الشيخ الصدوق

الشيخ الأقدم أبو جعفر محمد ابن علي ابن الحسين المعروف بالصدوق

بسم الله الرحمن الرحيم‏


تقديم:

تعتبر المئة الرابعة والخامسة من أخصب الفترات عطاء وتميزا في تاريخ المذهب الإمامي، ولا نبالغ إذا اعتبرناها عقد القلادة بين القرون الثلاثة الأول وما تلا هذه الفترة من قرون.

ففي هذه الحقبة بالذات تم تثبيت الهوية الفكرية والعلمية للتشيع في زمن الغيبة بنحو أفضل مما سبق وحددت معالمه بنحو أدق، بعد أن مر في أوائل أمر الغيبة بمنعطفات حرجة كانت كل واحدة منها كافية لتقويض كيانه ومحو هويته لولا رعاية الله .

وتأتي أهمية تلك الحقبة باعتبار إنها تمثل بدايات عصر الغيبة الكبرى، ذلك التحول العظيم الذي طرا على كيان التشيع، فنقله من تركيبته التي ألفها قرابة القرنين من الزمن والتي كانت تقوم على دعامتين أساسيتين:

القيادة المباشرة للمعصومين(عليهم السلام)، والقاعدة المؤمنة بها إلى مرحلة جديدة تفترض غياب القيادة في الظاهر، وتصدي القيادة النائبة الخاصة المتمثلة بالنواب الأربعة(رضي الله عنهم)، والقيادة النائبة العامة المتمثلة بالفقهاء والعلماء قرون طويلة إلى أن ينفذ الله مشيئته في خلقه ويأذن بالظهور. وقد اضطلع علماء تلك الحقبة المتاخمة لإعلان الغيبة الكبرى بمهمة حفظ التشيع وتحصينه من حالات التصدع وعمليات التحريف أو التذويب والاحتواء.

وتحددت مسؤوليات أولئك العظام (رضوان الله عليهم) في ثلاث محاور:

1- حفظ القيادة النائبة من تسلل أصحاب الادعاءات والانتهازيين.

2- الرد على أصحاب المقالات المشككة في أمر الإمامة والغيبة، وتحصين القاعدة المؤمنة وتخليصها من‏حالات اليأس والتردد التي حاول الأعداء زرعها في نفوسهم بالنسبة إلى الغيبة بوجه خاص.

3- تحديد الهوية العلمية للتشيع من خلال تصنيف الجوامع الرئيسية في الحديث والفقه والرجال والتفسير، سيما وان رواسب المرحلة السابقة (ما قبل الغيبة) من الدس والتزوير في حديث أهل البيت (عليهم السلام) وضياع الأصول الحديثية وغير ذلك كان يتطلب وقفة حازمة ومسؤولة في هذا المجال.

كل هذا كان يلقي بأعباء المسؤولية على كاهل الفقهاء المعاصرين لتلك البرهة، ويدفعهم لتحمل واجبهم الديني.. ولقد قاموا جزاهم الله خيرا بالمأمول خير قيام.

ومن هنا فقد تمخض نشاط الفقهاء في القرن الرابع والخامس عن جملة أمور تأسيسية تعد من شواخص ذينك القرنين، وهي:

1- حفظ الخط الأصيل للتشيع من التمزق والضياع; وذلك من خلال تثبيت فكرة الغيبة والدفاع عن مقام الإمامة، ودحض الشبهات الواردة في هذا المجال من داخل الوجود الشيعي وفرقه الأخرى كالزيدية وهم العمدة، والإسماعيلية والكيسانية والواقفة أو من خارجه. ولذا نرى اشتداد الصراع الكلامي آنذاك وكثرة المناظرات والمقالات والمصنفات في مثل هذه الأمور على عهد الشيخ الصدوق والمفيد والسيد المرتضى حتى إن الشيخ المفيد(أعلى الله مقامه) افرد لوحده في موضوع الغيبة عشرة مصنفات ما بين رسالة وكتاب ونقض وجواب، ووضع الشيخ الصدوق كتابه(إكمال الدين وإتمام النعمة) لدفع الحيرة عن الشيعة في أمر الغيبة، وله كتاب كبير آخر في الغيبة، كما إن لأبيه علي بن الحسين بن بابويه كتاب(الإمامة والتبصرة من الحيرة)، وللشيخ الطوسي أيضاً كتاب الغيبة معروف.

2- حفظ الأصول الروائية الموروثة(الاربعمئة) وضبطها،وغربلة أسانيد الروايات ودراسة أحوال رجالها، وإقامة الفقه على أساس علمي واستدلالي رصين من خلال نقله من إطار الحديث والنقل وإدخال عنصر العقل والاستدلال في عملية الاستنباط والاجتهاد، ولا شك فان ذلك يعد خطوة عظيمة وقفزة كبيرة في تاريخ علم الفقه. ومن هنا فقد صنفت الكتب الحديثية الاربعة في تلك الفترة والأصول الرجالية، وفي تلك البرهة أيضاً تطور الفكر الأصولي بشكل ملحوظ على يد الشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطوسي.

3- تأسيس أو تقوية الحوزات العلمية كحوزة بغداد والنجف في العراق وحوزة قم والري في إيران. وعليه فقد مهد أولئك الأعاظم الطريق أمام قوافل الفقهاء التي تلت عصرهم واقتفت آثرهم بحيث صارت كتبهم ومصنفاتهم منهلا لكل شارب ومصدراً لكل باحث وطالب، ومن هنا ندرك عظمة الجهد الذي بذلوه وانه لم يكن جهدا عاديا ولا يمكن مقايسته بجهود من تلاهم من الفقهاء، ولو قلنا أن اصل وجود أولئك الأكابر من الألطاف الإلهية التي من الله بها على هذه الأمة لحفظ الشريعة لما جانبنا الصدق والحق في ذلك.

والشيخ الصدوق الثاني: رئيس المحدثين على الإطلاق، وفقيه الإمامية ووجههم، صدوق الطائفة وملاذها وركن الملة وعمادها، ناصر الحق ورافع رايته، وداحض شبهات الباطل وماحقه، الذائد عن حمى الإمامة والدين، المؤيد بتاييدات رب العالمين، شيخ مشايخ الإسلام والحجة على الخاص والعام، المولود بدعوة صاحب الأمر(عج)، المخصوص بخفي رعايته وألطافه، الشيخ الفقيه المحدث أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، الملقب في السنة الفقهاء بالصدوق، كذا اثبت نسبه(‏رحمه‏ الله) في أكثر كتبه، ولم يتجاوز به بأكثر من جده بابويه.

 

لمحات عامة:   للأعلى

ولد الشيخ الصدوق(‏رحمه‏ الله) في محتد طيب وبلدة عريقة، في مدينة قم موئل العلماء ومنبت الفضيلة، وتربى في وسط بيت رفيع من بيوتاتها كان قد عرف بالصلاح والعلم وزعامة الدين، فدرج في مقتبل أمره وعنفوان فتوته يرتضع لبان المعارف والفضيلة، ويرتشف من معين العلم على يد والده الفقيه المعظم ذي الجلالة والشرف، علي بن الحسين بن موسى بن بابويه المعروف بالصدوق الأول، وذلك خلال مدة طويلة. ثم اختلف من بعد أبيه(‏رحمه ‏الله) إلى أكابر المشايخ بقم يسمع منهم على حداثة سنه، فحاز إجازة الحديث والرواية عنهم.

ولما اشتد من العلم كاهله وصفت له مناهله وبلغ مبالغ العلماء العظام استقل بالتدريس، وسمع منه شيوخ الطائفة وهو حدث السن، حتى تناهى صيته إلى كل بلاد الإسلام وأمرائها، فدعوه إلى بلادهم، للإفادة من محضره والاستنارة بوهج علمه، فلبى نداء المسؤولية، ويمم وجهه إلى الري حيث كانت محطته الأولى في سلسلة أسفاره وتطوافه في البلاد المختلفة. وقد كانت هجرة الشيخ الصدوق(‏رحمه‏ الله) من وطنه ألام بقم بمثابة مرحلة جديدة في حياته، انفتح من خلالها على حواضر العلم ومراكز الإشعاع الأخرى في العالم الإسلامي، لتبادل السماع والإسماع مع محدثيها وأئمة العلم فيها. وبعد أن استقر به المقام في بلاد الري التي كانت تعتبر جامعة علمية تزخر بالعلم ورواد المعرفة انطلق بعد ذلك إلى بلاد أخرى، فعرفته حواضرها وعلماؤها بالفضل والتقدم من خلال ما سطرته براعته من مؤلفات ناهزت الثلاثمائة كتاب ومن خلال مواقفه ومناظراته في أندية العلم دفاعا عن المبدأ والحقيقة، فذاع لذلك صيته وتألق نجمه في الأوساط العلمية والاجتماعية، وألقت إليه الأمة أمر زمامها ورجعت إليه من مختلف الأصقاع تسأله في قضاياها، فكان وجه الطائفة وزعيمها في المئة الرابعة من بعد أبيه، إلى أن التحق بالرفيق الأعلى بعد أن أدى ما افترض عليه تجاه أمته ومجتمعه.

وهكذا كان الشيخ الصدوق إبان حياته جامعة سيارة بعلمها المتدفق، وكذلك بقي بعد رحيله جامعة عكفت على الدرس في أروقتها الأجيال، وما فتئت‏ يرتوي من معينها الأعيان والابدال. فخلد لنفسه في الدنيا قبل غيره ذكرا جميلا ومجدا شامخا ومقاما رفيعا، وفي الآخرة مزيدا.

هذا، وقد عرف علماؤنا العظام للشيخ الصدوق حقه ومكانته الخاصة لدى الأمة فأطروه بكل مكرمة وجميل، عرفانا لفضله وإكباراً لشخصه وخدماته.. واليك بعض الشذرات من كلامهم العطر حول هذه الشخصية الفذة وان كان يكفيه كلام حجة العصر(عج) في وصفه، ولو لم يذكر في حقه سواه لكفى، حيث ورد وصفه(‏رحمه‏الله) في التوقيع الخارج من الناحية المقدسة بأنه فقيه، خير، مبارك ينفع الله به فطوبى لمن امتدحه حجة الله بمثل هذا وحسن مآب، وكفى به لصاحبه فخراً وعزاً، ولعمري فان كل ما قيل غير هذا فهو دونه.

 

الصدوق في نظر الأعلام:  للأعلى

* قال شيخ الطائفة الطوسي في رجاله: جليل القدر حفظة، بصير بالفقه والأخبار والرجال. وشهد له شهادة أعلى وأضفى، فقال في فهرسته: جليل القدر، يكنى أبا جعفر، كان جليلا حافظاً للأحاديث، بصيراً بالرجال، ناقداً للأخبار، ولم ير في القميين مثله في حفظه وكثرة علمه، له نحو من ثلاثمائة مصنف، وفهرست كتبه معروف. ولك أن تتأمل مليا في كل لفظة من تينك الشهادتين، فان قائلهما ممن لا يجازف بالقول، ولا يقول شططا.

* وقال الرجالي الخبير، الشيخ أبو العباس النجاشي: أبو جعفر نزيل الري، شيخنا وفقيهنا، ووجه الطائفة بخراسان، وكان ورد بغداد سنة 355، وسمع منه شيوخ الطائفة وهو حدث السن، وله كتب كثيرة.

* وقال الخطيب البغدادي في تاريخه: كان من شيوخ الشيعة، ومشهوري الرافضة حدثنا عنه محمد بن طلحة النعالي.

* وفي سير أعلام النبلاء للذهبي: راس الامامية، أبو جعفر محمد بن العلامة علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، صاحب التصانيف السائرة بين الرافضة، يضرب بحفظه المثل. يقال له: ثلاث مئة مصنف.

* وقال العلامة الحلي في رجاله وابن داود في رجاله بمثل قولي الشيخ والنجاشي، فلا نعيد.

* وقال الشيخ المتقدم ابن إدريس الحلي في السرائر: كان ثقة جليل القدر، بصيراً بالأخبار، ناقداً للآثار، عالماً بالرجال، وهو أستاذ شيخنا المفيد، محمد بن محمد بن النعمان.

* وأثنى عليه الشيخ حسين بن عبد الصمد والد الشيخ البهائي فقال: وكان هذا الشيخ جليل القدر عظيم المنزلة في الخاصة والعامة، حافظاً للأحاديث بصيراً بالفقه والرجال والعلوم العقلية والنقلية، ناقداً للأخبار، شيخ الفرقة الناجية وفقيهها ووجهها بخراسان وعراق العجم، وله أيضاً كتب جليلة. ثم قال: لم ير في عصره مثله في حفظه وكثرة علمه.

* ووصفه المحقق الكركي في إحدى أجازاته بالإمامة والفقاهة فقال: الشيخ الإمام الفقيه المحدث الرحلة، إمام عصره أبي جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي الملقب بالصدوق (قدس الله روحه).

* وأطراه الشهيد الأول في إجازته لزين الدين علي بن الخازن بوصفه(الإمام ابن الإمام).

* ووصفه المحقق الداماد بالصدوق ابن الصدوق وقال عنه أيضاً: عروة الإسلام أبي جعفر.

* وقال العلامة المجلسي‏(رحمه‏الله) بعد أن أورد كلاما للصدوق رحمه الله: وإنما أوردناه لكونه من عظماء القدماء التابعين لآثار الأئمة النجباء(عليهم السلام) الذين لا يتبعون الآراء والأهواء، ولذا ينزل أكثر أصحابنا كلامه وكلام أبيه(رضي الله عنهما) منزلة النص المنقول والخبر المأثور.

* وقال المحقق التستري في مقابسه: الصدوق رئيس المحدثين ومحيي معالم الدين، الحاوي لمجامع الفضائل والمكارم، المولود كأخيه بدعاء الإمام العسكري أو دعاء القائم(عليهم السلام) بعد سؤال والده له بالمكاتبة أو غيرها أو بدعائهما صلوات الله عليهما، الشيخ الحفظة ووجه الطائفة المستحفظة، عماد الدين أبي ‏جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي الخراساني الرازي(طيب الله ثراه ورفع في الجنان مثواه).

* وفي إجازة المحقق الكركي في إجازته للشيخ صفي الدين عيسى وصفه بالشيخ الحافظ المحدث الرحلة المصنف الكنز الثقة الصدوق.

* ووصفه الشيخ حسن ابن الشهيد في إجازته للسيد نجم الدين، بالشيخ الإمام الصدوق الفقيه.

* وفي الفوائد الرجالية لآية الله المحقق السيد بحر العلوم شيخ من مشايخ الشيعة، وركن من أركان الشريعة رئيس المحدثين، والصدوق فيما يرويه عن الأئمة الصادقين(عليهم السلام)، ولد بدعاء صاحب الأمر والعصر(عجل الله فرجه) ونال بذلك عظيم الفضل والفخر، ووصفه الإمام(عليه السلام) في التوقيع الخارج من الناحية المقدسة بأنه: فقيه خير مبارك ينفع الله به.

فعمت بركته الأنام، وانتفع به الخاص والعام وبقيت آثاره ومصنفاته مدى الأيام وعم الانتفاع بفقهه وحديثه فقهاء الأصحاب ومن لا يحضره الفقيه من العوام. وقال في موضع آخر عنه: وكيف كان فوثاقة الصدوق أمر ظاهر جلي، بل معلوم ضروري كوثاقة أبي ذر وسلمان، ولو لم يكن إلا اشتهاره بين علماء الأصحاب بلقبيه المعروفين يقصد رئيس المحدثين والصدوق لكفى في هذا الباب.

كانت هذه شمة من كلام الأعلام والفقهاء في حق شيخنا الصدوق(قدس الله نفسه)، وقد تصافقت كلماتهم كما عرفت وكلمات غيرهم ممن اعرضنا عن نقل كلامه خوف الملال على تبجيله وتعظيمه ووصفه بالإمامة والفقاهة والوجاهة والنبل والتضلع في علوم جمة كالفقه والحديث والتفسير والرجال وغيرها.

 

ولادته:   للأعلى

غمرت الرعاية الإلهية شيخنا الصدوق(‏رحمه‏الله) منذ بداية أمره.. وحفته في مقتبل شبابه وفتوته عندما كان يحفظ ما لا يحفظه غيره حتى انه سمع عنه شيوخ الطائفة وهو حدث السن.. وظللته كهلا ثم شيخا.. ولنا أن نتلمس البوادر الأولى من تلك الرعاية فيما ظهر من أمر ولادته المباركة، حيث كانت بدعاء صاحب الأمر(عجل الله فرجه) عندما طلب منه والد الصدوق(عليه الرحمة) ذلك، ولقد كان الشيخ الصدوق يفتخر بذلك ويقول: أنا ولدت بدعوة صاحب الأمر(عجل الله فرجه). ويحدثنا شيخنا المترجم بنفسه عن قصة ولادته فيقول: حدثنا أبو جعفر محمد بن علي الأسود قال: سألني علي بن الحسين بن موسى بن بابويه (رضي‏ الله ‏عنه) بعد موت محمد بن عثمان العمري (رضي ‏الله ‏عنه) أن أسال أبا القاسم الروحي أن يسال مولانا صاحب الزمان(عليه السلام) أن يدعو الله عز وجل أن يرزقه ولدا ذكرا. قال فسألته فانهي ذلك فاخبرني بعد ذلك بثلاثة أيام انه قد دعا لعلي بن الحسين، وانه سيولد له ولد مبارك ينفع الله به، وبعده أولاد.

وذكر الشيخ الطوسي‏(رحمه‏الله) في(كتاب الغيبة) كلاما أكثر تفصيلا، حول الأمر الذي حمل والد الصدوق(‏رحمه‏الله) على مكاتبة الناحية وطلب الولد منها لأكثر من مرة فقال: عن أبي العباس بن نوح عن أبي عبد الله الحسين بن محمد بن سورة القمي حين قدم علينا حاجاً قال: حدثني علي بن الحسين بن يوسف الصائغ القمي، ومحمد بن احمد بن محمد الصيرفي المعروف بابن الدلال وغيرهما من مشايخ أهل قم، أن علي بن الحسين بن بابويه كانت تحته بنت عمه محمد بن موسى بن بابويه فلم يرزق منها ولدا، فكتب إلى الشيخ أبي القاسم(رضي ‏الله ‏عنه) أن يسال الحضرة أن يدعو الله أن يرزقه أولاداً فقهاء. فجاء الجواب: انك لا ترزق من هذه، وستملك جارية ديلمية وترزق منها ولدين فقيهين.

وفي رجال النجاشي أن علي بن الحسين(‏رحمه ‏الله) قدم العراق واجتمع مع أبي القاسم الحسين بن روح(‏رحمه‏الله) وسأله مسائل ثم كاتبه بعد ذلك على يد علي بن جعفر بن الأسود يسأله أن يوصل له رقعة إلى الصاحب(عليه السلام) ويسأله فيها الولد، فكتب إليه: قد دعونا الله لك بذلك وسترزق ولدين ذكرين خيرين.

ولم يذهب غير بعيد حتى كان الأمر كما أمل ابن بابويه(‏رحمه‏الله) ورجا، فقد ملك الجارية الديلمية وولدت له ولده الموعود فقرت بذلك عينه وطابت به نفسه وكان ذلك المولود هو محمد بن علي الصدوق اكبر ولده وأفقههم، ثم ولدت له الحسين بن علي وقد كان آية في الحفظ والنباهة والفقاهة، إلا انه لا يبلغ شان أخيه الصدوق. هذا ولم يضبط تاريخ ولادة الشيخ الصدوق على نحو التحديد، إلا أنها كانت بعد وفاة العمري محمد بن عثمان(رضي‏ الله ‏عنه) السفير الثاني كما عرفت ذلك من نقل الصدوق(‏رحمه‏الله) المتقدم وفي أول سني سفارة أبي القاسم الحسين بن روح(رضي ‏الله‏ عنه). وقد كانت وفاة العمري سنة 305 كما ذكر ابن الأثير ذلك في حوادث تلك السنة من تاريخه، ولعلها كانت ‏سنة 306 إذا لاحظنا مدة رجوع جواب الإمام(عليه السلام) من سامراء إلى علي بن بابويه بقم وامتلاكه الجارية وما يستغرقه الحمل من وقت.

قال العلامة المحقق السيد بحر العلوم في فوائده: ولد بعد وفاة العمري في أوائل سفارة الحسين بن روح وقد كانت وفاة العمري سنة 305 فيكون قد أدرك من الطبقة السابعة فوق الأربعين ومن الثامنة إحدى وثلاثين، ويكون عمره نيفا وسبعين سنة، ومقامه مع والده ومع شيخه الكليني في الغيبة الصغرى نيفا وعشرين سنة فان وفاتهما سنة 329 وهي سنة وفاة السمري آخر السفراء.

وعلى هذا يكون الشيخ الصدوق(‏رحمه ‏الله) قد عاصر في عهد الغيبة الصغرى سفيرين من السفراء الأربعة هما: الحسين بن روح والسمري (رضي الله عنهما).

ولقد كان أمر ولادته بدعاء الإمام(عجل الله فرجه) ذائعا عند القميين يعرفه الخاص والعام، ففي الغيبة للشيخ الطوسي: كان أهل قم يتعجبون من حفظهما الصدوق وأخيه فكلما رويا شيئا قال الناس: هذا الشأن خصوصية لكما بدعوة الإمام(عليه السلام)، وهذا أمر مستفيض في أهل قم. إلا انه ورد في كتاب(عقيدة الشيعة) للمستشرق دوايت م. رونلدس: إن ولادة الصدوق كانت بخراسان أثناء زيارة والده لمشهد الرضا(عليه السلام). ولم يذكر مأخذه في ذلك. ولم ينقله احد ممن تعرض لأحواله، فالصحيح إن ولادته كانت بقم. وعلى كل حال، فلا يخفى ما لهذه الواقعة من دلالة خاصة تدل على عظمة علي بن بابويه وولده الصدوق لدى الناحية المقدسة، ولا شك إنها زادت من جلالة وقدر أسرة آل بابويه في المجتمع القمي.

ولنطو الكلام عن ولادته بكلام للعلامة المحقق بحر العلوم واصفا أحاديث ولادته بالقول: (إن هذه الأحاديث تدل على عظم منزلة الصدوق وكونه احد دلائل الإمام(عليه السلام)، فان تولده مقارنا لدعوة الإمام(عليه السلام) وتبينه بالنعت والصفة من معجزاته(صلوات الله عليه)، ووصفه بالفقاهة والنفع والبركة دليل على عدالته ووثاقته...).

 

مقومات شخصيته:  

لا شك إن شخصية فذة كالشيخ الصدوق لم تكن وليدة ساعتها، بل هي وليدة عقود من الزمن اختلجت بتجارب عسيرة ومعاناة طويلة أنجبت ‏شخصية عملاقة كالشيخ الصدوق. ذلك إنا عندما نلهج باسم الصدوق ونترجم له لا نريد أن نتحدث عن ذات كانت ثم مضت، فان الشيخ الصدوق لا يعني ذاتا خارجية بقدر ما يعني تراثا علمياً ضخماً وعطاءً دينياً ثراً، فالألقاب التي أحاطت بحق بشخصيته كالإمامة والفقاهة ورئاسة المحدثين وغيرها من النعوت لم تأت عن فراغ أو مجاملة في التعبير بقدر ما تعكسه من محتوى وجوهر هذه الشخصية وما جادت به من تراث خالد وخدمات جليلة. ولو أردنا تحديدا دقيقا لأهم العوامل والمقومات التي ساهمت في صناعة ذلك الجوهر الناصع وتظافرت على صياغة أبعاد تلك الشخصية المرموقة ورسمت معالمها الأصيلة لوجدنا في الصدارة من تلك المقومات عامل التسديد الإلهي والرعاية الربانية الخاصة التي رعته في جميع ادوار حياته، حيث جادت عليه الظروف بمناخ علمي وديني في حاضرة العلم آنذاك بقم المشرفة، كما زودته يد الرعاية الإلهية باستعداد مفرط، وذكاء وحفظ شديدين بحيث كان، يحفظ ما لا يحفظه غيره من أهل قم.

وفوق كل ذلك نشأته في ظل والده المعظم، الفقيه الوجيه علي بن بابويه الذي كان له القسط الأوفر في تكوين شخصية ولده الصدوق(‏رحمه ‏الله).

وأما سائر المقومات والعوامل الأخرى المؤثرة في تقويم وتكوين شخصية شيخنا المترجم فيمكن الإشارة إليها في أمور نعقد الحديث‏ حولها، وهي:

(أسرته * عصره * رحلاته * شيوخه * قدراته الذاتية)

 

1 - أسرته:  

إن من يقرا تاريخ الأمم والشعوب، يجد أصنافا من الأسر والبيوتات التي عرفت بالسياسة والحكم أو بالثروة والمال أو بالعلم والتقى أو بغير ذلك من الأمور التي تميزها وترفع من قدرها. ولا شك فان خيرها من عرف بالعلم والصلاح، فالعلماء باقون ما بقي الدهر. ومن الأسر التي يشار إليها بالبنان في حاضرة العلم بقم بل في العالم الإسلامي في القرن الرابع الهجري، هي أسرة آل بابويه، تلك الأسرة التي شهد الفضل بفضلها والشرف بشرفها وعرفت بالعراقة والسؤدد والمجد، فهي باسقة الأفنان، عالية البنيان قد نبغ منها ثلة من أئمة العلم وجهابذته، وحملة الفقه وسدنته، يأتي على رأسهم الفقيه الجليل والمحدث النبيل، الشيخ أبو الحسن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه الذي أطبقت الطائفة على علو مرتبته وارتفاع كعبه، حتى إن أكثر أصحابنا ينزلون كلامه منزلة النص المنقول والخبر المأثور كما نقل ذلك العلامة المجلسي، وعلى كل حال فان أمره في الفقاهة والجلالة والفهم والعلم أعلى من أن تحوم فوقه العبارة أو تحيطه الإشارة ويكفيه فخرا خطاب الإمام العسكري(عليه السلام) له على ما في الرسالة المنقولة عنه(عليه السلام) بالفقاهة والشيخوخة حيث جاء في كتابه(عليه السلام): (... أما بعد: أوصيك يا شيخي ومعتمدي وفقيهي أبا الحسن علي بن الحسين القمي وفقك الله لمرضاته وجعل من صلبك أولاداً صالحين برحمته، بتقوى الله وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة) الكتاب.

واليه يعود الفضل في اشتهار أسرته حتى طار صيتها في الآفاق، واستوى صفها مع سائر الأسر والبيوتات المعروفة في التاريخ، إذ لم يحدثنا التاريخ وكتب المعاجم عن أبيه وجده موسى وجده الأعلى بابويه القمي الذي عرفت الأسرة بعد ذلك باسمه، كما انه لم يحدثنا التاريخ أيضاً عن مبدأ سكناهم بقم.

ومن اشهر أعلام هذه الأسرة اخو المترجم الحسين بن علي بن الحسين بن بابويه الذي ولد أيضاً بدعاء الإمام الحجة(عجل الله فرجه)، ويعتبر من أكابر الفقهاء والصلحاء، وقد كان شريكا لأخيه الصدوق في موهبة الحفظ والفطانة وعقد مجلس البحث وله من العمر دون العشرين، وكان محمد بن علي الأسود ربما يحضر مجلسه فإذا رأى إسراعه في الجواب في الحلال والحرام يكثر التعجب لصغر سنه ثم يقول: لا عجب لأنك ولدت بدعاء الإمام(عليه السلام).

قال صاحب (رياض العلماء) في أحوال هذا الفقيه العظيم : (وأخوه الصدوق وابن هذا الشيخ وسبطه وأحفاده نازلا إلى زمن الشيخ منتجب الدين كلهم كانوا من أكابر العلماء، ولم اعثر فيما بعد الشيخ منتجب الدين كيف كانت أحوالهم، وقد كان الشيخ منتجب الدين من أعاظم أسباطه، وإما سلسلة الصدوق فالظاهر انه لم يكن منهم عالم سوى ولد الصدوق، فلاحظ‏).

وقد توفي الحسين بن علي بعد أخيه الصدوق سنة 418هـ.

روى الشيخ في الغيبة عن أبي عبد الله بن سورة قال: ولأبي الحسن بن بابويه(رحمه ‏الله) ثلاثة أولاد: محمد والحسين فقيهان ماهران في الحفظ، ويحفظان ما لا يحفظه غيرهما من أهل قم، ولهما أخ اسمه الحسن وهو الأوسط مشتغل بالعبادة والزهد ولا يختلط بالناس ولا فقه له.

ومن أكابر هذا البيت وأعاظمهم شمس الإسلام الحسن بن الحسين نزيل الري المدعو (حسكا) قرأ على شيخ الطائفة الطوسي جميع تصانيفه بالغري وكذا قرأ على الشيخ سلار والقاضي ابن البراج جميع تصانيفهما.

وأيضاً من أعلامهم الثقات المشاهير الشيخ منتجب الدين أبو الحسن علي بن عبيد الله بن الحسن (حسكا) وهو من أحفاد الحسين بن علي اخو الصدوق. وكان من ثقات المحدثين قال عنه الشهيد الثاني في شرح درايته: (ومنتجب الدين واسع الطرق كثير الرواية عن آبائه وأقاربه وأسلافه... الخ‏).

وغير هؤلاء من أعلام هذا البيت الرفيع كثيرون لا يأتي عليهم المجال لعدهم، وقد افرد المحقق الشيخ سليمان البحراني رسالة في تعداد أولاد بابويه ذكر فيها خمسة عشر اسما من أعلامهم. وقد ذكر في رياض العلماء ترجمة عدة‏منهم.

قال العلامة المامقاني: (وأولاد بابويه كثيرون جدا وأكثر هم علماء أجلة) وفي الرياض: (كلهم كانوا من أكابر العلماء).

فالشيخ الصدوق إذن غصن من أغصان هذه الدوحة النضرة وثمرة من أفنان تلك الشجرة الباسقة، قد ولد في مثل هذه الأسرة الطيبة الأعراق الطاهرة الأنساب درج وتربى في أحضان الفضيلة، تحت رعاية والده الزاهد العابد العالم الذي كان يرفع له في كل ‏يوم من العلم والتقى علما.. كيف وهو أمنيته التي طالما دعا الله تعالى أن يحققها فكان كما أراد ورجا، وتوسم فيه الخير والنفع كما جاء في التوقيع الشريف. فحرص على تربيته وتغذيته من علومه وكمالاته الروحية، وشع على نفسه من صفائه وأغدق عليه من فيض علومه فصقل روحه وعقله وصهر معدنه وجوهره حتى صار مثالا له بعد ملازمة بينهما فاقت العشرين عاما.

اجل، لقد كان لأبي الحسن بن بابويه الأثر الكبير في تكوين وتطوير شخصية ولده العلمية، حتى كاد أن ينعكس أثره في مجمل العطاء العلمي للشيخ الصدوق. فهذا الخطيب البغدادي يروي أن الصدوق(‏رحمه ‏الله) عند ما ورد بغداد حدث فيها عن أبيه علما بان وفاة أبيه كانت‏ سنة 329 وبينه وبين وروده لبغداد أكثر من عشرين عاما الأمر الذي يظهر عنايته بفقه وحديث أبيه على الرغم من سماعه وتحمله عن غيره من المشايخ طيلة هذه الفترة.

ونقل ابن النديم في فهرسته انه قرأ على ظهر نسخة وجدها بخط الصدوق(أجزت لفلان ابن فلان كتب أبي علي بن الحسين وهي مائتا كتاب وكتبي وهي ثمانية عشر كتابا).

ولك أن تتامل تراث الشيخ الصدوق فانه ينبئك عن غزارة النقل عن أبيه في مجموع مصنفاته الثلاثمائة، التي ضم الدهر علينا بالكثير منها، بيد إن ما وصلنا منها وظفرنا به ينبئ عما فاتنا.

 

2- عصره:  

من الواضح إن نشاط الحركة العلمية أو خمولها في كل مكان وزمان مرتبط ارتباطا وثيقا بالوضع السياسي ومتغيراته.

وقد شهد تاريخنا السياسي من حالات التفاعل بين حركه العلم وبين الظروف والأوضاع السياسية الكثير، فعندما دب الضعف في الدولة الامويه وانقرض سلطان حكامها الذين عرفوا بجاهليتهم وابتعادهم عن رحاب العلم والثقافة تنفست الامه الاسلاميه الصعداء، سيما أتباع مدرسه أهل ‏البيت(عليهم السلام)، حيث استغل ائمه أهل البيت(عليهم السلام) فرصه هذا الانفراج السياسي الحاصل‏ من سقوط دولة الأمويين وقيام دولة بنى العباس الفتيه في‏تنشيط الحركة العلمية وتفعيلها فازدهرت حاضرة المدينة المنورة والكوفة على عهد الإمامين الباقرين(عليهما السلام) ونفقت سوقها واستقام الحال على ذلك فتره، ثم تناوبته بعد ذلك في زمن الدولة العباسية فترات تراوحت بين الضمور والظهور، والنشاط والفتور، بحسب رغبه الحكام العباسيين في العلم وأهله إلا أن الخطب اشتد على الشيعة بشكل أكثر أواخر الدولة العباسية وساءت الأوضاع واخذوا كل مأخذ، فانحسرت الحالة العلمية وقل ارتباط العلماء والرواة بالأئمة المعصومين نتيجة الظروف السياسية الحرجة التي أحدقت بهم إلا أن تلك المحنه أعقبت انفراجا ويسرا ، وذلك عندما عصفت الإحداث بحكم العباسيين وال أمرهم إلى الوهن وضعف مركز الخلافة ببغداد حتى أوشك الأمر أن يخرج من يدها بالكلية وأذنت أركانها بالتداعي والانهيار.

في تلك الحقبة الملتهبة بأزمة الصراع السياسي من اجل القبض على دست الحكم ظهرت دول جديدة التأسيس في هذا الجزء من العالم الاسلامى وذاك، وقد عرفت تلك الدول الجديدة بولائها أو تشيعها لأهل البيت(عليهم‏السلام) مما فسح الفرصة من جديد للشيعة في أن يستعيدوا نشاطهم ويتمتعوا بحرياتهم السياسية والمذهبية وإظهار معتقداتهم.

ويمكن الاشاره إلى تلك الحكومات التي أسهمت في بناء الوضع الجديد، وهى عبارة عن:

1- دولة الادارسه في المغرب (194 - 305).

2- دوله العلويين في الديلم (205 - 304).

3- دوله الفاطميين بمصر (296 - 567).

4- دوله البويهيين في بلاد العراق وإيران (321 - 447).

5- دوله الحمدانيين في سوريا والموصل وكركوك (293 - 392).

6- الامارة الطاهريه في هرات (205 - 259).

ولقد كان للدولة البويهيه الضاربة بملكها على مركز الخلافة ببغداد وأكثر بلاد إيران كفارس والأهواز وكرمان واصبهان وهمدان والري وجميع بلاد فارس الجنوبية وغيرها من بلاد العالم الاسلامى، كان لها الدور الفاعل والبليغ في تشجيع الحركة العلمية وتطويرها من خلال اتصال حكامها وأمرائها بالعلماء وإكرامهم وعقد المناظرات العلمية في مجالسهم، وكذلك من خلال إنشاء المكتبات كمكتبه عضد الدولة بشيراز ومكتبه دار العلم التي أسسها سابور بن اردشير عام 381 أو 383 في بغداد، وتعتبر من المكتبات الغنية في عالمنا الاسلامى، ومكتبه الصاحب بن عباد (م‏360)، ومكتبه ابن العميد في الري.

وامتازت هذه البرهة من تاريخ الشيعة بامتيازات قلما حصلوا على مثلها في تاريخهم الطويل الملى‏ء بالصراع وكم الأفواه ومصادره الحريات. ولا شك فقد نعمت مراكز العلم سيما في قم والري تحت ظل هذا الاستقرار السياسي واتسع نشاطها واتصالها بسائر البلاد والحواضر الأخرى خاصة عاصمه العلم ببغداد، كما ساعد هذا الوضع على فسح المجال للعلماء للتجوال والترحال إلى مراكز العلم الأخرى وعقد المناظرات واللقاءات فيما بينهم.

وقد عاصر الشيخ الصدوق(رحمه ‏اللّه) من حكام الدولة البويهيه الحسن بن أبى شجاع بويه الملقب بركن الدولة الذي بسط ملكه على الري وأصفهان وهمدان وسائر بلاد العراق العجمي، وكانت أيام ملكه التي دامت أربعاً وأربعين عاما حتى وفاته سنه (366) عامره بالعدل بين الرعية وحسن السيرة وتكريم أهل العلم.

قال ابن الأثير: (كان حليما كريما، واسع الكرم، كثير البذل، حسن السياسة لرعاياه وجنده، رؤوفاً بهم عادلا في الحكم بينهم، وكان متحرجا من الظلم، مانعاً لأصحابه منه، عفيفاً عن الدماء يرى حقنها واجباً إلا فيما لا بد منه، وكان يحامى على أهل البيوتات، وكان يجرى عليهم الأرزاق، ويصونهم عن التبذل، وكان يقصد المساجد الجامعة...، ويتعهد العلويين بالأموال الكثيرة، ويتصدق بالأموال الجليلة على ذوى الحاجات، ويلين جانبه للخاص والعام.. رضي اللّه عنه وأرضاه، وكان له حسن عهد ومودة وإقبال). وقال في وفاته: أصيب به الدين والدنيا جميعا، لاستكمال جميع خلال الخير فيه.

ولما نزل شيخنا الصدوق (طيب اللّه رمسه) الري أكرمه ركن الدولة وأدناه وعقد له مجلس المناظرة في دار إمارته بمحضر ومشاركه منه، وللشيخ في مجلسه خمس مناظرات جرت بينه وبين علماء العامة، وقد سجل القاضي نور اللّه التستري بعضها.

وعلى كل حال، فقد تمتع الشيخ الصدوق(عليه الرحمة) بحريه مطلقه في أظهار أرائه ومعتقداته في حله وترحاله في عهد ركن الدولة.

وأما فيما بعد وفاه ركن الدولة وجلوس ابنه عضد الدولة مجلسه سنه 366هـ الذي حكم من هذا التاريخ إلى سنه 372هـ ، فلم يحدثنا التاريخ عن العلاقة فيما بينهما على وجه التحديد، والذي نحدسه من سيره عضد الدولة مع العلماء هو تبجيلهم وتعظيمهم وإجراء الأرزاق على الفقهاء والمحدثين والمتكلمين وغيرهم، فلا بد أن تكون للشيخ الصدوق نفس المكانة المرموقة التي كان يتمتع بها على عهد ركن الدولة. إلا أن الذي يقطع به انه(رحمه ‏اللّه) كان على صله وثيقة بالصاحب بن إسماعيل بن عباد أبى القاسم العالم والأديب الفاضل وزير فخر الدولة البويهي سنه 373، حتى انه صنف كتاب عيون (أخبار الرضا(عليه السلام)) لقصيدتين رائعتين للصاحب في مدح الإمام الرضا(عليه السلام) وإبلاغه السلام والتحية بلسان المنظوم. والذي يكشف عن طرف من هذه العلاقة ما أثبته الصدوق(رحمه اللّه) في أول ديباجه الكتاب حيث قال: (فصنفت هذا الكتاب لخزانته المعمورة ببقائه، إذ لم أجد شيئا اثر عنده وأحسن موقعا لديه من علوم أهل البيت(عليهم‏السلام)، لتعلقه بحبهم واستمساكه بولايتهم واعتقاده بفرض طاعتهم وقوله بإمامتهم وإكرامه لذريتهم(أدام اللّه عزه وإحسانه إلى شيعتهم)، ثم قال: قاضياً بذلك حق إنعامه على ومتقربا به إليه لأياديه الزهر عندي ومننه الغر لدى).

وعلى كل حال، فقد استثمر الشيخ الصدوق فرصه استتباب الأمن واستقرار الوضع آنذاك وقربه ومكانته من الأمراء البويهيين، لخدمه المذهب وإعلاء كلمته من خلال مباحثاته وسجالاته مع مخالفيه في الاعتقاد، ومن خلال ما أنجز من مصنفات ضخمه وتراث عملاق، خاصة أثره الخالد (من لا يحضره الفقيه) وكتابه العظيم (مدينه العلم) الذي ضن الزمان به على الباحثين وغيبته يد الأحداث.

 

3- رحلاته: للأعلى

لا يخفى على احد ما تنطوي عليه كثره الأسفار والتطواف بين البلدان وحواضر العلم من عظيم الفائدة والأثر في تطوير حركه العلم وتعميقها، على الرغم مما يكتنف ذلك من الأخطار والمشاق، سيما في تلك الاعصار المتقدمة. إلا أن كل ذلك يضؤل إذا بات الهدف مقدسا، وكانت العزيمة راسخة ف (ما ضعف بدن عما قويت عليه النية).

وقد كان الشيخ الصدوق(عليه الرحمة) من أولئك الأفذاذ الذين قويت فيهم العزيمة في اللّه وللّه، فهاجر من اجل طلب العلم ونشره، إذ ليس من بلده أو مدينه كان الشيخ يدخلها إلا وأفاد فيها أو استفاد من شيوخها وأرباب الرواية والحديث.

والذي نحسبه إن الذي كان يدعوه إلى الإكثار من الترحال والسفر حتى بلغ مجموع أسفاره إلى أصقاع العالم الاسلامى سبعه عشره رحله بحسب ما ظهر من أسانيد كتبه هو الأمور التالية:

1- حبه الشديد وشغفه المفرط في طلب العلم وتحصيله.

2- اعتقاده بعدم إيفاء حاضرته العلمية في قم والري بما يرومه ويريد البلوغ إليه، لوجود الكثير من الفقهاء والمحدثين في حواضر العلم الأخرى الذين لا تتحقق الافاده منهم إلا بشد الرحال إليهم.

3- شعوره بالمسووليه في كثير من هذه الأسفار كما في سفره إلى الري وإقامته فيها بطلب من أهلها وعلمائها، وكذا أسفاره الأخرى التي كان يتولى فيها نشر المذهب والذب عن عقائده ودحض الشبهات الموجهة ضده وتثبيت قلوب المؤمنين وإرشادهم.

واليك تفصيل أسفاره ورحلاته التي طاف فيها كثيرا من البلاد، حتى وصفه ب (الرحلة) كثير ممن تعرض لترجمته.

1- الري:

وهى موطنه الثاني من بعد قم، وأول البلاد التي نزل فيها، حيث بقى فيها إلى أواخر حياته حتى توفي ودفن في تربتها. والري مدينه مشهورة من أمهات البلاد وأعلام المدن، قال الاصطخرى عنها: (والري مدينه ليس بعد بغداد في المشرق اعمر منها)، وقال أيضاً : (كان السواد الأعظم فيها من الشيعة).

وعلى كل حال فقد جعلها الشيخ الصدوق منطلقاً لأسفاره الأخرى يعاود إليها الرجوع بعد كل سفر، وقد سمع فيها من مشايخها سنه 347 كابي الحسن محمد ابن احمد بن على الاسدي المعروف بابن جراده البردعي، ويعقوب ابن يوسف بن يعقوب، واحمد بن محمد بن الصقر الصائغ العدل، وأبي على احمد بن محمد بن الحسن القطان المعروف بابي على بن عبد ربه الرازي، والأخير من مشايخ الري كما وصفه الشيخ الصدوق.

2- خراسان:

ورد الشيخ الصدوق(رحمه ‏اللّه) خراسان ثلاث مرات:

الأولى: وكانت في شعبان من سنه 352، وهى التي استأذن فيها الأمير ركن الدين البويهي في الزيارة لمشهد الرضا(عليه السلام) فإذن له وسأله الدعاء والزيارة عنه. ثم رجع في تلك السنة.

الثانية: في شهر ذي الحجة من سنه 367 أي بعد خمسه عشر عاما من زيارته الأولى وسمع فيها من السيد أبى البركات على بن الحسين الحسيني الحلي، وأبى بكر بن على، ثم رجع إلى الري قبل محرم الحرام من سنه 368 وأملى فيها في أول محرم المجلس السابع والعشرون من مجالس اماليه.

الثالثة: في سنه 368 في شعبان، وأملى فيها أربعه مجالس. وخراسان من البلاد الواسعة، معروفه بالعلم والحديث، قال الحموي واصفا أهلها(فإما العلم فهم فرسانه وساداته وأعيانه)، وفي كتاب(الحضارة الإسلامية) إنها جنة العلماء، وللشيخ الصدوق(رحمه ‏اللّه) مكانة سامية في نفوس العلماء والمحدثين بخراسان آنذاك، قال المجلسي الأول(قدس‏ سره): (وبعد انصرافه أي الصدوق من الحج توجه إلى خراسان لكثرة مشايخ الحديث فيها من الخاصة والعامة من سائر البلاد. واشتهر في خراسان شهره عظيمة وكان مجلسه حافلا بالعلماء على الدوام).

وقد تكرر وروده إلى خراسان مرات عديدة كما عرفت توقف في الثانية منها قرابة السنة، إلا أن القرائن تدل على طول مكوثه فيها، فقد وصفه النجاشي بأنه وجه الطائفة بخراسان، مما يعنى بقاؤه مده ليست بالقليلة حتى صح نعته بذلك، هذا كله على تقدير انه لم يدخل خراسان أكثر من ثلاث مرات، وإما لو قلنا بدخوله أكثر من ذلك مما لم يحدثنا التاريخ به فالأمر أوضح.

3- نيسابور:

وتقع في طريق خراسان، وكان قد وردها في شعبان سنه 352 بعد منصرفه من زيارته الأولى لمشهد مولانا الرضا(عليه السلام)، وتوقف فيها وأقام يسمع من مشايخها كابي على العطار، وأبى منصور احمد بن إبراهيم بن بكر الخوزى، وأبى على الحسين بن احمد البيهقى، وعبد الواحد بن محمد بن عبدوس، وأبى سعيد محمد بن الحسن بن محمد بن على بن الصلت القمى، وعبد اللّه بن محمد بن عبد الوهاب السنجري، وغيره.

وكانت نيسابور من مدن العلم المشهورة آنذاك، وصفها الحموي بأنها (مدينه عظيمة ذات فضائل جسيمه معدن الفضلاء ومنبع العلماء، فما طوفت من البلاد مدينه كانت مثلها). وقد ذكرنا سابقا توقف الشيخ الصدوق فيها لرفع الالتباس والحيرة عن نفوس الشيعة في أمر الغيبة.

4- مرو:

وفى سفره المتقدم إلى خراسان من تلك السنة (352) ورد مرو وسمع فيها من جماعه، منهم: أبو الحسين محمد بن على بن الشاه الفقيه المروزي، وأبو يوسف رافع بن عبد اللّه بن عبد الملك.

5- بغداد:

وفى سنه 352 أيضاً وكذا سنه 355 دخل بغداد عاصمه العلم ومركز الخلافة وقتئذ وحدث فيها كما تقدم عن النجاشي وسمع منه الشيخ المفيد ووالد النجاشي وأجازه فيها جميع كتبه، ‏ومحمد بن طلحه النعالي شيخ الخطيب البغدادي وغيرهم، كما سمع فيها من أبى الحسن على بن ثابت الدواليبي، وأبى محمد الحسن بن محمد بن يحيى العلوي المعروف بابن أبي طاهر، وإبراهيم بن هارون الهيستي، ومحمد بن عمر الحافظ. وكان دخوله الثاني(سنه 355) بعد رجوعه من الحج.

وتوهم البعض من عبارة النجاشي التالية: (ورد بغداد سنه 355، وسمع منه شيوخ الطائفة وهو حدث السن)، إن محل سماع الشيوخ منه كان ببغداد، مع إن عمره آنذاك إذا لاحظنا سنه ولادته (حدود 306) هو خمسون عاما، ولا يقال لمثله انه حدث السن.

إلا أن التأمل في عبارة النجاشي كفيل برفع هذا التوهم، فان عبارة (وسمع منه شيوخ الطائفة) تتعلق بسماع المشايخ منه، لا بدخوله إلى بغداد.

6- همدان:

وردها سنه 354 في طريقه إلى الحج، وسمع فيها من جماعه منهم: أبو احمد القاسم بن محمد بن احمد بن عبدويه السراج الهمداني، واحمد ابن زياد بن جعفر الهمداني وأجازه فيها أبو العباس الفضل بن عباس الكندي الهمداني.

7- الكوفة:

وردها سنه 354 في طريقه إلى الحج وسمع من شيوخها بمسجدها الجامع: محمد بن بكران النقاش واحمد بن إبراهيم بن هارون الفامي، والحسن بن محمد بن سعيد الهاشمي، وسمع فيها أيضاً من محمد بن على الكوفي وأبى الحسن على بن الحسين بن شقير الهمداني في منزله بالكوفة وغيرهم.

8- مكة والمدينة:

قصدهما بعد خروجه من الكوفة سنه 354، والظاهر إن هذه حجته الأولى.

9- فيد:

منطقه صغيره تقع في منتصف الطريق بين مكة والمدينة، دخلها بعد رجوعه من الحج من تلك السنة، وسمع فيها من أبي على احمد بن أبي جعفر البيهقي.

10- سرخس:

وردها وهو في طريقه إلى خراسان، وسمع بها من أبي نصر محمد بن احمد بن إبراهيم بن تميم السرخسي الفقيه.

11- سمرقند:

وردها سنه 368 وسمع بها أبا أسد عبد الصمد بن عبد الشهيد الأنصاري وعبدوس بن على الجرجاني، وهى من بلاد ما وراء النهر.

12- بلخ:

من بلاد إيران القديمة، دخلها سنه 368، وسمع بها من جماعه، منهم: على الحسن بن على العطار، وأبو عبد اللّه الحسين بن احمد الاشناني الرازي العدل، والحاكم أبو حامد احمد بن الحسن بن على، وغيرهم، وأجازه فيها أبو القاسم عبيد اللّه بن احمد الفقيه وأبو الحسن طاهر بن محمد بن يونس ابن حيوه الفقيه.

13- أيلاق:

وهى من أعمال سمرقند، وردها سنه 368، وحمل فيها عن أبي الحسن بن عمر بن على بن عبد اللّه البصري، وأبي نصر محمد بن الحسن ابن إبراهيم الكاتب الكرخي، وأبي محمد بن بكر بن على بن محمد بن الفضل الحنفي، وأبي الحسن على بن عبد اللّه بن احمد الاسواري.

14- فرغانه:

وهى من مدن بلخ، وردها سنه 368، وسمع فيها عن تميم ابن عبد اللّه بن تميم القرشي، وأبي احمد محمد بن جعفر البندار الشافعي الفرغاني، وأبي محمد محمد بن عبد اللّه الشافعي.

15 و 16- استرآباد وحرجان:

سمع بهما من أبي الحسن محمد بن القاسم، ومن أبي محمد القاسم بن محمد الاسترابادي، وأبي محمد عبدوس بن على بن العباس الجرجاني، ومحمد بن على الاسترابادي.

والذي يبدو أن الشيخ الصدوق لم يكن يقصد من مجمل أسفاره المتعددة إلى أطراف العالم الإسلامي وأصقاعه طلب الحديث ونشره فحسب، بل كان يرمى إلى ما هو ابعد من ذلك. فقد كانت أسفاره ورحلاته تحمل رسالة التعريف بمذهب أهل البيت(عليهم‏السلام) ومهمة الدفاع عن معتقداته الحقه وإظهار تفوقه ومزاياه في الفقه والحديث والتفسير وغيرها، خصوصا إذا لاحظنا أسفاره في البرهة الأخيرة من حياته حيث مكانته العلمية ومرجعيته بحيث لا يمكن تبرير ذلك بمجرد الاستزادة في طلب الحديث وضبطه.

 

5- مشايخه:  

من الأبعاد الواضحة في حياه الشيخ الصدوق(قدس‏سره) كثره مشايخه ومن لقيهم وتحمل العلم والحديث عنهم. ولا ريب فان لهذا البعد الدور الكبير في بناء شخصيته(رحمه ‏اللّه) وسعه ثقافته وإلمامه بالمرافق الهامة من أبواب العلم.

وقد ذكر المحدث النوري(رحمه ‏اللّه) في معجم أساتذته 198 شيخا، وزاد على هذا العدد المحقق الشيخ عبد الرحيم الرباني(رحمه ‏اللّه) في مقدمته على معاني الأخبار جماعه أخرى استخرجها من أسانيد كتبه المطبوعة، وهى الفقيه والامالي والتوحيد وثواب الأعمال وعقاب الأعمال وعلل الشرائع وعيون الأخبار وإكمال الدين ومعاني الأخبار والمقنع والهداية فبلغ مجموع أساتذته 252 محدثا. وتأتي هذه الكثرة الكاثرة من المشايخ ممن لقيهم الشيخ الصدوق واخذ عنهم نتيجة طبيعية لوفره أسفاره وتطوافه بين البلاد الاسلاميه وحواضر العلم كخراسان والري وبخارى ونيسابور وبغداد والكوفة والحجاز وغيرها من البلاد التي كانت تزدحم أروقه العلم فيها بطلاب الفضيلة وائمه العلم الذين تشد إليهم الرحال من كل مكان.

ومما لا شك فيه فان ثمة فوارق مذهبيه أو فكريه كانت موجودة بين هذه المراكز والحواضر، ربما تصل إلى حد التباين، مما يفتح أفقاً واسعا للناظر فيها يساعده على الاحاطة بها والوقوف على اتجاهاتها ومناحيها.

اجل، لقد استفاد الشيخ الصدوق من هذه الحواضر واخذ عن أعلامها من الخاصة والعامة. وبالطبع فليس جميع من سمع منه وحدث عنه على حد واحد في مقدار ما استفاده منهم، فقد كان لبعضهم الدور البارز في تربيه الصدوق(رحمه‏ اللّه) وأسماعه أكثر ما يمكن من الرواية والعلم.

ونظرا لضيق المجال عن أيراد فهرس أسماء أساتذته ومشايخه نقتصر على ذكر أبرزهم، وهم:

1- والده الفقيه الأجل على بن الحسين بن بابويه القمي.

2- الشيخ الثقة الثبت محمد بن الحسن بن الوليد.

3- الشيخ محمد بن على ماجيلويه.

4- الشيخ الأجل محمد بن موسى بن المتوكل.

5- الشيخ احمد بن على بن احمد بن محمد بن عمران الدقاق.

6- الشيخ محمد بن يحيى العطار.

هولاء هم أعلام أساتذته البارزين.

5- قدراته الذاتية( نبوغه وبراعته):

لقد كان من الطبيعي أن تترك دعوه الإمام الحجة(عجل الله فرجه) في حق الشيخ الصدوق أثاراً عظيمة في تكوين شخصيته الفذة ومؤهلاتها العلمية، فظهرت أثار تلك الدعوة المباركة في عده مجالات من حياته، كان أهمها حبه الواسع للعلم، وحدة ذكائه وبراعته، وقوة حفظه لما يسمع، حتى عرف عنه ذلك واشتهر بين القميين وكانوا يعزون الأمر فيه لدعاء الإمام(عجل الله فرجه)، وربما صارح بعضهم شيخنا الصدوق به. وهذا ما يحدثنا به الشيخ الصدوق نفسه حيث يقول: (كان أبو جعفر محمد بن على بن الأسود(رضي ‏اللّه عنه) كثيرا ما يقول لي إذا راني اختلف إلى مجلس شيخنا محمد بن الحسن بن احمد بن الوليد(رضي ‏اللّه عنه)، وارغب في كتب العلم وحفظه: ليس بعجب أن تكون لك هذه الرغبة في العلم وأنت ولدت بدعاء الإمام(عليه السلام)).

ولا شك فان حضوره في سن مبكر على أستاذ عظيم كابن الوليد بحيث يستوي صفه مع بقية الحضار من مشايخ الحديث والرواية ينطوي على معنى كبير في ذاته، ويعكس بلا شك نبوغ الصدوق وتقدمه على أترابه، لا بل على مشايخ الحديث في وقته، فقد نقل الرجالي الكبير أبو العباس النجاشي: إن شيوخ الطائفة سمعوا منه وهو حدث السن.

وينقل شيخ الطائفة الطوسي في كتابه(الغيبة) عن أبي عبد اللّه بن سوره(رحمه‏اللّه) انه كان يقول: (كلما روى أبو جعفر يعنى به الصدوق وأبو عبد اللّه ابنا علي بن الحسين شيئاً يتعجب الناس من حفظهما ويقولون لهما: هذا الشأن خصوصية لكما بدعوة الإمام لكما، وهذا أمر مستفيض في أهل قم).

وقال الشيخ الطوسي أيضاً عن حفظه وفطنته (لم ير في القميين مثله في حفظه وكثره علمه). بل في دراية والد الشيخ البهائي انه لم ير في عصره مثله في حفظه وكثره علمه.

ووصف الذهبي حفظه بأنه يضرب به المثل وكان أخوه الفقيه الحسين بن علي(رحمه الله) شريكاً له في الحفظ والذكاء فانه عقد مجلس البحث والتدريس وله من العمر دون العشرين سنه، ولا ريب فان لهذا الأمر مدلوله الخاص في قم ذلك المركز العلمي الحافل بأئمة العلم ومشيخة الحديث والفقه والتفسير.

وبالطبع فقد افرز هذا النبوغ الذي حظيي به شيخنا المترجم تراثا علميا ضخما قد ناهزت مؤلفاته الثلاثمائة.

 

أنوار من سيره الشيخ الصدوق (قدس‏ سره): للأعلى

حياه العلماء مليئة بالدروس والعبر، وحري بكل طالب علم ومثقف أن يتملى ويتزود لحياته من الملكات الفاضلة والخصال الروحية الرفيعة التي كان يتمتع بها علماؤنا.

وإنا إذ لا زلنا نتصفح حياه شيخنا الصدوق ونتفي‏ء ظلاله، ونمتع ناظرنا ببحبوحة رياضه وجنانه نجد الكثير من مشاهد العبر، ودروس العظمة في حياه ومواقف هذا الرجل العظيم، تعرفنا على غنى معدنه، وعظيم سره وذاته.

وقد شاء الزمن أن يكشف عن طرف من ذلك من خلال البحث والمطالعة في فناء حياته الشريفة، ولعل ما خفي علينا كثيرا جدا لا يعرفه إلا اللّه فهو اعلم بعباده.

وبما أن المنشود من تسجيل حياه العلماء والحديث حولها، ليس هو العرض المجرد، بل الانتفاع بسيرتهم وتكميل النفوس باقتفاء أثرهم والتخلق بأخلاقهم، نلوي عنان القلم لاستعراض نفحات طيبه ودروس بليغة من حياه الشيخ الصدوق(رضوان اللّه عليه) من خلال النقاط التالية:

أولاً ـ الإحساس بالمسؤولية:

من الأمور التي تميز بها فقهاؤنا على مر العصور شعورهم بالمسؤولية، ونهوضهم بأعبائها في جميع مواقع الحياة ومجالاتها. ولا يخفى هذا الأمر على كل من سبر تاريخ أولئك الأعاظم وتأمل في تفاصيله ووقائعه. ولا غرو فان الفقهاء هم حصون الامه وحماتها.

وان المتتبع لحياه شيخنا الصدوق( أعلى اللّه مقامه) يجد تجسيد ذلك في أكثر من مجال من حياه هذا الإمام الفقيه الذي كان يقدر مواقع المسؤولية في جسم الامه فيحاول أن يملاها بوجوده الشريف تارة وبقلمه وبيانه أخرى، وبسجالاته ومناظراته تارة ثالثه.

ولعل في طليعة تلك المسؤوليات التي وضعت نفسها بين يدي شيخنا الصدوق(رحمه ‏اللّه) تستنهضه لحمل أعبائها، سفره إلى الري وإقامته فيها برغبة وطلب أهلها الذين رغبوا في حضوره وأقامته للافاده من محضره على كثرة من في الري من المحدثين والفقهاء وذوى الفضل.

ولم يرد في المصادر تحديد دقيق لتاريخ هجرته إلى الري. نعم الموجود في أسانيد بعض كتبه ‏وجوده بقم إلى سنه 339.

وعلى أي تقدير فقد نزل الشيخ الصدوق بالري والتفت حوله جماهيرها ومحدثوها، يستمطرون وابل علمه ويستظلون بغمائم فضله، قد غمرتهم رعاية الشيخ وعنايته، وعلاهم وقاره وهيبته، وبهرتهم غزارة علمه وتدفقه ما تركهم عكوفا على بابه، ذاهلين عمن سواه.

ولقد كان من ثمرات وجوده(رحمه اللّه) بالري دفاعه عن المذهب الحق من خلال محاججاته ومناظراته مع بعض علماء المسلمين أو الملاحده بحضرة الأمير ركن الدولة البويهى الذي كان مجلسه واسعا لأهل العلم والفضل، وقد جرت تلك المناظرات في موضوعات شتى كالامامه ومسألة النص والغيبة وغير ذلك. وكان الشيخ يلزم أنداده في البحث بالادله الدامغة والحجج الساطعة فيمسك الخصم عن مجاراته ويذعن بالحق الصراح الذي كشف الشيخ عن جليته وأماط اللثام عن غرته.

وهكذا نجد المسؤولية في موضع أخر تحرك شيخنا الصدوق لان يقف بنيسابور بعد منصرفه من مشهد الإمام الرضا(عليه السلام)، ليذب الشبهات والتشكيكات حول موضوع الغيبة، التي حيرت أتباع أهل البيت(عليهم السلام) حتى عدلوا عن طريق التسليم إلى الآراء والمقاييس، ثم يصنف بعد ذلك كتاب(إكمال الدين) لاستئصال شافه الشبهة وفق‏ء عين الفتنه. وبمثل هذا الحماس والحميه على الحق هب يذود عن المذهب ويبرئه بالمنطق العلمي مما نسبه إليه البعض من القول بالجبر والتشبيه فقبحوا بذلك عند الجهال صورة مذهبنا ولبسوا عليهم طريقتنا، فوضع للرد على تلك التخرصات والسفاسف كتاب(التوحيد).

وهكذا، فقد كان الشيخ الصدوق يتحرى مواقع الحاجة فيندفع لرفعها ولو كانت في إطار ضيق وفردي، كما في تأليفه لكتابه العظيم(من لا يحضره الفقيه) إذ كان ذلك استجابة لرغبة كاشف بها الشريف محمد بن الحسن أبو عبد اللّه المعروف بنعمة شيخنا الصدوق (رحمه اللّه) في أن يصنف له كتابا في الحلال والحرام (رسالة عمليه)، فلبى الشيخ الصدوق رغبته وأجابه إلى منيته من غير تعلل أو اعتذار في إنجاز هذا السفر الكبير لرغبه إنسان واحد، وذلك عندما وجد إن من مسؤوليته القيام بمثل هذا الأمر.

ولعمري، فان هذا التواضع الجم والخلق الرفيع لهو من دلائل العظمة وسمو الذات ولا يجمع العلم إلا بالتواضع وما تلك الأبهة والمجد الذي بناه الشيخ الصدوق إلا من ثمرات تواضعه وخصاله الحميدة، وحقا فان من تواضع للّه رفعه.

ثانياً ـ إخلاصه:

لا ريب إن عامل الإخلاص يمثل جوهر العمل ولبه، فهو الذي يوجه الممارسة فينقلها إلى عالم المعنى والعبادية ومن ثم يرشحها للقبول. كما انه يضمن سلامة العمل واستكماله ببلوغه المراحل النهائية منه حتى يكتب له البقاء والخلود. وقد تجلى عامل الإخلاص في أعمال الشيخ الصدوق (رحمه اللّه) بشكل بارز وملموس من خلال ما سطرته براعته من مؤلفات. واليك بعض النماذج التي استهل بها كتبه لتكشف عن طرف مما ذكرنا.

قال في خطبه الخصال بعد أن ذكر العلة من تصنيف الكتاب: فتقربت إلى اللّه جل اسمه بتصنيف هذا الكتاب، طالباً لثوابه، وراغباً في الفوز برحمته، وأرجو أن لا يخيبني فيما أملته ورجوته منه بتطوله ومنه، انه على كل شي‏ء قدير.

وفى ثواب الأعمال: ان الذي دعاني إلى تأليف كتابي هذا ما روى عن النبي(صلى الله عليه وآله) انه قال: الدال على الخير كفاعله، وسميته كتاب(ثواب الأعمال) وأرجو أن لا يحرمني اللّه ثواب ذلك، فما أردت من تصنيفه إلا الرغبة في ثواب اللّه وابتغاء مرضاته سبحانه، ولا أردت بما تكلفته غير ذلك، ولا حول ولا قوه إلا باللّه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

وفى كتاب التوحيد بعد التنبيه على الداعي لتأليف الكتاب قال: فتقربت إلى اللّه تعالى ذكره بتصنيف هذا الكتاب في التوحيد ونفى التشبيه، مستعينا به ومتوكلا عليه، وهو حسبي ونعم الوكيل.

هذه نظره سريعة في لوح الإخلاص الذي سجل فيه الشيخ الصدوق جمله من أعماله، ولا شك فان إخلاص الشيخ وسلامة نواياه كانا وراء خلوده واشتهار صيته.

ثالثاً ـ شغفه بالعلم:

عندما تتقدس الغاية يتضاءل كل ما دونها، وعندما يسمو الهدف يصغر جميع ما سواه. ولقد كان العلم من اجل إحياء الدين وخدمه الشريعة هدفا مقدسا عند الشيخ الصدوق(رحمه ‏اللّه) تراجعت أمامه جميع الاولويات في حياة هذا الرجل الفذ، وارخص دونه كل غال من الراحة والاستقرار والدعة.

كان الشيخ الصدوق دءوباً في طلب العلم منذ صباه وهو يعيش تحت رعاية أبيه، حريصا على تحصيله وضبطه، منصرفا عما سواه، وقد هيأه انقطاعه للعلم للحضور عند أكابر العلماء والمحدثين في قم، ثم رشحه نبوغه للتصدي لكرسي الحديث، فسمع منه شيوخ الطائفة وهو في حداثة سنه وباكورة عمره.

ولم يوقفه شغفه بالعلم للاكتفاء بما في حاضرته العلمية بقم، بل جنح به لتحمل وعثاء السفر ومكابده الغربة، والابتعاد عن الأهل والوطن، لا يثنى عزمه بعد الشقة ولا يفت في إرادته الم الغربة أو شيخوخة السن، وقد نيف على الستين مما يعنى انه كان ماضيا في طلب العلم وجمع الحديث من أصقاع الأرض حتى قبل وفاته بما يقل عن العقد.

ولعمري إن هذا لهو أعظم الجهاد، وابلغ الدرس في المثابرة والاستقامة يقدمه أمثال الشيخ الصدوق لأجيالنا الحاضرة من طلبه العلم. نسال اللّه تعالى الرشاد لما هدى إليه السلف الصالح.

رابعاً ـ تواضعه:

من السمات البارزة في سيرته تواضعه في طلب العلم مع ما كان عليه أمره من الجلالة والفضل والمكانة العلمية الرفيعة، إلا أن ذلك لم يكن يصده عن الأخذ والافاده من الآخرين، وهذا ما يتكفل بإثباته أسفاره التي دامت حتى أخريات حياته يبادل السماع فيها أرباب الحديث وهو رئيس الإمامية وصاحب التصانيف القيمة الغزيرة، حتى انه لما ورد سرخس و أيلاق سنه 368 وكان ذلك في أواخر حياته حيث توفي 381 سمع فيهما من أبي نصر محمد بن احمد السرخسي الفقيه، وأبي الحسن محمد بن عمرو بن على بن عبد اللّه البصري، وأبي نصر محمد بن الحسن بن إبراهيم الكرخي الكاتب، وأبي محمد ابن بكر بن على بن فضل الحنفي وغيرهم، مع انه كان معه من كتبه في تلك السفرة مائتان وخمسة وأربعون كتابا نسخها الشريف أبو عبد اللّه المعروف بنعمة باجمعها عند وروده على الشيخ الصدوق بقصبة أيلاقس، كما نص عليه الصدوق نفسه في خطبه من لا يحضره الفقيه.

 

وفاته ومدفنه:

توفي الشيخ رحمه الله في بلدة الري سنة 381 هـ، وقد بلغ عمره الشريف نيف وسبعين سنة، ودفن بالقرب من قبر السيد عبد العظيم الحسني بالري في بستان طغرليه في بقعة شريفة وعليها قبة عالية، يزوره الناس ويتبركون به، وقد جدد عمارة المرقد الشريف السلطان فتح علي شاه قاجار سنة 1237هـ وذلك بعدما شاع من حصول كرامات عديدة من مرقده بعد وفاته.

مراجع وعلماء منتديات موقع الميزان العودة إلى الصفحة الرئيسية سجل الزوار