هبة الدين الشهرستاني

 

ولادته

يزخر تاريخنا وتراثنا العلمي والفكري بالعديد من العلماء الأعلام الذي سخروا حياتهم لخدمة الدين وتقدم الإنسانية ورفعتها، ومنهم السيد هبة الدين الشهرستاني.

ولد السيد هبة الدين في سامراء عام 1301 هـ الموافق 1883م. ونشأ في كنف أبوين صالحين ربياه على حب العلم والتقوى والورع ونما وترعرع في جو هيمن عليه زعيم ديني كبير هو المجدد محمد حسن الشيرازي (1814 ـ 1895م) صاحب فتوى التبغ الشهيرة، التي جعلت الدوائر الاستعمارية تحسب للقيادات الدينية الوطنية ألف حساب، فحاولت ما استطاعت تعطيل دورها إما بشكل مباشر أو غير مباشر عن طريق صنائعها في العالم الإسلامي. وقد تأثر الفتى بتلك المواقف التي تربي النفوس على الاعتزاز والاعتداد، وربما تفتح في وعيه كيف يكون رجل الدين فوق رجل السلطة والسياسة، سيما وانه كان يرى بيت المجدد الشيرازي أضحى قبلة العلماء والأحرار يتوجهون إليه من العراق والهند وإيران وغيرها من البلدان.

بعد وفاة المجدد الشيرازي انتقل السيد هبة الدين مع والده إلى كربلاء وهي موطن آبائه وأجداده، وبعد وفاة والده انتقل إلى النجف للدراسة فيها بتوجيه من أحد أصدقاء أبيه فتوطنها لمدة خمسة عشر عاماً. وكان تلميذاً يتوفر على ذكاء وقّاد، فتقدم في دروسه ليكون واحداً من أبرز تلامذة الشيخ كاظم الطباطبائي اليزدي. (وقد بلغ مكانة سامية في العلم والفضل والأدب وشهد له عدد من العلماء بالاجتهاد).

وفي ذلك الوقت، فتح أبواب التدريس في العلوم الأربعة: البلاغة، المنطق والفلسفة، الهيئة والنجوم، وأصول الدين وفروعه. وكان السيد متحدثاً لبقاً، ومصوراً بارعاً، ومجدداً مبتكراً، فأقبلت عليه جموع الشباب المتعطش للعلم والمعرفة من الأسر النجفية المعروفة ومن أبناء الجاليات الأخرى لتغترف من معينه. وامتد طموحه ليتصل بالمجامع العلمية والنوادي الأدبية في البلاد العربية والإسلامية. فأخذت الصحف والمجلات والمطبوعات الحديثة تنهال عليه من كافة الأرجاء، مما ساهم بشكل فعال في ربط النجف بالعالم الخارجي لتحيط بما يحدث فيه من جديد.

 

الهيئة والإسلام 

إن الموسوعية في علمية السيد الشهرستاني، وتنوع مصادر معرفته، ألقت بظلالها على كتبه من خلال اختلاف موضوعاتها وتعدد اهتماماتها، فمن أشهر ما صدر للسيد هبة الدين كتابه القيم (الهيئة والإسلام) عام 1907م، أثبت فيه سبق الإسلام إلى اكتشاف قضايا مهمة في علم الفلك، كما نقض مبادئ الهيئة القديمة بأدلة علمية قوية، فدلّ على تضلّع مؤلفه في العلوم الطبيعية والرياضية فضلاً عن العلوم الشرعية والفلسفية. وأحدث هذا الكتاب في حينه صدى واسعاً في الأوساط العلمية، وانهالت الرسائل على مؤلفه من كبار علماء عصره، كما ترجم إلى لغات عدة كالفارسية والأوردية والإنجليزية.

 

السيد المجاهد   

حينما اندلعت الحرب العالمية الأولى عام 1914 بدأ دور مهم من حياة هذا المصلح، حيث برز كمجاهد ومناوئ صلب لجيوش الاحتلال الإنكليزي التي بدأت غزوها للعراق، وأعلن حينها علماء الشيعة الجهاد ضد الإنكليز، ودافعوا عن الدولة العثمانية رغم سياستها الطائفية الظالمة ضد الشيعة طيلة قرون، ولكنهم تناسوا جراحاتهم لأن الأمر دار بين دولة كافرة وأخرى مسلمة.

قاد السيد هبة الدين قوة من عشائر آل فتلة وبني حسن والعوابد تحركت في أوائل محرم من عام 1333 هـ عن طريق الفرات إلى أن ألتحق بالشعيبة من الجناح الأيمن الذي كان في مقدمته الإمام المجاهد السيد محمد سعيد الحبوبي. وعند انكسار جيش الجهاد عاد إلى النجف وقد ألمّ به المرض. وفي هذه الفترة اتصل به القادة الأتراك وطلبوا منه رسم خطة لإعادة الكرّة للجهاد عن طريق كوت الإمارة، وهكذا كان. فخاض السيد مع بقية العلماء والعشائر والجيش التركي معركة أخرى ضد الجيش الإنكليزي الغازي. وكان النصر حليفهم هذه المرة، حيث استطاعوا محاصرة الجيش الإنكليزي الغازي وأسر جميع أفراده وعددهم اثني عشر ألف رجل بالإضافة لقائده الجنرال (طاوزند).

وبعد احتلال الإنكليز العراق، أقام السيد الشهرستاني في كربلاء وأخذ يكّون حلقات علمية في مدرسة باب السدرة يلقي فيها محاضرات في التفسير ويؤلف الكتب التي تشيد بهذا العلم وغيره، لكن سعيه في مقاومة الاحتلال لم يتوقف، وحينما حلّ الإمام محمد تقي الشيرازي في كربلاء اتصل به السيد هبة الدين ولازمه، ثم مثّله لدى السير ولسون الحاكم السياسي البريطاني العام في العراق، لنقل مطالب العراقيين في الحرية والاستقلال، ولما لم ينفذ الإنكليز شيئاً من تلك المطالب أفتى الإمام الشيرازي بالثورة ضد الاحتلال، فانطلقت الرصاصات الأولى على الإنكليز في الرميثة لتكون إيذاناً بإعلان الثورة الشاملة التي عمت العراق من أقصاه إلى أقصاه، حيث سيطر الثوار على المدن المهمة، وهزموا الحكام الإنكليز وكوّنوا إدارات وطنية بعد معارك عنيفة وكبدو الجيش المحتل خسائر جسيمة في الأرواح والمعدات والأسرى، غير أن عدم تكافؤ ميزان القوى العسكرية بين الطرفين، ووفاة القائد الأعلى للثورة الإمام الشيرازي، وأسباب كثيرة أخرى لا مجال لتفصيلها أثر على معنويات الثورة، واستطاع الإنكليز اقتحام مدينتي كربلاء والنجف، وألقوا القبض على السيد الشهرستاني مع جمع من أصحابه وأرسل إلى الهندية (طويريج) ثم الحلة حيث بقي في السجن مدة تسعة أشهر. ويذكر الزركلي في (الأعلام) إن الإنجليز قد حكموا عليه بالإعدام، لكن أصدر بعدها الملك (جورج الخامس) ملك بريطانيا قراراً بالعفو العام فأطلق سراحه مع بقية المعتقلين.

 

السيد السياسي 

بسبب التداعيات التي خلفتها ثورة العشرين وما آلت إليه الأحداث السياسية اضطر الإنكليز إلى قبول قيام سلطة عراقية وطنية. وعندها رشح الملك فيصل بن الحسين كي يكون ملكاً للعراق حيث زار النجف ثم كربلاء والتقى الشهرستاني مع جمع من العلماء في الحرم الحسيني المطهر، وبعد وصوله إلى بغداد بدأت الاستعدادات لتشكيل أول وزارة عراقية بعد الحكم الوطني عام 1921 فطلب منه الملك فيصل الأول مؤكداً عليه قبول وزارة المعارف، فوافق بدافع الحرص على تربية النشء تربية إسلامية صحيحة، وشجعه على ذلك بعض رجال الدين، وحين استلم الوزارة بدأ برسم الخطط لتقليص النفوذ الإنكليزي في المعارف، واستبدال المناهج الأجنبية بالمناهج الدينية، لأن التعليم واحدة من النقاط الحساسة التي يهدف الاستعمار للسيطرة عليها وتوجيهها لصالحه. حينذاك كان لكل وزير عراقي مستشار بريطاني يدير الأمور من وراء الستار ففصل مستشاره (كابتن فاول) دون باقي الوزراء، واختلف مع زملائه في ذلك. وحينما عرضت التوصيات بالانتداب كان المخالف الأول لبنوده، ولما لم يجد عوناً على تنفيذ تقريره الطويل بهذا الشأن فضّل الاستقالة من وزارة عبد الرحمن النقيب.. غير ان الملك فيصل عاد وألح عليه بقبول رئاسة مجلس التمييز الشرعي الجعفري، لكنّه اعتذر، بيد ان العلماء أصروا عليه بقبوله لكفاءته فوافق بشرط أن ترفع درجة القضاء الجعفري من نواب قضاة إلى قضاة فأجيب طلبه وصدر الأمر بذلك. فاتجه إلى تنظيم هذا المجلس الذي هو الأول من نوعه وحدد موقف باقي المحاكم القضائية المرتبطة به، وانتخب مجموعة من الرجال الصالحين للانتساب إليه، وفي هذا الطور من حياته فاجأهُ القدر القاسي بذهاب بصره، فصمم على الاستقالة واعتزال العمل إلا ان المسؤولين لم يستغنوا عنه لحاجة السلطات القضائية له، وبقي يشغل هذا المنصب قرابة أربع عشرة سنة. وفي سنة 1345هـ استقال من منصبه فرشح نائباً عن بغداد في البرلمان العراقي وبقي فيه حتى انحل.

 

وفاته  

بقي السيد الشهرستاني في مدينة الكاظمية فأعاد صياغة مؤلفاته العلمية وإتمام ما لم يتمه كما أسس عام 1360 هـ مكتبة الجوادين في الصحن الكاظمي الشريف، فنقل إليها كتبه وظل يضيف إليها حتى أصبحت من أكبر المكتبات وأغناها، وكان له فيها مكان خاص يستقبل زواره، وكانت توجه إليه الأسئلة المختلفة من شتى البلاد فيجب عليها، وجمعت بعض الأسئلة المختلفة وطبعت في كتاب.

توفي رضوان الله عليه عام 1967م، ودفن في الكاظمية.

مراجع وعلماء منتديات موقع الميزان العودة إلى الصفحة الرئيسية سجل الزوار