذا كان هناك شخص يترجم الكتاب إلى الإنكليزية، فنحن
مستعدون لإجازته في ذلك»([4]).
ثم نجد المطران إلياس عودة يقول في مقدمة الكتاب عن
النص القرآني فيما يتصل بأهل الكتاب:
إنه «محكم من حيث تمييزه بينهم وبين الكفار، ومن حيث
عدم نفيه للتوحيد الإيماني عندهم، إن القرآن لا ينفي التوحيد الإيماني
عن المسيحيين، ويعتبر أهل الكتاب عنصراً آخر غير المشركين»([5]).
ويقول البعض:
«المسلمون يعتبرون: أن المسيحيين يكفرون،
باعتبار أنهم يكفرون برسول الله «صلى الله عليه وآله»،
ويكفرون بالقرآن،
ليس المراد الكفر بالله.
فالقرآن أكد أن المسيحيين يلتقون مع المسلمين في
توحيد الله: ﴿وَقُولُوا
آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ
وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾([6]).
فالمسلم لا يعتبر المسيحي كافراً في مسألة الإيمان
بالله، وإن كان يناقشه في تفاصيل هذا الإيمان»([7]).
ويقول:
«ليس معنى أن القرآن يقول عن أهل الكتاب إنهم كافرون:
أنه الكفر الذي يخرجهم عن الإيمان بالله،
وعن
توحيده،
ولكن معناه الكفر بالرسول»([8]).
ونقول:
1ـ قد تحدث القرآن عن كفر النصارى في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ
كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾([9]).
ويقول سبحانه: ﴿يَا
أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا
بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾([10]).
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ
كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ
إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا
يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ
رَحِيمٌ مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ
مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ
الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ
أَنَّى يُؤْفَكُونَ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا
يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ
الْعَلِيمُ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ
غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ
قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾([11]).
وقال عز وجل: ﴿وَإِذْ
قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ
اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ﴾
([12]).
وقال سبحانه: ﴿وَقَالَتِ
الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ
ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ
الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ
اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ
وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا
إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا
يُشْرِكُونَ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ
وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ
الْكَافِرُونَ﴾([13]).
فظهر من الآيات السابقة:
أن القرآن يعتبر النصارى كفاراً بل ومشركين أيضا. لا من حيث كفرهم
بالرسول وحسب، وإنما لما يعتقدونه في الألوهية أيضاً..
2 ـ أما قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا
آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ
وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ﴾([14])،
فإما هو ناظر لأولئك الذين بقوا على شريعة عيسى «عليه السلام»، لأن ما
يؤمن به المسلمون ليس هو ما عليه المسيحيون بالفعل،
وإنما هو ما أنزله الله حقيقة على عيسى «عليه السلام».
وإما أن يراد به تقرير الحقيقة التي أكّدها الإسلام، من
وجهة نظر الإسلام الذي لا يحكي إلاّ الواقع، وإلاّ الحقيقة.
3 ـ أما ما نقله عنه المطران إلياس عودة من أن القرآن
لا يعتبر أهل الشرك كفارا، فهو لا يصح أيضا، وذلك لما ذكرناه من الآيات
الصريحة في كفرهم. هذا بالإضافة إلى قوله تعالى: ﴿لَمْ
يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ
مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾([15]).
فقد حكم الله سبحانه على أهل الكتاب كلهم بالكفر،
لأن كلمة «من» هنا بيانية لا تبعيضية،
إذ لو
كانت تبعيضية لكان عليه أن يقول: «والمشركون» ـ بالرفع ـ إذ إن جرّها
يقتضي أن يكون بكلمة «من» المقدرة،
فهل يلتزم بأن يكون بعض المشركين مؤمنين؟!
1107ـ التثليث شرك فلسفي وليس شركا ً
إيمانياً.
1108ـ الشرك الفلسفي والشرك المباشر.
1109ـ تجسد الله كتجسد الكلمة في كتاب.
1110ـ كفر أهل الكتاب ككفر بعض
المسلمين بالمعنى العميق.
ثم هو يعتبر تثليث الأقانيم مسألة فلسفية تتحرك في
دائرة فهم سر الله، وهذه محاولة للتقليل من بشاعة هذا الأمر وغرابته
إسلاميا، فيقول:
«إن مسألة
تثليث الأقانيم هي مسألة فلسفية تتحرك في دائرة فهم سر الله،
وفهم
شخصية الخالق. ربما كانت هناك أفكار تتحدث عن ابن بالتجسد،
وأب
بالتجسد،
ولكن الفكرة
الموجودة في أغلب التفكير المسيحي هي أن المسألة ليست مسألة تجسد كما
هو التجسد الإنساني عندما يكون هناك ابن منفصل عن أب،
ولكنه
تماما كما هي الكلمة عندما تتجسد في كتاب،
قد تتجسد في شخص»([16]).
فالثالوث بذلك قد أصبح أقل غرابة وخطأ مما قد يتصوره
الناس، بل لم يعد فيه أي إشكال، فلم يعد ثمة حرج من الجهر بالقول:
إن القرآن حين تحدث عن كفر النصارى، فإنما تحدث عنه
باعتباره:
«كفراً فلسفياً في التفاصيل بلحاظ الصفات تماما كما هو
الرأي الكلامي، أو الفقهي الذي يرى المجسمة في الدائرة الإسلامية
كافرين بالمعنى العميق. وهذا هو ما تحرك فيه الجدل الكلامي بين
القائلين بخلق القرآن، والقائلين بقدمه»([17]).
وفي مورد آخر يقول:
«إن الإسلام اعتبر الكلمة السواء التي تجمعهم بالمسلمين
تمثل عبادة الله الواحد،
ورفض اعتبار الإنسان ربا للإنسان.
ويختلف معهم في اعتبار المسيح تجسيدا له؛ فإن الله
لا يمكن أن يتجسد،
مما
يجعل هذه العقيدة شركا فلسفيا،
لا شركا مباشراً»([18]).
ونقول:
قد راقت هذه الأفكار لبعض المسيحيين أنفسهم إلى درجة أن
قال أحد رجالاتهم الكبار عن دفاعات هذا البعض عن تثليث المسيحيين:
«هو نوع من التقريب بين المعتقدات لا تفوته العبقرية»([19]).
مع أن القرآن قد قال:
﴿لَقَدْ
كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾([20]).
وقال:
﴿وَإِذْ
قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ
اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ
مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾
([21]).
ولا ندري كيف استفاد من القرآن كفر النصارى فلسفيّا
وتوحيدهم إيمانيا، ومن جهة ثانية فقد تقدم أن دعوة الله تعالى أهل
الكتاب إلى كلمة سواء ليس معناها الإعتراف بأنهم موحدون،
بل هي
دعوة منه لهم إلى التوحيد، ونبذ عبادة غير الله سبحانه،
فهي على كفرهم أدلّ.
1111ـ النصارى واليهود موحدون
كالمسلمين.
1112ـ لا شرك عند اليهود والنصارى، لا
في العبادة ولا في العقيدة.
1113ـ يمكن اكتشاف قناعات مشتركة
ومشاعر قريبة مع اليهود.
ويقول البعض في تفسيره قوله تعالى: ﴿قُلْ
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا
وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ﴾([22]):
«..إنها تطرح مع فكرة اللقاء على قاعدة مشتركة..
ليمكن لنا من خلال ذلك أن نكتشف وجود لغة مشتركة، وقناعات مشتركة..
ومشاعر قريبة إلى بعضها مما يوحي بوجود أساس واقعي للتفاهم.. لأن
القضايا المسلمة لدى كل فريق يمكن أن تتدخل لتحسم الخلاف في القضايا
المتنازع فيها.. فهي تدعوهم إلى كلمة سواء بيننا وبينكم فنحن نؤمن
بالوحدانية كما تؤمنون، وبذلك فإننا نلتقي معاً في نطاق عبادة الله
الواحد فلا نشرك في العقيدة ولا نشرك في العبادة.. وعلى ضوء ذلك فإننا
نلتقي في فكرة أن لا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله، لأن ذلك
يعني الشرك بالله في خلقه.. فلا مجال لأن نحل ما حرمه الله علينا، إذا
أمرنا هؤلاء بذلك ولأن نحرم ما أحل الله لنا، إذا أمرنا هؤلاء بذلك..
فإن ذلك يعني الخضوع والعبادة اللذين يؤديان إلى الشرك في نهاية
المطاف.. وهذا هو ما استوحاه أحد أئمة أهل البيت «عليهم السلام» في هذه
الفقرة فيما يروى عنه، في الجواب عن سؤال قدم إليه، وخلاصته، أن
اليهود لا يتخذون بعضهم أرباباً من دون الله فكيف يطرح عليهم هذه
الصيغة التي تشعر بوجود شيء لديهم من هذا القبيل فيريد الله أن يخلصهم
منه ويفرض عليهم منهجه الحق؟.. وكان الجواب يتلخص في التأكيد على هذا
الجانب، فإنهم أحلو لهم حراما وحرموا حلالاً فاتبعوهم في ذلك فكانت
تلك ربوبية عملية، وهذا ما نواجهه، في ساحة العمل المنحرف، في التزامنا
بما تصدره بعض المؤسسات أو الحكومات من قوانين تتنافى مع قوانين
الإسلام ومفاهيمه، فإن ذلك يمثل إشراكاً في جانب العمل وإن لم يكن
إشراكاً في خط العقيدة»([23]).
إن ما يستوقفنا هنا بالإضافة إلى إطلاقه مقولة: «إن
الأئمة يستوحون من الآيات القرآنية»، التي ناقشناها في المقصد الأول:
«المنهج الفكري والاستنباطي» وقلنا: إنها تنافي حقيقة: أن ما عندهم هو
علم من ذي علم.
نعم.. إن الذي يستوقفنا هنا هو ما يلي:
1ـ حكمه على النصارى بأنهم يؤمنون بالوحدانية
كالمسلمين، ويلتقون معهم في عبادة الله الواحد، فلا يشركون في العقيدة
ولا في العبادة، مع أن الله قد تحدث عنهم بخلاف ذلك كما أوضحنا فيما
تقدم من هذا الفصل، وقد قال تعالى: ﴿لَقَدْ
كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ
إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾([24]).
وقال تعالى مخاطباً النصارى: ﴿قُلْ
أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا
نَفْعًا وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾([25]).
وقال عز وجل: ﴿وَإِذْ
قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ
اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ﴾
([26]).
وثمة آيات أخرى تفيد هذا المعنى يمكن مراجعتها لمن أراد
التوسع والاستقصاء.
ويشير إلى ذلك أيضا: أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ
وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾([27]).
قال ابن الزبعرى: فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيراً، والنصارى
تعبد عيسى؛ فأُخبر النبي «صلى الله عليه وآله»، فقال: يا ويل أمه، أما
علم أن «ما» لما لا يعقل، و «من» لمن يعقل؟! الخ..([28])
حيث أقرّه «صلى الله عليه وآله» على أنهم يعبدون عيسى «عليه السلام»
وأنكر عليه استفادة عموم قوله: ﴿وَمَا
تَعْبُدُونَ﴾
للإنسان، مع أنها في لغة العرب مختصة بغيره.
2ـ قوله: يمكن اكتشاف لغة، أو قناعات مشتركة، أو مشاعر
قريبة إلى بعضها بيننا وبين اليهود.. هو أمر لا يمكن قبوله ؛ بعد أن
قال الله عز وجل: ﴿لَتَجِدَنَّ
أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ﴾([29]).
كما أننا لا ندري كيف يمكن أن نكتشف قناعات مشتركة بين
التوحيد والتثليث المسيحي؟!
1114ـ بعض اليهود يعتقدون بأن لله
ولداً.
1115ـ بعض النصارى يعتقدون بأن لله
ولداً.
يقول البعض:
«..وهكذا نجد أن فكرة الولد لله، فيما تمثلت به من
عقيدة بعض النصارى وبعض اليهود، وبعض العرب، كانت ناشئة من القدرات
الخارقة التي يدعونها لهؤلاء، فيما يرون أنه لا يمكن أن يكون إلا عن
نسبة إلهية عضوية، نظرا إلى أن أصحاب هذه العقيدة لا يتعقلون إمكانية
إعطاء الله لهؤلاء بعضا من القدرة التي قد يصنعون بها ما يقومون به من
المعجزات، أو ما يعيشونه من أوضاع مميزة.. و في ضوء ذلك نعرف أن التخلف
بفهم بعض الأمور هو المسؤول عن انحراف العقيدة، وأن الاستغراق في
تضخيم الأشخاص، فيما يوحيه من تصورات، وفيما يثيره من انفعالات هو
الأساس في عبادة الشخصية، ولو بطريقة غير مباشرة، مما يفرض على
العاملين الحذر في إثارة الحديث عن صفات العظماء، في تقييم شخصيتهم،
ذلك لاعتماد النظرة الموضوعية الهادئة بعيدا عن النظرة الانفعالية
الحادة»([30]).
قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ
الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ
ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ
الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾([31]).
لكن ذلك البعض لا يرضى بنسبة ذلك إلى اليهود، و لا
إلى النصارى، بصورة مطلقة، كما أطلق القرآن ذلك. بل هو ينسبه إلى بعض
من هؤلاء، وبعض من أولئك!!
ورغم أنه في هذا الموضع قد ذكر ذلك بصورة خالية عن
الترديد والاحتمال، فإنه في موضع آخر وهو يفسر الآية المذكورة أعلاه،
والتي هي من سورة التوبة، لا يغفل عن التصريح بما لا يتوافق مع إطلاق
الآية، فهو يقول:
«..وقد لا يكون هذا القول لليهود وللنصارى ظاهرة شاملة
في الجميع، بل ربما كان حالة محدودة في بعض الأشخاص والمراحل. وإنما
ينسبها الله إليهم من خلال إرادته لتقديم النموذج الحي للانحراف، في
التصور والعقيدة»([32]).
ولا ندري كيف نفهم ما يرمي إليه في تعليله للآية
التي تنسب ذلك إلى عامة النصارى؟ فهل إن إرادة تقديم النموذج الحي
تستدعي أن ينسب أمرا إلى أناس لا يعتقدون به، أو لا يعتقد به الكثيرون
منهم على حدّ قوله؟!
إننا لا نريد أن نسمح لأنفسنا بالاسترسال في
الإحتمالات إلى حد يجعلنا نعتبر أن قوله هذا يمثل جرأة على العزة
الإلهية في اتهامه تعالى ـ والعياذ بالله ـ بالقصور في التعبير عن
مقصوده؟!.
ولا نريد أن نتهمه بأنه ينسب إلى الله تعالى: أنه تعمد
تشويه صورة اليهود والنصارى بنسبة أمر إليهم أكثرهم بريء منه ! لأنه
كان مجرد حالة محدودة في الأشخاص والمراحل؟
كما لا نريد أن نتوهم: أن كلام هذا البعض يدخل في
نطاق مغازلة النصارى وغيرهم فإن ذلك لا يبيح له ولا لغيره تبرئتهم مما
ينسبه القرآن إليهم؟!
1116ـ الجزية ضريبة مقابل الحماية
والإعفاء من الجندية.
1117ـ الجزية ضريبة تعني فرض سلطة الإسلام على غير
المسلمين.
1118ـ المسيحية والإسلام مجرد تنوع في
بعض التصورات التفصيلية للدين.
1119ـ فرضت الجزية لمعالجة الحالة
القائمة في المجتمع الأول للدعوة.
يقول البعض في معرض حديثه عن الجزية التي يفرضها
الإسلام، على أهل الكتاب من غير المسلمين:
«..الأمر الذي يجعل الإنسان يشعر بالأجواء المشتركة في
القيم الروحية والفكرية والتشريعية.. في حركة المجتمع العملية، وبذلك
تلتقي الساحة المشتركة بالكثير من الإيجابيات التي لا تهزمها، السلبيات
الأخرى.. ولهذا أقر الإسلام التعايش الإسلامي المسيحي في مجتمع واحد..
ولكنه أراد لحكمه أن يكون في المواقع المتقدمة التي تحكم الساحة كلها،
من أجل المحافظة على قوة القاعدة وسلامة خط السير، واستمرار حركة
العقيدة في أجواء الدعوة والعمل، من دون حواجز ثابتة أو مواقف معقدة..
يسمح للمجتمع أن يتنوع في تصوراته التفصيلية للدين مع عدم الموافقة على
بعض هذه التصورات، ولكنه لم يسمح له أن يكون خارج سلطته أو حكمه، لأن
المجتمع الذي تتعدد فيه السلطات سوف يكون محكوما للتمزق والضعف والفساد
وهذا مما لم يمكن للإسلام أن يسمح به، لأنه يؤدي إلى الخراب والدمار،
فلا بد من وحدة السلطة،.. ولا بد من التقاء جميع أفراد الشعب على أساس
الخضوع لتلك السلطة فكيف يكون الخضوع..
أما في المسلمين فبالالتزام بمفاهيم الإسلام في
عقيدته وشريعته وأسلوبه في العمل والحياة.. في باب النظرية والتطبيق..
لأن ذلك هو معنى الانتماء للإسلام على مستوى الحكم والعقيدة والحياة
تماما كأية أمة تلتزم بعقيدة معينة ونظام معين إذا عاشت في داخل الإطار
الذي تحكمه تلك العقيدة وذلك النظام.. واما في غير المسلمين الذين لا
يريد الإسلام أن يفرض عليهم أحكامه في كثير من القضايا العبادية
والقتالية والحياتية المتعلقة ببعض الأوضاع والعادات.. فلا بد له من
فرض سلطته بطريقة أخرى، وهي فرض ضريبة تابعة في تقدير كميتها ونوعيتها
لتقدير ولي الأمر الذي يدرس المسألة من موقع مصلحة الإسلام العليا،
ودراسته للواقع الذي يعيشه هؤلاء من ناحية واقعهم المالي ونحوه.. وليس
لهذه الضريبة التي تسمّى بالجزية كما نلاحظ التعبير بذلك في الآية.. أي
مدلول تعسفي فيما يتعلق بإنسانية هؤلاء بل هي على العكس من ذلك ـ ذات
مدلول واقعي يتحرك من موقع النظرة إلى الأعباء التي يتحملها الحكم
الإسلامي، فيما يحمله من مسئولية حماية هؤلاء ورعايتهم وتوفير الضمانات
الحقيقية لوجودهم، مع عدم تحمليهم أية مسئولية في الدخول في الحروب،
التي يخوضها المسلمون ضد الآخرين ممن يدينون بدينهم، أو ممن يختلفون
عنهم في ذلك.. وعدم مطالبتهم بالضرائب الأخرى المفروضة على المسلمين..
ولولي الأمر أن يعفو عنها في بعض الظروف وله أن يخفف منها في بعض آخر»
([33]).
إلى أن قال:
«..وربما كان من الملاحظ أن الجزية لم تذكر في
القرآن إلا في هذه الآية.. مما قد يوحي بأن القرآن كان يركز الموضوع من
ناحية المبدأ.. من خلال معالجة الحالة القائمة في المجتمع الأول
للدعوة.. لتكون نقطة الانطلاق للتشريع الذي تتكفله السنة النبوية، فيما
يلهم الله به نبيه من تفاصيل الشريعة.. وهذا باب يمكن لنا أن نفتحه في
دراستنا القرآنية.. لنقف ـ من خلاله ـ حيث يقف النص القرآني في مدلوله
فلا نحمله اكثر مما يتحمل اعتمادا على أن التشريع يتسع لأكثر ما يتسع
له النص مما يؤدي إلى التأويل أو توسيع المعنى بعيدا عن ظاهر اللفظ..
بل نترك الأمر في تكامل التشريع إلى السنّة التي جاءت لتعطينا توضيح ما
أجمله القرآن وتوسيع ما شرعه من حيث المبدأ.. إنها ملاحظة للتفكير
وللمناقشة فيما نرجو أن نصل به إلى النتائج الصحيحة في الفهم القرآني
الصحيح والله العالم.
ومن خلال ذلك نستطيع أن نستوحي الفكرة الإسلامية
التي تضع مسألة الدعوة إلى القتال في نطاقها الطبيعي المعقول فلا تكون
عملية سيطرة غاشمة للقوة ضد حرية الإنسان وإرادته.. بل تكون عملية
إخضاع قانوني للسلطة الحاكمة في عملية تنظيمية دقيقة وهذا ما يمكننا أن
نفهمه بقليل من التفصيل»([34]).
إننا نشير هنا إلى الأمور التالية:
1 ـ إن هذا البعض يقول:
«..إن الجزية المفروضة على أهل الكتاب هي مجرد دفع
ضريبة في مقابل حمايتهم وإعفائهم من محاربة إخوانهم في الدين أو غيرهم،
وعدم مطالبتهم بالضرائب الأخرى المفروضة على المسلمين».
وذلك من منطلق أنه قد أقر «التعايش الإسلامي المسيحي
في مجتمع واحد».
معتبراً: أن الإسلام يسمح للمجتمع أن يتنوع في
تصوراته التفصيلية للدين، مع عدم الموافقة على بعض هذه التصورات.
مع أن الله سبحانه قد صرح بان الجزية ليست مجرد
ضريبة، وإنما هي أكثر من ذلك حيث اعتبر أنه لا بد من قتال هؤلاء الناس
﴿حَتَّى يُعْطُوا
الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾،
وهذا معناه أن هذه الجزية تستبطن الصغار والذل لأولئك الذين يستكبرون
عن الحق، و يمتنعون عن الاستجابة له. قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا
الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا
يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ
الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا
الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾([35]).
2 ـ لماذا التخفيف إلى هذا الحد من حدة الفوارق بين
الإسلام والمسيحية؟! فهل الإختلاف بينهما ـ حقاً ـ هو مجرد تنوع في بعض
التصورات التفصيلية، حيث إن الإسلام يوافق على بعض تلك التصورات ولا
يوافق على بعضها الآخر؟! أم أن الخلاف بينهما أعمق وأكبر، وأشد وأخطر؟!
3 ـ لقد حاول البعض أن يستفيد من عدم ذكر القرآن
للجزية إلا في سورة التوبة: أن القرآن يريد معالجة حالة كانت قائمة
آنذاك، أي في المجتمع الأول للدعوة، محدودة بحدود الزمان والمكان. وعلى
هذا الأساس لا بد أن يقف عند حدود النص القرآني، فلا يحمله اكثر مما
يتحمل. بل يكون النص مجرد نقطة انطلاق للتشريع الذي تتكفله السنة
النبوية، استنادا إلى أن التشريع يتسع لأكثر مما يتسع له النص.
فلا بد أن يترك الأمر في تكامل التشريع إلى السنة، وإلا
لوقعنا في التأويل أو توسيع المعنى، بعيدا عن ظاهر اللفظ.
ونقول:
ألف: إن هذا لو صح لوجب أن يجري بالنسبة لآية الخمس،
وبالنسبة لآية صلاة الجمعة مع أنه يقول: إنها آبية عن التخصيص بزمان
دون زمان، إلى غير ذلك من آيات كثيرة.
فلماذا لا يحمل كل تلك الآيات على أنها قد وردت لمعالجة
حالة كانت قائمة في عصر الدعوة الأول؟!
ب:
إن ما ذكره هذا البعض هنا فراراً عن الإلتزام بالجزية، التي لابد أن
يعطوها ﴿عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾([36])..
يتناقض مع قوله الآخر:
«إن العناوين القرآنية هي العناوين الأصلية التي تحكم
وتفسر كل مفردات العناوين الموجودة في السنة، فهي التي توسعها وتضيقها
لأنها هي الأساس في حركة الأحكام في الموضوعات.
كما أن المفهوم القرآني هو المفهوم الحاكم على كل
جزئيات المفاهيم الموجودة في الأحاديث، لأنه هو المقياس لصحة الأحاديث
وفسادها»([37]).
([1])
الآية 64 من سورة آل عمران.
([2])
تحدي الممنوع ص8 والمرشد ص354.
([3])
الآية 73 من سورة المائدة.
([5])
في آفاق الحوار الإسلامي المسيحي ص295
([6])
الآية 46 من سورة العنكبوت.
([7])
المصدر السابق ص321.
([8])
المصدر السابق ص294.
([9])
الآية 72 من سورة المائدة.
([10])
الآية 59 من سورة المائدة.
([11])
الآيات 73 ـ 77 سورة المائدة.
([12])
الآية 116 من سورة المائدة.
([13])
الآيات 30 ـ 32 من سورة التوبة.
([14])
الآية 46 من سورة العنكبوت.
([15])
الآية 1 من سورة البينة.
([16])
آفاق الحوار الإسلامي المسيحي ص246.
([17])
في آفاق الحوار الإسلامي المسيحي ص100 ـ 101.
([18])
المسائل الفقهية ج2 ص451.
([19])
المرشد العددان 3 و 4 ص373.
([20])
الآية 73 من سورة المائدة.
([21])
الآية 116 من سورة المائدة.
([22])
الآية 64 من سورة آل عمران.
([23])
من وحي القرآن (الطبعة الأولى) ج6 ص43 و 44.
([24])
الآية 73 من سورة المائدة.
([25])
الآية 76 من سورة المائدة.
([26])
الآية 116 من سورة المائدة.
([27])
الآية 98 من سورة الأنبياء.
([28])
راجع الكنى والألقاب ج1 ص294.
([29])
الآية 82 من سورة المائدة.
([30])
من وحي القرآن (الطبعة الأولى) ج15 ص226.
([31])
الآية 30 من سورة التوبة.
([32])
من وحي القرآن (الطبعة الأولى) ج11 ص93.
([33])
من وحي القرآن (الطبعة الأولى) ج11 ص74 و 75 و راجع ص86 و 89.
([34])
من وحي القرآن (الطبعة الأولى) ج11 ص84 ـ85.
([35])
الآية 29 من سورة التوبة.
(1)
مجلة المنطلق العدد 113 صفحة 32 و راجع رسالة في الرضاع ومجلة
المرشد.
|