السياسة وما أدراك ما السياسة؟

   

صفحة :   

السياسة وما أدراك ما السياسة؟:

ونشير هنا إلى كلمة للإمام شرف الدين رحمه الله تعالى قال:

«وهنا نلفت أولي الألباب إلى البحث عن السبب في تنحي الزهراء عن البلد في نياحتها على أبيها  «صلى الله عليه وآله»، وخروجها بولديها في لمة من نسائها إلى البقيع يندبن رسول الله، في ظل أراكة كانت هناك، فلما قطعت بنى لها علي «عليه السلام» بيتا في البقيع كانت تأوي إليه للنياحة، يدعى: بيت الأحزان، وكان هذا البيت يزار في كل خلف من هذه الأمة»(2).

وأقول:

إن من القريب جدا: أن يكون الحديث: «إن الميت ليعذب ببكاء الحي «قد حرف عن حديث» البكاء على اليهودية المتقدم»، لدوافع سياسية لا تخفى، فإن السلطة كانت تهتم بمنع فاطمة «عليها السلام» من البكاء على أبيها.

ــــــــــــــــــــ

(1) حزقيال. الإصحاح 24 الفقرة 16 ـ 18.

(2) النص والإجتهاد: ص234. (*)


/ صفحة 349 /

فيظهر: أن هذا المنع قد استمر إلى حين استقر الأمر لصالح الهيئة الحاكمة، ولذلك لم يعتن عمر بغضب عائشة، ومنعها إياه من دخول بيتها حين وفاة أبي بكر، فضرب أم فروة أخت أبي بكر بدرته، وقد فعل هذا رغم أن البكاء والنوح كان على صديقه أبي بكر، وكان هجومه على بيت عائشة، وكان ضربه لأخت أبي بكر. وهو الذي كان يهتم بعائشة ويحترمها، وهي المعززة المكرمة عنده، وهو الذي يقدر أبا بكر ومن يلوذ به، ويحترم بيته بما لا مزيد عليه.

نعم لقد فعل كل هذا لأن الناس لم ينسوا بعد منع السلطة لفاطمة «عليها السلام» من النوح والبكاء على أبيها وما أصابها بعده. ولنفرض أن البكاء كان فقط على أبيها، فما أشده من موقف، وناهيك بهذا الإجراء جفاء وقسوة: أن يمنع الإنسان من البكاء على أبيه، فكيف إذا كان هذا الأب هو النبي الأكرم «صلى الله عليه وآله»، أعظم وأكمل، وأفضل إنسان على وجه الأرض.

ثم لما ارتفع المانع، ومضت مدة طويلة وسنين عديدة على وفاة سيدة النساء «عليها السلام»، ونسي الناس أو كادوا، أو بالأحرى ما عادوا يهتمون بهذا الأمر، ارتفع هذا المنع على يد عمر نفسه، وبكى على النعمان بن مقرن الذي توفي سنة 21 ه‍ وعلى شيخ آخر، وسمح بالبكاء على خالد بن الوليد، الذي توفي سنة 21 أو 22 حسبما تقدم.

والنهي عن البكاء على الأموات يختلف ما ورد عن مصادر كثيرة من النهي عن خمش الوجوه، وشق الثياب، واللطم، والنوح بالباطل. فإنه غير البكاء وهياج العواطف الإنسانية الطبيعية. وذلك لأن الأول ينافي الخضوع لله عز وجل والتسليم لقضائه، أما الثاني فهو من مقتضيات الجبلة الإنسانية، ودليل اعتدال سجية الإنسان، وشتان ما بينهما.


/ صفحة 353 /

 
   
 
 

موقع الميزان