2 ـ ضرب النساء:
إن ما اعتبره رحمه الله مبررا لاستبعاد ضرب العربي
للمرأة لا يصلح للتبرير، وذلك:
أولا:
لأن كلمة أمير المؤمنين «عليه السلام» عن العار في ضرب المرأة لا يعني
استحالة صدور هذا الأمر منهم، إذا كان ثمة داع أقوى، يدفع إلى ارتكاب
أفظع الجرائم، وهتك أعظم الحرمات.
ولا سيما إذا كان هذا الداعي هو شهوة الحكم والسلطة،
وخصوصا إذا كانت الحكومة تستطيع بعد توطيدها أن تمحو العار بما تفرضه
من هيبة، وبما تملك من مال وجاه، وحيث تعنو لها الرقاب خوفا أو طمعا،
ثم بما يحيط المتصدي لمقام خلافة النبوة من شعور بالتقديس، والاحترام
من منطلق التدين والإيمان لدى عامة الناس.
ومن جهة أخرى:
قد كان ولا يزال وأد البنات عارا؟! وكان ولا يزال قتل الابن والأخ من
أجل الدنيا عارا؟ وقد قتلت الخيزران ولدها
ــــــــــــــــــــ
(1)
لا حظ جنة المأوى: ص83 ـ 84 و 78 ـ 81. (*)
/ صفحة 195 /
من أجل الملك كما يزعمون، وقتل المأمون أخاه. وعرفت
عنهم مقولة: الملك عقيم لا رحم له(1).
ولو كان ثمة تقيد بعدم صدور القبيح منهم لما قالوا
للنبي «صلى الله عليه وآله»، وهو يسمع: إن النبي ليهجر، مع أن الوازع
الديني يفترض أن يكون أقوى من وازع التقاليد والعادات.
بالإضافة إلى أن إطلاق هذه الكلمة بحق النبي أدعى للصوق
العار الأبدي بهم، وهو أعظم من تجرئهم على امرأة بالضرب، أو باجتياح
بيتها، أو بإسماعها قواذع القول، وعوار الكلام.
وخلاصة الأمر:
إذا كان ثمة شخص يخاف من العار فلا بد أن يخاف منه في كل شؤونه
وحالاته، أما أن يخاف من العار هنا، ولا يخاف منه هناك كما في جرأته
على رسول الله «صلى الله عليه وآله» فذلك غير واضح ولا مقبول..
بل إن جرأته على العار في مورد تجعلنا نتريث في تكذيب
ما ينسب إليه منه في مورد آخر، فكيف إذا كان ذلك ثابتا بالأدلة
القاطعة، والبراهين الساطعة.
وهل يسع هذا المشكك إنكار تهديدهم للزهراء «عليها
السلام» بإحراق الدار عليها وعلى أولادها؟ فهل هذا الأمر ليس عارا على
من هدد به؟! وهل يمكن أن يكون ضربها على خدها هو العار فقط دون سواه؟!.
ثانيا:
إن هذا البعض الذي يستدل بكلام كاشف الغطاء، هو
ــــــــــــــــــــ
(1)
الكامل في التاريخ، لابن الأثير: ج6 ص99 / 100. تاريخ الطبري: ج8 ص205.
(*)
/ صفحة 196 /
نفسه يضع علامات استفهام كبيرة حول صحة النصوص الواردة
في نهج البلاغة، وفي غيره، إذا كانت تشير إلى أي ضعف في شخصية المرأة،
وقد تحدث هذا النص المستشهد به عن هذا الضعف، فهو يقول: «فإنهن ضعيفات
القوى والأنفس والعقول».
وقد شكك هو نفسه في صحة خصوص هذا النص أكثر من مرة!!
فكيف يستدل هنا بأمر يرفضه جملة وتفصيلا في مقام آخر؟!.
ثالثا:
لقد ضربت بنات رسول الله «صلى الله عليه وآله» بالسياط في يوم كربلاء
حين وجد الحقد الأسود الذي أعمى بصائرهم وأبصارهم، وصدهم عن التفكير
بما يترتب على ذلك من عار في الدنيا، ومن التعرض لغضب الجبار في الدنيا
والآخرة..
وهناك شواهد تاريخية كثيرة تؤكد: أنه إذا وجد دافع أقوى
من دافع دفع العار، فإنهم لا يتورعون عن قبول هذا العار.
ونحن نذكر من الشواهد ما يلي:
1 ـ
لقد كان أحدهم يدفن ابنته في التراب، وهي حية، مخافة أن تأكل من طعامه،
وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ
سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾([1]).
2 ـ
إن هذا القائل نفسه يذكر: إن ابن زياد لعنه الله هم بأن يبطش بالسيدة
زينب، حينما خاطبته بما أثار حفيظته، فتدخل عمرو بن حريث، وصده عن ذلك
بقوله: إنها امرأة، والمرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها
(2).
ــــــــــــــــــــ
(2)
جنة المأوى: ص82.(*).
/ صفحة 197 /
3 ـ
بل لقد ذكر هذا المستدل بكلام كاشف الغطاء: إن زينب «عليها السلام» قد
جلدت بالسياط وكذلك غيرها من بنات الوحي(1)
صلوات الله وسلامه عليهم، فراجع كتبه ومؤلفاته وخطاباته.
4 ـ
وقد قتلت سمية والدة عمار تحت وطأة التعذيب في مكة، من قبل «فرعون
قريش» أبي جهل لعنه الله، فكانت أول شهيدة في الإسلام
(2).
5 ـ
وكان عمر نفسه يعذب جارية بني مؤمل أيضاً، فكان يضربها حتى إذا مل،
قال: إني أعتذر إليك إني لم أتركك إلا ملالة
(3). وعذبت أيضاً أم شريك رحمها الله، فلماذا لم يكن خوف لحوق
العار به عائقا له عن اقتراف هذا الأمر الموجب للعار.
6 ـ
وتحدثنا كتب الحديث والتاريخ: أنه لما مات عثمان بن مظعون بكت النساء،
فجعل عمر يضربهن بسوطه، فأخذ رسول الله «صلى الله عليه وآله» يده،
وقال: مهلا يا عمر، دعهن يبكين الخ (4).
7 ـ
ثم ضرب عمر النساء اللواتي بكين على أبي بكر، حتى
ــــــــــــــــــــ
(1)
الإنسان والحياة: ص271.
(2)
راجع: الإستيعاب (هامش الإصابة): ج4 ص330 و 331 و 333 والإصابة: ج4
ص334 و 335 والسيرة النبوية لابن كثير: ج1 ص495 وأسد الغابة: ج5 ص481
واليعقوبي: ج2 ص28.
(3)
السيرة النبوية لابن هشام: ج1 ص341، والسيرة الحلبية: ج1 ص300 والسيرة
النبوية لابن كثير: ج1 ص493 المحبر: ص184.
(4)
مسند أحمد بن حنبل: ج1 ص237 و 335، ومستدرك الحاكم: ج3 ص190، وصححه
وقال الذهبي في تلخيصه المطبوع بهامشه: سنده صالح. ومسند الطيالسي:
ص351، ومجمع الزوائد: ج3 ص17. (*)
/ صفحة 198 /
قال المعتزلي: «أول من ضرب عمر بالدرة أم فروة بنت أبي
قحافة، مات أبو بكر فناح النساء عليه، وفيهن أخته أم فروة، فنهاهن عمر
مرارا وهن يعادون، فأخرج أم فروة من بينهن، وعلاها بالدرة، فهربن
وتفرقن(1). وذكر هذه القصة آخرون
فليراجعها من أراد (2).
8 ـ
ولما مات خالد بن الوليد اجتمع في بيت ميمونة نساء يبكين، فجاء عمر...
فكان يضربهن بالدرة، فسقط خمار امرأة منهن، فقالوا: يا أمير المؤمنين
خمارها، فقال: دعوها، فلا حرمة لها الخ.. (3).
9 ـ
وقد أهدر النبي «صلى الله عليه وآله» دم هبار بن الأسود لما كان منه
في حق زينب. وذلك معروف ومشهور.
رابعا:
لماذا لا يقبل وجدان هؤلاء أن يكون عمر هو الذي ضربها «عليها السلام»،
معللين ذلك بأن ضربه لها يوجب لحوق العار به، ثم يقبل وجدانهم أن يلحق
العار بقنفذ؟! فكما أن عمر عربي يخاف من العار، فإن قنفذا عربي ويخاف
من ذلك أيضا!!.
وكما أن عمر من قبيلة بني عدي، فإن قنفذا أيضاً هو من
نفس هذه القبيلة، فلماذا تجر الباء هنا ولا تجر هناك يا ترى؟.
لكن المحقق التستري (4)
قد ذلك: أن قنفذا تيمي لا عدوي، وأن المراد أنه عدوي الولاء لأنه
مولاهم، وسواء كان عدويا أو تيميا فإنه إذا كان ضرب المرأة قبيحا عند
العرب، فلا بد أن ينكره الإنسان العربي، ويرفضه سواء صدر من هذا الشخص
أو ذاك.. بل إن صدوره
ــــــــــــــــــــ
(1)
شرح نهج البلاغة: ج1 ص181.
(2)
الغدير: ج6 ص161 عن كنز العمال: ج8 ص119 والإصابة: ج3 ص606.
(3)
الغدير: ج6 ص162. عن كنز العمال: ج8 ص118.
(4)
راجع: قاموس الرجال: ج7 ص393 / 394. (*)
/ صفحة 199 /
من المولى بحق العربية سيواجهه العربي ـ وفقا لمفاهيمهم
ـ بحساسية أكبر ورفض أشد.
خامسا:
لقد روي عن علي «عليه السلام»: أنهم لم يصادروا أملاك
قنفذ، كما صنعوا بسائر ولاتهم، لأنهم شكروا له ضربته للزهراء(1).
فشكرهم له لكونه قد ضرب امرأة، هي الزهراء «عليها
السلام»، سيدة نساء العاملين، هو الآخر عار عليهم، وهو يدينهم، ويهتك
الحجاب عن خفي نواياهم، وعن دخائلهم.
ويظهر أنهم لا يهتمون لهذا العار ولا لغضب الله ورسوله
«صلى الله عليه وآله»، بسبب غضب الزهراء «عليها السلام»، إذا وجد
لديهم داع أقوى، ولا سيما إذا كان هو تحقيق شهوة هي بمستوى حكم العالم
الإسلامي بأسره، والحصول على مقام خلافة النبوة، وهو مقام له قداسته
وخطره بنظر الناس.
وذلك يبطل أيضاً دعوى البعض: أنهم كانوا يجلون فاطمة
ويحترمونها ويسعون لرضاها، وما إلى ذلك.
وأما استرضاؤهم لها، فسيأتي أنه كان مناورة سياسية،
فاشلة وغير مقبولة..
([1])
الآيتان 8 و 9 من سورة التكوير.
|